الإنسان في عقيدة القرآن هو المخلوق المسئول بين جميع ما خلق الله.. يدين بعقله فيما رأى وسمع، ويدين بوجدانه فيما طواه الغيب، فلا تدركه الأبصار والأسماع، والإنسانية من أسلافها إلى أعقابها أسرة واحدة لها نسب واحد وإله واحد، أفضلها من عمل حسنا، واتقي سيئا، وصدق النية فيما أحسنه واتقاه، وفي كتابه الهام (الإنسان في القرآن الكريم) يبحث المفكر الكبير الراحل عباس محمود العقاد، كيف كرم الله الإنسان، وأحسنه تكريما، ويقول ان القرآن ارتفع بالدين من عقائد الكهانة وألغاز المحاريب إلى عقائد الرشد والهداية، ويضيف بأنه ذكر الإنسان في القرآن بغاية الحمد وغاية الذم في الآيات المتعددة، وفي الآية الواحدة، فلا يعني ذلك أنه يحمد ويذم في آن واحد، وإنما معناه أنه أهل للكمال والنقص بما فطر عليه من استعداد لكل منهما، فهو أهل للخير والشر، لأنه أهل للتكاليف، والإنسان مسئول عن عمله، فرد أو جماعة، لا يؤخذ واحد بوزر واحد ولا أمة بوزر أمة، ويقول الله تعالى في كتابه الكريم (كل امرئ بما كسب رهين). ويقول في آية أخرى: (تلك أمة قد خلت لها ما كسبت ولكم ما كسبتم، ولاتسألون عما كانوا يعلمون). ويضيف: ان مناط المسئولية في القرآن، فهو جامع لكل ركن من أركانها يتغلغل إليه فقه الباحثين عن حكمة التشريع الديني أو التشريع في الموضوع. فهي بنصوص الكتاب قائمة على أركانها المجملة: تبليغ، وعلم، وعمل، فلا تحقق التبعة على أحد لم تبلغه الدعوة في مسائل الغيب، ومسائل الإيمان.. وقال الله تعالى: (ولكل أمة رسول فإذا جاء رسولهم قضي بينهم بالقسط وهم لا يظلمون). ويقول العقاد، انه فيما ذكر فيه الإنسان من آيات الكتاب، وصف له، وهو في الذروة من الكمال المقدور له بما استعد له من التكليف، ووصف له وهو في الدرك الأسفل من الحطة التي ينحدر إليها بهذا الاستعداد، وكل هذه الآيات توسع مفصل فيما ورد من نصوص الأمر والنهي، والعظة والتذكير، والثواب والعقاب، فالإنسان أكرم الخلائق بهذا الاستعداد المتفرد بين خلائق السماء والأرض، من ذي حياة أو غير ذي حياة، وفي ذلك قال الله تعالى: ( لقد خلقنا الإنسان في أحسن تقويم) . ويتفرد الإنسان بين الخلائق بمساوئ لا يوصف بها غيره، لأن السيئة والحسنة، على السواء، لا يوصف بها مخلوق غير مسئول.. فهذا المخلوق المسئول يوصف دون غيره من الخلائق بالكفر والظلم والطغيان والخسران والفجور، والكنود، لأنه دون غيره أهل للإيمان والعدل والعفاف.. ويقول تعالى (لقد خلقنا الإنسان في أحسن تقويم ثم رددناه أسفل سافلين) . يأتي العقاد بالمعنى الذي تقصده الآية السابقة، مشيرا إلى أننا نقرأ في بعض التفاسير أن أسفل سافلين هو أرذل العمر، وهو يقتضي أن يكون.. (أحسن تقويم) الطفل الوليد. وفي تفاسير أخرى نقرأ أن أسفل سافلين هي الجحيم، فيكون لزاما أن الجنة هي المقصودة بأحسن تقويم.. وفهم الكثيرون أن التقويم الحسن هو الصورة الظاهرة لاعتدال قوام الإنسان، وليس جمال الخلق وحده مرتبطا باعتدال القوام، بل ترتبط به القدرة على العمل