هل يستطيع الانسان ان يكون رقيبا على نفسه أمينا على حدود الله محافظاً على حقوق المجتمع دون ان يخضع في ذلك لسطوة القانون وعينه الساهرة؟ ان تجربة الصوم في شهر رمضان تعطي الاجابة عن هذا السؤال الذي يبدو لأول وهلة وكأنه سرحة من سرحات الخيال. ان الصائم قد يشتد به الجوع أو العطش وهو وحيد داخل غرفة مغلقة لا يراه فيها أحد ولديه ما يشاء من الطعام أو الشراب الذي يسد به جوعه، ويطفئ به ظمأه فلا تمتد يده لشيء من ذلك لا خوفاً أو حياء من رقيب ولكن خضوعاً لرقابة ضميره عن إرادة حرة واقتناع أكيد، فكيف إذن تنشأ رقابة الضمير وكيف يتخذ الانسان من ضميره رقيباً وحسيباً على تصرفاته حضر القانون أو غاب كان في خفية عن الناس وأجهزة الرقابة أم كان تحت أعين الشهداء؟ لنعد إلى شهر رمضان وتجربة الصوم، لنجد عندها الجواب. إن الصائم يؤمن بأنه يخضع لرقابة عليا ولا تخفى عليها حافية وهو يستشعر هذه الرقابة في ضميره ويقيم من ضميره رقيبا على نفسه ممتنعاً عن أمور هي قوام حياته متخذاً من ذلك عبادة يتقرب بها إلى الله عز وجل هذه الرقابة الإلهية العليا هي مفتاح الموقف كله وان استشعار هذه الرقابة وتمثلها في الضمير ليس وقفاً على شهر رمضان فحسب ولكن شهر رمضان يعطي التجربة ويقدم المثل، فالله سبحانه وتعالى رقيب على الناس في كل زمان ومكان: «يعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور» «وما يخفى على الله من شيء في الأرض ولا في السماء» والشعور بالرقابة الإلهية وتمثلها في ضمير الانسان يتصل بالإيمان الفطري بالثواب والعقاب بالحوافز على أداء الخير وبالزواجر عن فعل الشر بالعدالة الإلهية المطلقة في الميزان: «فأما من ثقلت موازينه فهو في عيشة راضية وأما من خفت موازينه فأمه هاوية وما أدراك ما هيه نار حامية». بهذه المعاني يستشعر المسلم الرقابة الإلهية ويتمثل في ضميره ثم يقيم من ضميره رقيبا على نفسه فهو يلتزم حدود القانون ويتحرز من الوقوع في الاثم أو الانحراف، فإذا زلت قدمه كان هو الذي يسلم نفسه للعدالة ويطلب تنفيذ أحكام القانون، ثم إذا تكررت هذه المراقبة خلقت في القلب ملكة الحياء من الله سبحانه ان يرى صاحبها حيث نهاه أو مقبلاً على ما لا يرضاه، وذلك كله أكبر مهيء للانسان ان يبلغ درجة الكمال وأعظم مؤهل للنفوس ان ترقى إلى النزاهة في الدنيا وتنال السعادة في الآخرة. إن المرء إذا انقادت فطرته لهذه المراقبة لا يقدم على غش الناس ومخادعتهم ولا يسهل عليه ان يراه آكلاً لأموالهم ولا يحتال على الله تعالى بصورة من صور الحيل التي تهدم أركان الدين وتزعزع في النفس دعائم اليقين فلا يمنع الزكاة بما يرتكبه من المخادعة ولا يقترب المنكرات جهاراً ولا يسدل بينه وبين الله ستاراً، فالمسلم إذا روض نفسه على الكف عن المنكرات سهل عليه بعد ذلك ان يرتقي إلى درجة أعلى منها، فيكف جوارحه عن المكاره ويحفظ اللسان عن الغيبة والعين عن الريبة ثم لا يزال يرتقي حتى يصون القلب عن الفكر والوسواس وينصرف إلى الله عن الناس. فحين ينجح المسلم في تجربة الصوم فهو على الكفاح في سبيل الحق أقدر أما إذا قصر عنه وضعف عن تكاليفه فهو في ميدان الجهاد أضعف وأجبن وليس على الصائم رقيب الا الله سبحانه وتعالى. أحمد عبدالتواب أحمد