كتب شكسبير مسرحيته ماكبث فأصبحت ليدي ماكبث التي هي زوجة الرجل الذي تآمر وقتل ليصبح ملكا أشهر بين أهل الأدب ومتذوقي الفن من زوجها. الرجل هو الذي فعل كل شيء، ومع ذلك فالست هي المتهم الأول من الكاتب الألمعي. أما نحن القراء والمشاهدون فلقد سارعنا عبر قرون الى اتهام الست لأننا رأينا هذا في الواقع. رأينا الست وهي غارقة في الطموح وتدفع زوجها اليه حتى لو كان في ذلك هلاكه. ومنذ سنوات كتبت عملا تحت عنوان اللاعبة والعسكرة وكنت أقصد باللاعبة المرأة الطموح مثل ليدي ماكبث التي تختار زوجا لتصنع منه نجما كبيرا، وكنت أقصد بالعسكري قطعة الشطرنج التي تلعب بها اللاعبة. ولكن الرقابة اعترضت على اعتبار أنني أقصد باللاعبة السيدة جيهان السادات التي تزوجت من أنور السادات وهو مفصول من الجيش، ويقوم بأعمال مؤقتة إذا أتيح له ذلك، ولم يكن لهما بيت يعيشان فيه فكانا يسكنان فندقا من الدرجة العاشرة، واستطاعت السيدة جيهان - على ما رأت الرقابة - أن تدفع زوجها الى أن وصلت به الى أعلى منصب، وكان في ذلك نهايته. وعندما قالوا هذا التفسير في الرقابة دهشت، ورأيت أنه تفسير جميل وإن لم يكن ذكيا، فلم يكن هذا ما أعنيه، ولكنه بالتأكيد أفضل كثيرا مما كنت أعنيه. ويومها قلت لهم: ولماذا ألف وأدور، لو كنت اريد كتابة قصة السيدة جيهان مع الرئيس السادات من الزاوية التي تقصدونها لكتبتها مباشرة. وابتسم لي الرجل الوقور ابتسامة صفراء وقال: كنا سنمنعها ايضا! ولا أظنه كان قادرا على ذلك، ولكنني فعلا لم أكن أريد كتابة شئ كهذا. فأنا لم يكن تعنيني ليدي ماكبث في السياسة بقدر ما كانت تعنيني في الأدب. وكان هذا قصدي من اللاعبة والعسكري، فالعسكري الذي كنت أعنيه كان كاتبا صنعته زوجته ووقفت الى جواره، وكان هذا غير طبيعي فلقد سقط بجهدها ايضا. ولو أنك استرجعت ذاكرتك لوجدت أكثر من دليل على ما أقول، أما أنا فسأسترجع بعض من عرفت وربما بعض من نعرف، وأرجو ألا أصطدم بالرقابة، فالرقابة هنا أقوى. فلو أدرك أخونا ماكبث أنني أتحدث عنه وعن زوجته، سيغضب مني غضبا شديدا، والغضب الاجتماعي أحيانا أكبر من الغضب السياسي. وماكبث الذي أعنيه هو كاتب مسرحي، ومنذ وقت مبكر تزوج من ليدي ماكبث، وكان أخونا ابنا لماركسي شهير، وناصرية شهيرة، لكنه كان يمينيا شديدا، ويريد الاعلان عن يمينيته. قالت له: إياك. دع الجميع يقفون وراءك، ولأن صاحبنا قليل الموهبة شديد المهارة قدم أعمالا ذات بريق. حقا أنه بريق مزيف. لكن تأصيل البريق كان على ليدي ماكبث. اتصلت بالماركسيين: ألا تقفون الى جوار ابن زميلكم؟ إنه الآن كاتبكم المرجو.. هل تدعونه هكذا عاريا أمام سهام اليمين والرجعية. وبالطبع استثارت النخوة الماركسيين فرأوا في أعمال كاتبهم ما ليس فيها. وخرجت الست من عند الماركسيين الى الناصريين وقالت لهم إن ابن زميلتهم في خطر شديد، فالماركسيون يريدون استقطابه، والرجعية تريد ذبحه، وعليكم أن تدركوه قبل مصرعه. وصاح النقاد الناصريون: يا للعار، وساندوا المسكين. وذهب أخونا بنفسه الى اليمين وقال لهم انه يتبرأ من الماركسية والناصرية وأنه يفكر في تغيير اسمه لولا أنه أصبح ماركة مسجلة، وأنه لولا أنه أديب فقط وليس سياسيا لكتب آراءه في آلاف الكتب وهب نقاد اليمين يناصرون رجلهم. ومع كل عمل كان يقدمه أخونا كان النقاد من أقصى اليمين وأقصى اليسار يقفون الى جواره، ويرفعون من شأن ما