والإرادة، وهي قدرة لم تخف علاقتها بصورته الظاهرة قبل عصر التشريع والعلم بوظائف الأعضاء، الذي أثبت العلاقة الضرورية بين اعتدال القامة وجهاز النطق في الرأس والعنق، وعمود الظهر، وسائر البدن، ثم زاد الناس علما بما يعنيه التقويم الحسن من فضائل العقل والجسد ومن مزايا الفطنة والجمال. ويقول العقاد، ان المعنى الموافق لسائر معاني الآيات، أن الجمع بين النقيضين في الإنسان ينصرف إلى وصف واحد، وهو وصف الاستعداد الذي يجعله أهلا للترقي، أحسن تقويم وأهلا للتدهور إلى أسفل السافلين، على أن الآيات التي قصر فيها القول على خلق جسد الإنسان، لم تخل بما يوحي إلى المخلوق المسئول أن أطوار خلقه السوى إعداد لما هو أشرف من حياته الحيوانية، وبرهان من براهين التبليغ برسالة الغيب، عسى أن ينظر في الخلق فيرى فيه آثار الخالق الذي لا تدركه الأبصار والأسماع. ويقول تعالى (ومن آياته أن خلقكم من تراب ثم إذا أنتم بشر تنتشرون) . وعن الروح والجسد يقول العقاد: ان الروح والجسد في القرآن الكريم ملاك الذات الإنسانية، تتم بهما الحياة، ولا تنكر أحدهما في سبيل الآخر، فلا يجوز للمؤمن بالكتاب أن يبخس للجسد حقا ليوفي حقوق الروح، ولا يجوز له أن يبخس للروح حقا ليوفي حقوق الجسد، ولا يحمد منه الإسراف في مرضاة هذا ولا مرضاة ذاك، وعلى الله قصد السبيل، ويضيف: ان السعي في سبيل الدنيا ليس ضلالا عن سبيل الآخرة، وليس في القرآن فصام بين روح وجسد، أو انشقاق بين عقل ومادة، أو انقطاع بين سماء وأرض، أو شتات في العقيدة يوزع (اللذات الإنسانية) بين ظاهر وباطن، وبين غيب وشهادة، بل هي العقيدة على هداية واحدة تحسن بالروح كما تحسن بالجسد في غير إسراف ولا جور عن السبيل.. قال تعالى: (ومنها جائر ولو شاء لهداكم أجمعين). ويتحدث العقاد عن النفس، قائلا، ان النفس أقرب إلى الطبع أو القوة الحيوية التي تشمل الإرادة، كما تشمل الغريزة، وتعمل واعية كما تعمل غير واعيه، وتأتي في مواضعها من الآيات الكثيرة مرادفة للقوة التي يدركها النوم، والقوة التي يزهقها القتل، والقوة التي تحس النعمة والعذاب وتلهم الفجور والتقوى، وتحاسب على ما تعمل من حسنة وسيئة.. فهي القوة التي تعمل وتريد، مهتدية بهدى العقل، او منقادة لنوازع الطبع والهوى، وتوضع لها الموازين القسط يوم القيامة. وتحتل الأمانة، قسما في الكتاب، ويقول العقاد، ان الأمانة حملها الإنسان ولم يحملها أحد من خلق الله، فهي أعم من المناسبات الخاصة، والمناسبات العامة، بالنسبة إلى أحكام التبليغ، لأن الأمر فيها أمر التكوين، والاستعداد بالفطرة التي فطر عليها العاقل، وغير العاقل وأستعد لها الحي وغير الحي، والمخاطب بالتبليغ وغير المخاطب. وعن الأسرة الواحدة، يقول العقاد، ان القرآن قد وضع الإنسان، علما ودينا في موضعه الصحيح، حين جعل تقسيمه الصحيح أنه (ابن ذكر وانثى) وأنه ينتمي بشعوبه وقبائله إلى الأسرة البشرية التي لا تفاضل بين الأخوة فيها بغير العمل الصالح، وبغير التقوى. القاهرة- مكتب «البيان»