نتناول في حديثنا موضوعاً قديماً جديداً متجددا، إنه موضوع الإعجاز في القرآن والسنة، لابد من توضيح نقطتين أساسيتين بين يدي الموضوع: أولا: أن الموضوع من الاتساع والشمولية بحيث لا تفي بحقه هذه السطور. ثانيا: أن ما سأعرضه من مفاهيم تتعلق بالإعجاز وصوره، لا أدعي قصب السبق فيها، كما لا أدعي بلوغ الغاية والنهاية فيه. فالإعجاز في القرآن والسنة موضوع لا يحده حد، ولا يقف عند ظاهرة معينة، بل يستمر قائماً مادامت الحياة قائمة. لقد جرت حكمة الله البالغة أن يؤيد أنبياءه ورسله بالمعجزات الباهرات والدلائل الواضحات، والحجج والبراهين الدامغة، التي تدل على صدق دعوتهم كي يعرف الناس حقيقة ما جاءوا به من عند الله، والله تعالى يقول: (لقد أرسلنا رسلنا بالبينات). ورسالة نبينا محمد رسالة الإعجاز للبشر، ولا يتأتى أن يكون هذا الإعجاز الذي يتسع للزمان والمكان يقرع الحس ويستولى على النفوس، وإنما كان إعجازاً يتعلق بالإنسان نفسه، ويرتبط بينه بقدراته المحدودة وبين خالقه. من هنا كان القرآن والسنة معجزة للناس جميعاً، بعدما اكتملت مدارك البشر وارتقى الفكر الإنساني. فقد تميزت هذه المعجزة الخالدة بكونها لا تتعلق بحواس الإنسان المحصورة في الماديات فحسب، وإنما تتعلق بأسمى مدارك الإنسان، فتخاطب عقله وقلبه وملكاته جميعاً، إنها تخاطب الإنسان بما هو إنسان. وليس المقصود من الإعجاز تعجيز البشر لذات التعجيز، أي تعريفهم بعجزهم عن الإثبات بمثل القرآن أو السنة، فإن ذلك معلوم لدى كل عاقل، وإنما الغرض إظهار أن القرآن حق وأن الرسول صادق فيما جاء به وبلغ عن ربه. وإنما كان القرآن معجزاً بما ثبت إعجازه عن طريق المدارك والاعتبار، وبما تحلت به عباراته بأجمل أسلوب وأوقع معنى، إذ أنه حين يستمع إليه الإنسان، تتحرك مشاعره شوقا ويهتز قلبه خشية وتمتليء نفسه خشوعاً ويعتصر قلبه رجاء (الله نزل أحسن الحديث كتاباً متشابهاً مثاني تقشعر منه جلود وقلوبهم إلى ذكر الله ذلك هدى الله يهدي به من يشاء ومن يضلل الله فما له من هاد). والإعجاز متنوع الصور والموضوعات والأغراض منه اللغوي ومنه العلمي، ومنه التشريعي، ومنه التعبدي، ومنه ما يتناول حياة الإنسان بكل تفاصيلها. فإعجاز القرآن يبدو في بلاغة أسلوبه، وسمو معانيه، وجوامع كلمه، وبما قصة من القصص والعبر، كما هو معجز بما تضمن من تشريعات حكمية ومثل عليا تتفق مع طبائع البشر في كل زمان ومكان جاء معجزاً بما حوى من آيات العلم والمعرفة الصحيحة عن الجانب المادي من الكون، مما لم يكن للناس به علم قبل نزوله. لقد تبين القرآن فبلغ الغاية من البيان، وأوجز إذ لا يحمد إلا الإيجاز فما جاء إلا بالإعجاز وتحدى فما طمع في الإثبات بمثله، أو بأقصر سورة منه أنس أو جان، وناجى فسرى مسرى الحياة في القلوب. فإعجاز القرآن لم يدع أصلاً من أصول الفضائل إلا أتى به ولا أما من أمهات الصالحات إلا أحياها، ولا قاعدة من قواعد النظام إلا قررها، فاستجمع للإنسان عند بلوغ رشده حرية الفكر واستقلال العقل، وما به صلاح السجايا واستقامة