التفت أبو خراش إلينا وقال موجها كلامه لصديقنا العقيلي وأنا أيضاً أيها الصديق لا أقصد الاساءة إليك، لكنك خطفت مني الكلام خطفاً قبل أن أكمل. بعد أن قدّم أبو خراش اعتذاره علناً قال موجهاً كلامه لي: ان صديقنا العقيلي يريدك ان تنقل اخباره إلى دياركم، ومن هنا، من امتداد هذه الصحراء العربية أقول إن هذا السيد الجليل لما رأى الجيوش الاسلامية متخذة طريقها إلى الشام في خلافة الراشد الثالث عثمان بن عفان، سلك نفسه فيها، وكان من رجال الدعوة إلى الله سبحانه وتعالى. ولم يكمل ابو خراش جملته حتى تناثرت الدموع من عيني صاحبنا العقيلي ما جعلني اشفق عليه من هذا الموقف. ومثلما تناثرت دموعه تناثرت كلماته من فمه مبعثرة، فحاول امام هذا المشهد لملمتها والقبض عليها بكل ما أوتي من إحساس فقال: نعم.. أقولها نادماً كنت كجميع اللصوص كثير الغارات شديد البطش، سريع الهرب، ولكني منذ ان اعلنت التوبة وأنا بريء براءة الذئب من دم يوسف، فقد أعلنتها ولم أرجع فيها، ثم أنشد: ألا قُلْ لأربابِ المخائِضِ أهْمِلُوا فقد تاب مما تعلمون يزيدُ وإنّ امرءاً ينجوُ من النارِ بعدَمَا تزود من أعمالِها لَسَعيدُ إذا ما المنايا أخطأتْكَ وصادفت حميمك فاعلم أنها سَتَعُودُ قلت له بعد ان أكمل قصيدته الدّاليه: والله لقد كنت رائعاً، فأحساسك عالياً متواصلاً، وكلماتك تدخل القلب والخاطر دونما استئذان. قال: كل ما أرجوه أن يصل ذلك إلى زمنكم بنفس الاحساس الذي عشته.. رفعت يدي اليسرى ملوحاً بالوداع بينما كانت اليد اليمنى تنقر على مؤشر الجهاز.. فاختفى المشهد القديم، ولم أدري بنفسي إلا وأنا أمام شاشة الكمبيوتر في مكتبي المتواضع. من جديد أجدني حائراً في تحديد إتجاهي، خاصة وأنني لا أتواصل مع زمنٍ محدد، يعتمد على التسلسل الزمني، فأعتني بأحداثه، وأرقامه، وتواريخه، وتفاصيله الدقيقة، بل أتواصل مع صعاليك في أزمنة مختلفة.. صعاليك حياة وطريقة عيش وظروف، صعاليك فكر وفن وثقافة وأدب، وجد الكثير منهم أن السائد والمألوف نوع من العبث، فشقوا دربهم ومسلكهم ورؤيتهم الخاصة تجاه ما يعتقدونه صائباً ومنطقياً. وإن كانت الصعلكة والشطارة صفة لا يحبذها الكثيرون إلا أن البعض يجد في طيّاتها ملاذا ومخرجاً من القيود المفروضة عليه، لهذا لم أجد في شكلها ومضمونها عيباً أو سبة تجعل من أولئك الذين خرجوا عن جادة شرط الالتزام الثقافي او الفكري او الاجتماعي او السياسي صعاليك، لأنهم كذلك بتمردهم وخروجهم على القيد الضيق الذي وجدوا انه يخنقهم ويكاد يقضي على إبداعهم ونتاجهم. وحتى لا اقف طويلا فأدق رقبة الحقيقة وهي واضحة لكل من يناظرها أدخل من بوابة الزمن الالكتروني الذي نحياه اليوم ونعيش فواصله وفصوله ونقاطه وحروفه وخطوط طوله وعرضه.. هذا الزمن المادي الذي تفوح من بين زواياه رائحة المصالح الشخصية، ففي هذا الزمن تبدو بعض الأخبار والحكايات والقصص الانسانية حدثاً مثيراً ومختلفا، فقد تغلغلت المصالح المتشابكة في تفاصيل ولون العلاقات الانسانية، فأصبح لزاماً على الكثيرين منّا وخاصة اولئك الذين أوجدوا للعاطفة والأحساس بالآخر مكاناً في قلوبهم أن يرحلوا بعيداً ومدّوا أشرعتهم المتهالكة لنسمات صافية لم تلوثها رياح الزمن المتغير. وتبدو الحكايات الانسانية الدافئة الحقيقية او التي صنعتها الآلة الاعلامية عن طريق الصدفة أحياناً، تبدو تلك الحكايات أمراً مثيراً ومادة تتلقفها وسائل الاعلام بشوق ويصبح أبطالها نجوماً يشار إليهم بالبنان، وحتى لا أسهب كثيراً أضع نقطة صامتة في هذا الزمن اللاهث وأبدأ الحكاية من أول السطر. .. وغداً نكمل