وقد تعددت استخدامات الأخشاب في الفن الاسلامي ولكن ما تبقى من هذه المنتجات يكاد يكون قصرا على ما احتفظت به المساجد والمباني ذات الطابع الديني كالمدارس والأضرحة من أبواب ومنابر ومحاريب خشبية متنقلة وكراسي المصاحف والقراء، فضلا عن بعض الأسقف والأفاريز التي استخدمت في تزيين الجدران والحشوات التي كانت تزدان بها أبواب المكتبات والخورنقات. واذا كان المسلمون قد حافظوا على التقاليد الفنية القديمة في صناعة الأخشاب وزخرفتها وأهمها الحفر الغائر والمائل واستخدام التلوين، فانهم من ناحية أخرى قد أضافوا بقريحتهم الفنية بعض أساليب زخرفية جديدة لم يسبق اليها سواهم. وأهم هذه المبتكرات كان استخدام أسلوب «الحشوات المجمعة» في صناعة الآثاث والأدوات الخشبية، وتعتمد هذه الطريقة على الجمع بأسلوب التعشيق بين قطع خشبية ذات أشكال هندسية مختلفة وذلك من أجل الافادة من كل قطع الأخشاب الثمينة والنادرة، وأيضا لتجنب ظاهرة تقوس القطع الخشبية الكبيرة الحجم. وقد سبقت مصر الى ابتداع هذا الأسلوب الصناعي والزخرفي خلال العصر الفاطمي نظرا لما يمتاز به مناخ مصر المداري من اختلافات واضحة بين درجات الحرارة نهارا ودرجاتها أثناء الليل، ناهيك عن التباين الكبير بين درجات الحرارة في فصلي الشتاء والصيف. ومن المعروف ان هذه الاختلافات «الفعلية» واليومية في درجات الحرارة تؤدي الى تكرار تمدد وانكماش الأخشاب وهو ما يؤدي حتما الى تقوس الأخشاب وتشققها أيضا. وقد أتاح أسلوب الحشوات المجمعة للقطع الخشبية ان تتمدد وتنكمش تبعا لاختلاف درجات الحرارة دون ان يؤدي ذلك الى تقوس أوتلف الأداة المصنوعة من الخشب.وقد اتخذت الحشوات في البداية أشكالا هندسية بسيطة تتعدد أضلاعها المتداخلة ثم أخذت أحجامها في الصغر وأشكالها في التعقد حتى ظهرت في الزخرفة الخشبية وحدات هندسية ينم تعقيدها الشديد عن مهارة وخبرة كبيرتين بعلوم الهندسة والرياضة. ولعل أشهر هذه الوحدات التي استخدمت لتجميع الحشوات ذلك المعروف باسم الطبق النجمي، وهو يعتمد على أشكال نجمية مؤلفة من «ترس» أوسط قد يصل عدد أضلاعه الى 16 ضلعا ومن حوله تتوزع وحدات سداسية أو ثمانية تعرف باسم «الكندات» وتحصر فيما بينها حشوات مختلفة الأضلاع تعرف باسم «اللوزات» ونظرا لاعتماد هذا الشكل الزخرفي على تكرار وتنوع الأشكال النجمية فقد عرف كوحدة زخرفية باسم الطبق النجمي، وهو أيضا من الابتكارات الاسلامية الذائعة الصيت في تاريخ الزخارف الهندسية. وثمة ابتكار اسلامي آخر، ربما تم التوصل اليه في عصر المماليك في مصر والشام وهو أسلوب «الخرط» أي صناعة الأدوات الخشبية من «برامق» مستديرة مسلوبة من الطرفين، وكان استعمال هذه الطريقة فاشيا في عمل الأحجبة والمقاصير والنوافذ الخشبية وهو يعرف اليوم لدى أهل الصنعة من النجارين باسم «المشربية» وتخدم هذه البرامق الخشبية المخروطة، بالاضافة الى عرض التوفير الاقتصادي، هدفا اجتماعيا آخر ألا وهو «الحجب» وخاصة داخل الدور والمنازل، اذ تتيح نوافذ المشربيات للنساء داخل المنزل مشاهدة الطريق العام وما يجري فيه دون ان يلمحهن المارة وذلك لاختلاف كمية الاضاءة داخل المنازل عن الاضاءة الطبيعية المفتوحة في الطرقات. وفيما يتعلق بالأساليب الزخرفية فقد أضاف اليها النجارون المسلمون أسلوب التطعيم وهو يعتمد على حفر الزخارف في حشوات