الطبع، ومافيه إنهاض العزائم إلى العمل وسوقها في سبل المعرفة والوعي. فإذا كان هذا إعجاز القرآن، فكيف يكون إعجاز السنة؟. فلنستمع إلى إمام العربية الجاحظ يصف كلامه صلى الله عليه وسلم في كتابه «البيان والتبيين» فيقول: «هو الكلام الذي قل عدد حروفه وكثر عدد معانيه، وجل عن الصنعة، ونزه عن التكلف. استعمل المبسوط في موضع البسط والمقصور في موضع القصر. وهجر الغريب الوحشي، ورغب عن الهجين السوقي، فلم ينطق إلا عن ميراث حكمة، ولم يتكلم إلا بكلام قد حف بالعصمة، وشد بالتأييد، ويسر بالتوفيق، إلى أن يقول في وصفه:... ثم لم يسمع الناس بكلام قط أعم نفعاً، ولا أصدق لفظاً ولا أعدل وزناً، ولا أجمل مذهباً، ولا أكرم مطلباً، ولا أحسن موقعاً، ولا أسهل مخرجاً، ولا أفصح عن معناه، ولا أبين عن فحواه من كلامه صلى الله عليه وسلم بينما يقول أديب العربية والإسلام في هذا العصر مصطفى صادق الرافعي في كتاب إعجاز القرآن ما نصه: «فإذا نظرت فيما صح نقله من كلام النبي صلى الله عليه وسلم على جهة الصناعتين اللغوية والبيانية، رأيته في الأول مسدد اللفظ، محكم الوضع، جزل التركيب، متناسب الأجزاء في تأليف الكلمات، فخم الجملة، واضح الصلة بين اللفظ ومعناه، واللفظ وضريبه في التأليف والنسق، ثم لا ترى فيه حرفاً مضطرباً ولا لفظة مستدعاة معناها، أو مستكرهة عليه، ولا كلمة غيرها أتم منها أداء للمعنى وتأتياً لسره في الاستعمال، ورأيته حسن المعرض، بين الجملة واضح التفصيل، ظاهر الحدود، جيد الوصف، متمكن المعنى، واسع الحيلة في تصريفه، بديع الإشارة، غريب اللمحة، ناصع البيان، ثم لا ترى فيه إحالة ولا استكراهاً، ولا ترى اضطراباً ولا خللاً، ولا استعانة من عجز ولا توسعاً من ضيق، ولا ضعفاً في وجه من الوجوه ». كما نقرأ للأديب اللغوي الحجة محمود شاكر واصفاً كلام النبي صلى الله عليه وسلم في أحد مقالاته ما يلى: «إن اتساع الفكرة في هذا الزمن ثم بساطتها، ثم خفاء موضوع الفلسفة العالية فيها، ثم تغلغل النظرة الفلسفية إلى أعماق الحقيقة الحية في الكون، ففي معجزة النبي صلى الله عليه وسلم: القرآن والسنة، تبلغ الفكرة في نفسها، ثم بتعبيرها وألفاظها، ثم بشمول معانيها لجميع الحقائق الواشجة بها، ثم بتنسمها في ألفاظها وكلماتها نسمة الروح العطر في جو السحر. ثم فوق ذلك كله البساطة واللين والتقارب والتعاطف بين هذه المعاني كلها ». هذا في جانب الإعجاز اللغوي وما يتصل به من المعاني والصور والبيان وغيرها من فنون اللغة العربية، ولا أريد أن استرسل في سرد مظاهر الإعجاز اللغوي، فقد قالوا الكثير عنه وكتبوا فيه الكثير أيضاً. أما عن الإعجاز العلمي، بكل ماتحمله كلمة «العلمي» من معان ومضامين وموضوعات، سيما وأن من أخص وأهم سمات العصر الراهن سمة العلم بكل ما تعنيه الكلمة، فإن كثيراً من الغيورين على الإسلام والقرآن خاصة يلجأون إلى الآيات والأحاديث النبوية يستنطقونها أمام كل جديد في دنيا الاختراع والتكنولوجيا والتطور العلمي. وهنا لابد من تسجيل الملاحظات التالية: أولاً: