بين حين وآخر تطلع علينا الصحف ـ وما اكثر ما تطلع به علينا الصحف ـ بما يسمى «شمشون العرب»..، واحيانا اخرى بـ «أسد العرب»، ويشدنا هذا الاسم أو ذاك، ويذهب بنا الخيال بعيدا، فنتصور ان القدر قد من علينا أخيرا بذلك المنقذ الاسطوري الذي تتحقق على يديه احلام العرب المركونة على رفوف العجز العربي، والذي سيعيد الينا ـ بعد طول انتظار ـ ايام البطولات العربية، ويلحق باسرائيل والصهاينة ما لحق بأولاد اعمامهم الصليبيين على يد «أسد العرب» وقتذاك.. و«شمشون المسلمين» حينذاك.. صلاح الدين الايوبي.. ونقرأ السطور الاولى تحت العنوان المثير الذي يحمل اسم «شمشون» أو «أسد» فنصاب بخيبة امل عظمى، ونتطلع الى الصورة المصاحبة فتنتابنا خيبة أمل اعظم، فما نراه في الصورة ليس إلا «شيئا» منتفخا كالبالون.. له كرش وعضلات، وتملأ ساحة وجهه مجموعة من الشوارب اتحدت فصارت شارباً واحداً، وتتدلى الى ما تحت قفاه خصلات شعر شمشونية لم يمسها مقص «دليلة» بعد، ومن الكلام المكتوب في الموضوع المنشور نعرف ان كل انجازات هذا «الشيء» الضخم هو «جر» سيارة.. او تكسير لوح من الخشب بيده الكريمة.. و .. بس خلاص!، وبهذه البطولة «الهايفة» استحق لقب «الشمشون» أو «الاسد»، وكأنما اصبحت تلك هي اقصى البطولات العربية في عصرنا الذهبي الذي توارت فيه بطولات فتح عكا.. وتحرير المسجد الاقصى.. والقاء بني صهيون.. لا في البحر كما يقال حتى لا يتسمم ماء البحر وتتسمم معه اسماكه، بل في اي مستنقع للصرف الصحي.. أو حتى غير الصحي..! شيء ما حدث في بلاد العرب والعروبة، جعلها تجدب وبدلا من ان تنجب لنا امثال ابن خلدون.. وابن زيدون.. وابن بطوطة، اصبحت لا يخرج منها إلا ابن شمشون.. وابن زيتون.. وابن فطوطة! واذا كانت كل مواهب «شمشون العرب» هي جر سيارة.. او تكسير حجر.. أو رفع اطنان من الحديد، فأين منها اذن مواهب «حمار العرب» الذي يجر في صمت.. ومنذ آلاف السنين اطنانا من الاحمال والاثقال دون صورة في صحيفة تشيد بقوته وتبرز عضلاته، لقد سد مثل هذا الحمار.. متضامنا مع اخوته البغال يوما ما فراغا لم يكن فيه قطار ولا سيارة، فأي فراغ يسعى السيد «شمشون العرب» او زميله «اسد العرب» في زماننا لسده بمواهب «الجرجرة» وحمل الاثقال التي يفتخرون بها.. والتي تقام لهم من اجلها العروض وتنشر لهم عنها الصور والاحاديث؟! على انه.. واذا كان ولابد.. وأرد السيد الشمشون واخوه السيد الاسد ان يستفيدا ويفيدا من عضلاتهما المنتخفة.. ومن قوتهما الهرقلية فليتركا العربات والسيارات تجر نفسها.. فليست في حاجة الى من يجرها طالما فيها موتور سليم وبترول وفير، وليرحلا الى حيث يكون لعضلاتهما وقوتهما الخارقة نفع حقيقي، ففي أرض فلسطين المحتلة مجال أوسع وأفيد لممارسة مواهبهما.. ان جر المحتلين الى البحر والقائهم فيه مهمة اجدى من جر السيارات، وان تكسير الاحجار ومد شباب الانتفاضة بها ومساعدتهم في قذف الاعداء بها عمل اكثر نفعا من مجرد الاستعراض بها امام المتفرجين، وفي كل الحالات نكون قد استفدنا من «شمشنة» اخينا الشمشون.. ومن «اسدنة» عمنا الاسد، وكفى الله المستأسدين و«المتشمشنين» شر جر السيارات وتكسير الاحجار وحمل الاثقال و«وجع القلب»! ــ البنى آدم «مخ».. قبل ان يكون عضلات، فاذا ما فتح الله على صاحب المخ النظيف بعضلات فمرحبا بالاثنين معا، اما ان يكون الانسان «عضلات» وبس، فمكانه اما «قفص» في حديقة للحيوان.. أو اي «حظيرة» تليق بمقامه وبمواهبه الحيوانية! اصحاب «المخ» هم النسل الحقيقي السليم لابونا آدم وامنا حواء اللذين كرمهما الله وكرم نسلهما بالعقل السليم الذي حبذا لو كان في الجسم السليم..! ـ اصحاب العضلات كل تفكيرهم منصرف الى نوع «العلف» الذي ينمي عضلاتهم.. وكل جهدهم مسخر لاستثمار هذه العضلات، اما بضرب الآخرين.. أو جر السيارات.. او تكسير الاحجار او «قرقشة» الزجاج، وكل ما يدخل في اختصاصات الثيران والبغال، واما باستعراض امكانات هذه العضلات في الشوارع والميادين والاعلام بها في الصحف والمجلات..! ـ اما اصحاب «العقول».. فهم الغلابة في هذا الزمان،.. هم الذين يفكرون.. ويقرأون.. وينتجون.. ويخترعون، وكلها مواهب ثقيلة الدم.. لا تستحق الاضواء.. ولا تثير شهية قراء الصحف ومشاهدي الفضائيات، ما دام ليس فيها أسود ولا شماشين.. ولا شوارب.. ولا عضلات.. ولا جر ولا شقلبة..! لهذا كان طبيعيا ان ينطوي القارئون.. والمفكرون.. والمبدعون، وان يبرز اللاعبون.. والراقصون.. و«المتشمشنون»، وان يكون لدينا «شمشون» في كل مجال ما عدا المجال الوحيد المحتاج لـ «الشمشنة» وهو مجال تحرير الأرض.. وردع الصهاينة.. والوقوف دون ارتعاش الركب امام امريكا، والحاصل انه حتى من تصورناه شمشونا في السياسة أو شمشونا في الحرب.. أو شمشونا في اصلاح حال البلاد والعباد.. تحول في ساعة الحسم ووقت الجد الى فأر ازعر.. بلا ذيل ولا شوارب، ويتضح لنا الواقع حينذاك مؤكدا ان كلا منهم تنطبق عليه مقولة «شمشون عليّ.. وفي الحروب نعامة».. وياريته حتى نعامة!! ورحم الله امرءاً عرف قدر نفسه..!