الخشب ثم ملأ هذه الزخارف المحفورة بأخشاب ثمينة مغايرة في اللون كالأبنوس والتك والساج والصنوبر والأرز، أو باستخدام مواد أخرى كالعاج والعظم والصدف. وقد كسب هذا الابتكار الأخشاب المنتجة في دار الاسلام مذاقا خاصا من الناحية الزخرفية، اذا لم يعد الاعتماد في ابراز الجماليات على الزخارف المحفورة وحدها وانما أضيف الى ذلك، الزخرفة اللونية بدون صبغات أو الوان اللاكيه، وهو ما لم يسبق اليه أحد قبل العصر الاسلامي. ونعرض هنا لحشوة كانت فيما يبدو جزءا من باب داخلي بأحد القصور أو المساجد اذ لا يتعدى ارتفاعها مترا واحدا، وتعود هذه الحشوة المحفوظة بمتحف الكويت الوطني الى مصر في القرن الثامن الهجري «14م» أي خلال العصر المملوكي. وتجمع هذه الحشوة بين أسلوبي الحشوات المجمعة والتطعيم وهي تبدو عامرة بالألوان المختلفة رغم أنه لم تستخدم في زخرفتها أي صبغات أوألوان. والحشوات الخشبية المستخدمة تتكون من أنواع مختلفة كما يتضح من تباين ألوانها بين البني بدرجاته واللون الاسود وهي ذات أشكال مستطيلة بسيطة وتم تعشيقها مع بعضها البعض باستخدام طريقة «النقر واللسان». أما زخرفة الحشوة فقد تمت بأسلوب التطعيم بمادتي العاج وخشب الأبنوس. وقد اتخذت الزخرفة أشكال أشرطة تحيط بالحشوة أولها من عاج على هيئة أشكال سداسية مستطيلة تفصل بينها مربعات تشبه التي نراها في رقعة الشطرنج ويحصر هذا الاطار الذي يتكرر في أعلى الحشوة زخرفة مطعمة هي الأخرى بالعاج ولكنها على شكل نجمة ثمانية الأطراف تحيط بها نجمة ثمانية أخرى أكبر حجما ولكنها منفذة في الخشب. ويلي ذلك اطاران من خشب الأبنوس الأسود يحصران فيما بينهما زخرفة نفذت بأسلوب التطعيم وهي من العاج الذي يشابه في تكوينه الزخارف المجدولة المعروفة في العمائر المملوكية باسم «جقت لاعب» ولكنها هنا ذات طابع هندسي وهو ما جعلها أشبه ما تكون بمعينات متصلة مع بعضها البعض. ويلي الشريط الأبنوسي الثاني شريط زخرفي دقيق من العاج المثبت بالتطعيم وهو يحوي زخرفة الخطوط المتكسرة أو الزجزاجية وهي الأخرى من العناصر الهندسية الشائعة الاستخدام في الفنون الزخرفية خلال العصر المملوكي. وأخيرا يأتي الموضوع الزخرفي الرئيسي بوسط الحشوة وهو عبارة عن زخرفة هندسية متكررة قوامها مثمنين متداخلين، وتتماشى هذه الوحدة مع الوحدات الأخرى المشابهة لها بحيث ينجم عن هذا التماس أشكال نجمية ذات أربعة أطراف وبداخل شكل المثمنين المتداخلين نجد شكل الطبق النجمي المملوكي، والتصميم بصفة عامة عبارة عن زخرفة هندسية لا بداية لها أونهاية وهي في التقائها وتداخلها وانفصالها تخلف زخارف شديدة الثراء والتعقيدات، وداخل كل وحدة زخرفية مهما صغرت زخرفة أخرى تم تنفيذها بأسلوب التطعيم فحيثما يوجد الخشب يتم تطعيمه بالعاج وان استخدم العاج حفرت داخله زخرفة خشبية باسلوب التطعيم أيضا ان هذا العمل الزخرفي الفذ فضلا عن الدقة التامة والجهد الكبير الذي أنفقه النجار لاتمامه بهذه الصورة الجمالية، انما ينم عن دراية كاملة بأصول الرسم الهندسي. وليس ذلك فحسب بل ان الصانع وهو في غمرة حساباته وعمله لحفر الزخارف التي سيتم تطعيمها كان يتحلى برؤية شديدة الحساسية تجاه الألوان المختلفة لكل من العاج والاخشاب التي يستخدمها وهو ما أعطى للحشوة دفئا لونيا يستحق الاعجاب والتقدير. د. أحمد السيد محمد