القرآن الكريم لم ينزل ليكون مرجعاً علمياً على غرار مراجعنا العلمية في الجامعات وإن حوى الكثير من الإشارات العلمية فيه. ولكنه معجزة خالدة لا يقف إعجازها عند حد معين. فالقرآن جاء بكليات العلوم وترك تفصيلاتها لفكر الإنسان في كل عصر بقدر ما أوتي. ثانياً: السنة النبوية الشريفة بما امتازت به لم تكن في يوم من الأيام مرجعاً من مراجع الطب ولا الكيمياء ولا الفيزياء، وإن أشارت بعض الأحاديث إلى جوانب مهمة مما يتعلق بهذه العلوم ويستفيد الإنسان منها في حياته. ثالثاً: للقرآن الكريم كما للسنة النبوية أسلوبهما الخاص في تقرير الحقائق العلمية، خاصة عندما تتناول هذه الحقائق أموراً مثل الأرض والسماء والهواء والأحياء. فآيات القرآن وأحاديث النبي ليست مجرد إشارات بل حقائق ثابتة عرضت بأسلوبها الخاص. رابعاً: لا بد من التفريق بين التفسير العلمي للقرآن والسنة والإعجاز العلمى للقرآن والسنة: فالتفسير العلمي هو انتفاع المفسر بما يظهر في عصره من علوم كونية تساعده في تفسير الآية أو شرح الحديث، تفسيراً يحتمل الصواب أو الخطأ. أما الإعجاز العلمي فهو الحقيقة الكونية التي يؤول إليها معنى الآية أو الحديث نهائياً، ويشاهد الناس مصداقيتها، فيستقر عندها التفسير ويصبح إعجازاً. وهذا هو موضوعنا الذي نتكلم فيه، مصداقاً لقوله تعالى: (سنريهم اياتنا في الآفاق وفي أنفسهم حتى يتبين لهم أنه الحق). ولسوف يشهد العلماء بأن القرآن والسنة هي الحق الذي لا مراء فيه، مصداقاً لقوله تعالى: (وليعلم الذين أوتوا العلم أنه الحق من ربك). د. علي فريد دحروج والحديث عن الإعجاز العلمي في القرآن والسنة طويل وسيق، خاصة إذا عرفنا أن فى القرآن الكريم وحده ما يقرب من ألف (1000) آية تضمنت إشارات علمية متنوعة شملت معظم اهتمامات الإنسان المعاصر، منها ماانكشف معناه وظهرت حقائقه، ومنها مايزال ينتظر. وإذا أمعنا النظر جيدا في مدلولات النظريات العلمية وحقائق الكون والوجود، وكل ما يقوله العلماء التجريبيون اليوم، فإننا - ولا شك - سنزهو ونعتز - أيما اعتزاز - بإيماننا بالله تعالى وباتباعنا لنبينا المصطفى عليه السلام، لأن جميع ما يصدر عنه العلم الحديث يؤكد ما قرره القرآن والسنة. لذلك أود القول بأن قضية الإعجاز العلمي في القرآن والسنة هي قضية دعوية عصرية أو هكذا يجب أن تكون، تضاف إلى أساليب الدعوة المختلفة التي تقوم بها الآيات الإسلامية المتعددة. وانطلاقاً من أن الإيمان بالله واياته والسنن الكونية التي يعيش الإنسان في كنفها فإننا نسد ثغرة كبيرة نشأت من مقولة العلمانيين حول الفصل بين الدين ومناحي الحياة. فمن خلال الدعوة إلى الله بالأسلوب العلمي السليم نقوم بدحض هذه المقولة بما وجدناه من آيات في السنن والكون، وفيما وضع الله سبحانه في هذا الكون من آيات وسنن لا يستطيع الإنسان إلا أن يقف أمامها مذهولاً بما ورد في القرآن الكريم عنها وعن حقائقها وأسبابها منذ أربعة عشر قرناً. وهو أمر يذهل له أيضاً غير المسلمين لما في ذلك من صعوبة، حيث إن المصطفى عليه