عمله. حاول البعض طبعا ممن لم تصل اليهم الست ماكبث أن يقولوا انها مسرحيات سيئة، وانها مسروقة من أعمال مشهورة، وان نجاحها أحيانا يرجع للطبخة المسرحية. ولكن هذه الأصوات ضاعت مع العاصفة العاتية. وفي سنوات قليلة أصبح صاحبنا في القمة، ولكن.. لعن الله أرسطو ونظريته في الدراما. فهناك الخطأ التراجيدي للشخصية، الذي يقلب الأمور، ويغير مسار الأشياء. والخطأ التراجيدي الواضح في قصة أخينا هي زوجته. فلقد اندفعت يمينا ويسارا تؤكد أن زوجها أفضل الناس جميعا، وتطلب منهم أن يقروا بهذا، ومن لم يفعل كان عقابه شديدا. وبدأ البعض يضيق بالحاح ليدي ماكبث. فإذا كتب ناقد أن زوجها من أفضل الكتاب غضبت وطلبت منه أن يكتب أنه أفضل الكتاب. فإذا فعل غضبت لأنه لم يكتب أنه أعظم الكتاب في العالم. وأصبحت رؤية ليدي ماكبث تثير الضيق في كل مكان ثم بانحيازها الشديد هذا مزقت العلاقة بين أخينا والمنمق وهو لفظ مهذب أبحث له عن بديل. والمنمق هو زميل أخينا الذي يأخذ أعماله ويرتبها ويجملها ويقدمها للناس كما يرونها، وقيل العكس أي أن المنمق هو الذي يملي الأفكار فيجمعها اخونا ولا يهمنا من الذي كان ينمق. المهم أن أخانا رأى أنه الأفضل وأن المنمق لا شئ، وغذت ليدي ماكبث الصراع حتى انتهت العلاقة بينهما، وأصبح كاتبنا بلا منمق، وفي قول آخر انه أصبح منمقا بلا كاتب. هذا ما رآه الجميع، ولكن ما لم يره الكثيرون كان التغير الذي حدث في أخينا وزوجته. أما أخونا فلقد بلغ ذرى الغرور الى حد أن صديقا لنا كان يشكو أنه لا يرى منه إلا ذقنه، فهو يرفع أنفه دائما الى السماء، وقيل انه قال ان في تاريخ البشرية كاتبين شكسبير وصاحبنا. ولا أظن انه قال ذلك، ولكن البعض يؤكده. ولا أعرف اذا كان أرسطو يرى أن الغرور خطأ تراجيدي أم لا، فأنا شخصيا أراه صفة محتمة في البعض تجعل شخصياتهم مميزة بدلا من التسطح البارد. ولكن بالتأكيد ان الخطأ التراجيدي كان أن ليدي ماكبث أصابها الغرور أيضا. وبتجربتي اذا التقى مغروران فسد كل شئ. وكانت الست قد وصلت الى الغرور لأنها أدركت أن ماكبث هو صناعتها، فلولا ما فعلته له كل هذه السنوات لكان يعدو مداه صغار المخرجين، وفي اتجاه الصحف المجهولة. أما الآن فهو نجم النجوم، وكل ذلك بفضلها من الألف الى الياء، لكن لم تكن تقولها من الألف الى الياء كما نقولها نحن، بل كانت تنطقها بالانجليزية. ولم يكن هذا هو السبب الوحيد لإصابتها بالغرور، فلقد أصابها بعض النجاح في عملها الذي كان شبه مجهول من الجميع، فتساءلت لو أن جهدها كان لنفسها بدلا من اهداره تحت قدمي زوجها ألم يكن من الممكن أن تكون نجمة النجوم، وجحا أولى بلحم ثوره كما يقول المثل. وكانت الشقة التي يسكنان بها فسيحة وأنيقة لكنها لم تتسع للزوجين، فلقد نفخهما الغرور حتى احتاج كل منهما الى بيت وحده. أعرف أنك ستقول انك تعرف أطراف هذه القصة، ولكنك لن تكون صائبا في التخمين دائما لأنها قصة متكررة، وربما كان أخونا من وجهة نظري يختلف عن أخينا من وجهة نظرك. وأنا على سبيل المثال أعرف أكثر من أخينا، وآخر ما سمعت في ذلك ما قاله ليدي ماكبث أخرى: الحمد لله أثبت له بالجائزة! وكان صاحبنا حصل على جائزة كبرى فلما أبديت لها دهشتي أكدت لي: اتصلت بجميع أعضاء اللجنة، وشرحت لهم ضرورة أن يحصل مستر ماكبث عليها. وقبل أن تقول لي ذلك كنت أرى مستر ماكبث كاتبا عظيما، أما الآن.. أظن أنني أراجع نفسي!