الاب مخلوق خلقه الله تعالى لتربية الاولاد والقيام بمصالحهم، فهو يسعى ويكد ويشقى لتأمين احتياجات الاولاد الضرورية، ثم بعد ان يترعرع الطفل يبدأ الاب بتربيته وتعليمه، وتهذيبه وتأديبه ليقدمه للمجتمع لبنة صالحة يعتمد عليه، ويظل الوالد هكذا حتى يكبر ويكبر امله كلما كبر ولده، واذا كان الاب هو المعلم وهو المؤدب والمربي كان حنانه اكبر وامله اعظم ان ينهل ولده كل العلوم، بل يرغب ان يصبح افضل ولد في العالم، ولا يرضى من احد في الكون ان يعلو عليه إلا ولده فيفتخر بعلو ولده ويعتبره ثمرة من ثمرات جهده، واذا فشل الاب في تربية ولده لا ييأس ويحاول مرة ومرات لعله يصلح او يفلح الى آخر لحظة من عمرهما. ويصف لنا ربنا سبحانه وتعالى حنان الاب هذا الذي تعب واجتهد في اصلاح ولده وهو يحاول آخر مرة لاصلاحه قبل وقوع الغرق فيقول تعالى:«وقال اركبوا فيها بسم الله مجريها ومرساها ان ربي لغفور رحيم، وهي تجري بهم في موج كالجبال ونادى نوح ابنه وكان في معزل يا بني اركب معنا ولا تكن مع الكافرين، قال سآوي الى جبل يعصمني من الماء، قال لاعاصم اليوم من امر الله وحال بينهما الموج فكان من المغرقين» 41 ـ 43 هود، هكذا يرسم البديع لنا هذه الصورة التي تمثل حنان الاب، كأنه واقف على طرف السفينة وقد تجمع الحنان الابوي الذي في الدنيا كلها وهو يمد يده بطوله وينادي ولده يا بني اركب معنا ان مجرد ركوبك معنا هو ترك للكفر، يا ولدي لا تغرق نفسك واسمع كلامي. ولكن الولد العاق القوي العنيد الذي يصارع الموج، يقول له: سآوي الى جبل يعصمني من الماء، ويقولها بكل عناد واصرار ان يخالف أباه ويقول له ابوه مرة يا ولدي انه الغرق ولا عاصم اليوم من امر الله، ولن تنجو إلا بهذه السفينة ويطول الحوار ويغلب الموج الولد ويبتلعه، ويجلس الأب على طرف السفينة حزيناً كئيباً على ضياع ولده، ويلجأ الى الله تعالى لعل الله يشفعه في ولده فيظهر مع الموج مرة اخرى «ونادى نوح ربه فقال رب ان ابني من اهلي» ويبكي ويناشد ربه الذي وعده ان ينجيه واهله عندما قال له «احمل فيها من كل زوجين اثنين واهلك» وينتظر الاب الجواب وعينه الى السماء وعينه الاخرى الى الموج المتلاطم فيأتي الجواب: انك عملت الذي عليك «قال يا نوح انه ليس من اهلك انه عمل غير صالح اني اعظك ان تكون من الجاهلين» وتنتهي القضية ويجلس الأب يضرب كفا بكف ويقول «قال رب اني اعوذ بك ان اسألك ما ليس لي به علم وإلا تغفر لي وترحمني لاكونن من الخاسرين» الآيات 43 ـ 47 هود. فهد الهاجري