السلام كان رجلاً أمياً لا يقرأ ولا يكتب، فكيف عرف بأسرار هذا الكون التي لم نعرفها أو بعضها لم نعرفها إلا في أواخر القرن العشرين، كقضية الأمواج تحت السطحية والقضايا الأخرى، فهذا الأمر يشير إشارة واضحة إلى أن القرآن هو كتاب الله المسطور، وأن هذا الكون هو كتاب الله المنشور، فلا يمكن أن يكون هناك تعارض بين كتاب الله المسطور وكتاب الله المنشور. وفي هذا الصدد أسجل بعض ما قاله علماء غربيون حول هذه الحقيقة الإعجازية. يقول البروفيسور التايلاندي تاجاتات تاجاسن: حان الوقت لأن أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله. والبروفيسور الكندي كيث ل. بور يقول: يتضح لي أن هذه الأدلة حتماً جاءت لمحمد من عند الله، وهذا يثبت لي أن محمداً رسول الله. ويقول البروفيسور الألماني الفريد كرونر: ولكن الوسائل العلمية الحديثة الآن في وضع تستطيع أن تثبت ما قاله محمد منذ 1400 عام. أما العالم البروفيسور الأمريكي مارشال جونسون فيقول: إني لا أرى شيئاً يتضارب مع مفهوم أن التدخل الإلهي كان مشمولا قيما كان يبلغه. ويقول البروفيسور الياباني يوشيدي كوازي: إنني متأثر جداً باكتشاف الحقيقة في القرآن. وأخيراً يقول البرفيسور الهندي دور جاراو: من المؤكد أن هذا ليس علماً بشرياً. إن الغاية من سرد هذه الأقوال هي إقامة الدليل بشهادة غير المسلمين على صدق القرآن والسنة حين نواجه العقلية الغربية بحقائق العلم وثوابته. واختم الكلام بوضع بعض الضوابط والقوانين والشروط للحديث عن الإعجاز في القرآن والسنة: 1- لا يجوز أن يتكلم في الإعجاز - أيا كان نوعه - إلا من كان من أهل الاختصاص وبلغ في علوم القرآن واللغة والسنة وبقية العلوم الأخرى، درجة تؤهله للحديث عن الإعجاز. 2- اعتماد النسبية في درجة الفهم لمدلول الآية أو الحديث، إذا العلم يكشف لنا كل يوم عن جديد مما يدل على أن الاجتهاد باق ومفتوح حول النص الديني، وفهم النص بكل ما يشير إليه أمر صعب إذ لا يحيط بعلمه حقيقة إلا الله تعالى. 3- لا يجب محاولة إخضاع النص القرآني أو السنة لحقائق العلم التي توصل إليها الإنسان كما لا ينبغي محاولة التوفيق بين مافي القرآن أو السنة من علم بلا حدود وبين مالدى الإنسان من علم قليل ومحدود فوضع الحقائق القرآنية والنبوية أمام الباحث شرط أساس لدراسة ظاهرة الإعجاز. 4- يجب أن يكون للفهم العلمي لبعض اوجه الحقيقة في النص القرآني أو في الحديث النبوي حدود يقف عندها الباحث ولا يتعداها، وأن يسكت فيما لا علم له به، لأن الوحي الإلهي في خطابه يتناول الإنسان على مر العصور والأزمان كما يتناول خطابه له في مستقبل الأيام. 5- لا يجوز تفسير القرآن أو الحديث بغرض علمي أو بنظرية علمية أو ظنية لأنها قد تصيب تارة وقد تخطيء وبالتالي حتى تمنع أخطاء الباحثين من الظن في كتاب الله تعالى وسنة نبيه عليه السلام. 6- إن الحقائق العلمية في مختلف فروع العلم ذكرت في القرآن الكريم على الحقيقة تارة وعلى المجاز تارة أخرى، ويجب أن يفسر النص على ظاهره ما لم يكن في النص قرينة.