إن أي مشروع فكري جاد لاسيما إذا تعلق بتجديد الفكر الإسلامي، لابد أن يتوقف على المنهج والأسلوب المتبع في هذا التجديد، والضوابط والشروط التي ينبغي أخذها في الاعتبار، هذا ما نعرض له في هذه المساحة المعرفية. يرى الباحث الإسلامي محمود عكام أن منهج التجديد يقوم على ثلاثة محاور عقل ونص وأدوات، ويثبت هذه المحاور في كتاب «الخطاب الإسلامي المعاصر» لوحيد تاجا موضحاً أن العقل أول شروطه، ليكون في ذلك التجديد مساهماً: «الحرية» ويعني بها انطلاقة ذاتية غير متأثرة بمنفعة شخصية، أو هوى متَّبع، أو فكرة سابقة مسيطرة. وأما النص فشرطه المناسبة والمواءمة للإنسان كله، داخله وخارجه، ظاهره وباطنه، وكلنا يدرك أن الإنسان، من حيثية تقريبية، كالآلة التي تحتاج إلى دليل يبين تركيبها وطريقة عملها وتشغيلها، وهذا الدليل من فعل صانع الآلة، وكذلك الإنسان. وصانعنا الله جل وعلا، دليله إلينا كتابه القرآن الكريم، فإن كان هناك شك في الصانع، أو في الدليل، من حيث الثبوت والنقل، فليقدم كل ما عنده، وبيننا وبينه الحوار والمجادلة بالتي هي أحسن. وأما الأدوات: فيجب استنفار كل ما كان، وما صار لتكون في خدمة النص، تستخدمها الحركة العقلية، والاقتصار على أدوات ماضيه يفقد التجديد بعض مصداقيته، كما أن اعتماد الأدوات المستجدة فقط يجعل التجديد قطيعة مع النص، لأننا لم نعتبره من خلال فعلة السابقين. وحين نمثل لهذا نقول : لقد اعتمد أسلافنا أدوات، منها المنطق واللغة والبلاغة، واليوم طلع علينا عالم الاستنباط بأدوات جديدة، منها اللسانيات، والإناسيات، والتحريات الأثرية، والنمطيات، والاجتماعيات، والنفسيات،، فلِم لا يتقن ما قبلنا، وسائل نتفاعل بها مع النص الإلهي لخدمة التشريع. وربما كان بعض هذه الأدوات على حساب أدوات سابقة، وهذا استمرار وليس اعتداء. ولم يكن، ما كان في يوم من الأيام، التكرار مطلوباً.ورضي الله عن عمر بن الخطاب إذ قال «تلك على ما قضينا، وهذه على ما نقضي» والأمر مستمر ومتجدد. ويؤكد أن هذا التجديد لا يعني معاداة التأصيل، لأن الفكر الإسلامي يدور في فلك القرآن نصاً أساساً، والسنة الشريفة تبياناً وتفسيراً لهذا النص. فالأصالة قائمة في نص لا يتغير من حيث كلماته وآياته، بل هو ثابت ثبوت الوجود المطلق الذي يمد الموجودات المقيدة. أما المفكر الإسلامي زكي الميلاد فيرى أن المنهج المناسب في تجديد الفكر الإسلامي، هو المنهج المنضبط بقواعد وأصول المنهج الإسلامي، والذي لا يتجاوز هذه القواعد والأصول بأي حال من الأحوال، وهذا هو الفارق بين المنهج الإسلامي في تجديد الفكر، وبين غيره من المناهج الأخرى التي لا ترى تمسكاً بهذه الضوابط، ولهذا فإننا نعترض على مثل هذه المحاولات في تجديد الفكر الإسلامي ونرى فيها خللاً كبيرا وتجاوزاً خطيراً ويطالب بضرورة الالتزام بضوابط التجديد في الفكر الإسلامي ومن أبرزها: أولاً: التجديد ليس خروجاً على النص، بل هو الالتزام به، كما لا يجوز بعنوان التجديد تأويل النص بطريقة مخلة، أو تعطيل بعضه. ثانياً: عدم الإخلال بالقواعد والأصول المتعارف عليها في أصول الفقه. ثالثاً: المنهج الإسلامي، فالتجديد في الفكر الإسلامي لا يصح إلا بالمنهج الإسلامي، ولا يجوز أن نستعير منهجاً من خارج الإسلام لنعتمده في تجديد الفكر الإسلامي. رابعاً: الالتزام بالمصطلح الإسلامي. خامسا: الالتزام بقاعدة الثابت والمتغير في الإسلام. أما معالم هذا المنهج في تجديد الفكر الإسلامي فهي: أولاً: إن التجديد الذي يريده الفكر الإسلامي هو الذي لا ينقطع عن التأصيل. وإن ما نريده هو التجديد وليس الإحياء. والتجديد هو أعمق من الإحياء، فالإحياء بعث للروح والتجديد بناء وتطوير، والتكامل بينهما أن الإحياء قد يسبق التجديد ويكون مقدمة له وأن التجديد لا يعني مجرد المعاصرة كما أوضحنا، كما لا يعني مجرد التجدد بمعنى التغير التلقائي الذي لا يخضع للتخطيط. ثانياً: إن التجديد الذي نريده في الفكر الإسلامي ليس دينياً منقطعاً عن الجانب المدني، ولا مدنياً مفصولاً عن الجانب الديني. ثالثاً: ان التجديد في الفكر الإسلامي بعودة الفروع إلى الأصول، وانطباق الأصول على الفروع. غير أن إصلاح منهجية الفكر الإسلامي بشكل عام هو المدخل للتجديد الحقيقي في رأي الدكتور عبدالحميد أبو سليمان مدير الجامعة الإسلامية العالمية بماليزيا، موضحاً أن الذي أصاب الفكر الإسلامي بالجمود والقصور هو أحداث تاريخية عديدة أدت في النهاية إلى انعزال العلماء عن الواقع الاجتماعي وينبه إلى ضرورة إدراك مدى خطورة الخلل المنهجي الذي نتج عن انفصام بين علوم الوحي وعلوم الطبائع والوقائع، فهذا الانفصام الذي حصل بين العلماء والواقع قد أدى إلى نتيجة أخرى هي انشطار حياة المسلم إلى جانب شخصي هو مجال نظرهم، وجانب عام تركوه ولا علاقة لهم به، وقد نتج عن هذا التفكير أن أصبح الفقه الإسلامي مهتماً فقط بحياة الفرد، حيث يبدأ بالطهارة وينتهي بالجنازة وتتوسطهما المعاملات، أما قضية الحكم والنظام العام والشورى والعدل والتكافل وما إليها من شؤون الحياة الاجتماعية العامة، فليس للفقه بها كبير عناية، وقد نتج عن ذلك أمران أساسيان، نتيجة العزلة، يسجلهما في كتاب «مناهج التجديد » لعبد الجبار الرفاعي - هما: أولاً: جمود مسائله وكونها صورية لا تمت إلى الواقع مما يجعل من الصعب على الفقيه أن يطورها وأن يستخدم الأصول لتوليد الجديد منها، وبذلك أصبحت تتعامل فقط مع حياة الفرد، ونستطيع أن نمثل لذلك بسلوك الفرد حين يسارع بالسؤال عند الحاجة إلى فهم أمر من أمور العبادة أو يتمنى لو أن بإمكانه تلافي معاملات الربا، أما إذا خالف للدولة أمراً وأصاب منها نفعاً فإنه لا يأسف لفعله ولا ينال ضميره تأنيب، لأنه أضر بالمصلحة العامة والنظام العام ومصلحة المجتمع، ذلك لأنه ربُي بطريقة الفقه فرداً، فالخلل إذن يكمن في المنهجية، ويتجلى ذلك في تدريس الفقه وأصوله على أنهما مسائل تحفظ وتردد لا على أنهما منهجية لبناء الفقه وتطوير قضاياه، فأصبحت دراسة الفقه والأصول دراسة لأمور تاريخية لا ينتج عنها فكر مبدع متجاوب مع الواقع، ومن هنا فإن المنهجية التقليدية منهجية تبلورت في ظروف تاريخية معينة، في ظروف عزلة العلماء وفي حالة من التعامل الجزئي مع المسلم، بوصفه فرداً منعزلاً وليس فرداً في جماعة. يضاف إلى ذلك أن مبادئ الأصول تلخصت في قضية القياس، وهو أداة تحليل جزئي، مما لا يتواءم مع واقع التغير الكلي الذي آلت إليه أحوال المجتمعات الإسلامية، ويحتاج إلى منهج شمولي تحليلي منضبط. والثاني: لأنه قد نتج عن هذه النزعة الجزئية أنه لما استقل العلماء بالحياة الفرعية وتركوا الحياة العامة للسلاطين، أن أصبح الحكم بالضرورة مستبداً، وبالقدر نفسه، فإن العلماء بعجزهم الفكري وعدم قدرتهم على تقديم البدائل، لجأوا إلى الإرهاب والتخويف الفكريين، فمن يخالفهم يكون مصيره جهنم، فالسجن لمن يخالف السلطان، وجهنم لمن يخالف العلماء، ومن هنا أصبح الفكر مبنياً على التخويف والإرهاب، وأية أمة أو أي إنسان يكون في حالة خوف ورهبة يكون إنساناً سلبياً لا يتسم بالمبادرة أو الإبداع، وتتكون عنده نتيجة الإرهاب المادي والنفسي نفسية العبيد. إن القضية منهجية في جوهرها، ويتم إصلاحها بإصلاح المنهجية والتزام مصادر المعرفة الإسلامية، بحيث تلتزم قيم الوحي وغاياته، وتتعامل مع الوقائع والطبائع، وتلتزم العقل المنضبط، وتتسم بالشمولية التحليلية المنضبطة، حتى نستطيع أن نعيد الحيوية إلى ما لدينا من فكر إسلامي، ونعيش في الواقع الذي نعاصره، ونقبل التحديات التي تواجهنا، وبذلك نصلح الخلل، ونأخذ بالمبادرة، وننأى عن نفسية العبيد، ونكون أقدر ـ بتفوق مصادرنا ـ من سوانا، فالأمة لديها من المقدرات والموارد ما لا يملك مثله سوانا، ولدينا من القيم والغايات السامية ما لا يوجد مثله عند غيرنا، فليس هناك ما هو أكبر قيمة وأسمى غاية من الإسلام، ومع ذلك فإن حال المسلمين سيئ للغاية، فما السبب؟ نعم ما السبب في التخلف والانكسار، على الرغم من وجود مقومات التقدم والهيمنة؟ إنه طريقة تفكيرنا، ومثلنا في ذلك كمثل وارث أو يتيم ورث عن والده إرثاً هائلاً ولا يدري كيف يتصرف فيه. د. محمد يونس