اذا انتقلنا الى اللوحات الانسانية التي تعبر عن المشاعر الجياشة والحنان الغامر فإننا نجد القرآن رسم لنا لوحة رائعة من حنان الام وحنان الاب وحنان الاب سيكون لوحتنا القادمة، اما حنان الام ومشاعرها تجاه ولدها وخوفها عليه من بطش الجبارين فإننا نجدها لوحة تتكلم وتنبض بالحياة وتفيض بالحنان وتصرخ وتترقرق الدمعات خوفاً على الولد الحبيب. يقول الله تعالى «واوحينا الى ام موسى ان ارضعيه فإذا خفت عليه فألقيه في اليم ولا تخافي ولا تخزني انا رادوه اليك وجاعلوه من المرسلين. فالتقطه آل فرعون ليكون لهم عدوا وحزنا، ان فرعون وهامان وجنودهما كانوا خاطئين، وقالت امرأة فرعون قرتُ عين لي ولك لا تقتلوه عسى ان ينفعنا او نتخذه ولدا وهم لا يشعرون، واصبح فؤاد ام موسى فارغا ان كادت لتبدي به لولا ان ربطنا على قلبها لتكون من المؤمنين، وقالت لاخته قصيه فبصرت به عن جنب وهم لا يشعرون، وحرمنا عليه المراضع من قبل فقالت هل ادلكم على اهل بيت يكفلونه لكم وهم له ناصحون، فرددناه الى امه كي تقر عينها ولا تحزن» 13 ـ 17 القصص. هكذا هو الحنان ـ حنان الام ـ الجبار محيط بها يريد ان يقتل ولدها، والله يأمرها ان تقذف به في النهر، ونفذت الأم الحنون اوامرالله تعالى، لكنها ببشريتها وغمرة حنانها كثر خوفها وفقدت صبرها، وصار قلبها لا يفكر إلا فيه ولا هم إلا متابعة اخباره وطلبت من ابنتها الاخرى ان تتابع سير الصندوق دون ان يراها احد وجلست تنظر قلقة يكاد عقلها يطير، تذهب وتجيء في مكانها كأن تحت رجلها حجراً لا تقدر ان تستقر عليه، ولكنه يطول بها الانتظار، وتحاول ان تخرج من البيت راكضة ولهانة تصرخ وتنادي بأن هذا ولدها ولا يحق لاحد ان يمسه ولكن عناية الله القت في قلبها الصبر لفترة قصيرة، فما لبثت ان وقع بين يدي عدوه ولكن الله سخر له عدوه وجاءوا يبحثون عن مرضع ترضع هذا الولد وابنتها تقدمهم وتقول لهم هذه امرأة طيبة تعرف ارضاع الاولاد المشاكسين الذين لا يلتقطون الثدي. ويعود اليها ولدها بعد ان ظنت انها ستفارقه الى الابد وان الجبار سيبطش به، ولكنها تضعه على صدرها الحنون الذي خلق لاجله وامتلأ حنانا عليه، فيطمئن خاطرها وتقر عينها وتنظر الى ولدها، تخاطب نفسها: ماذا عسى ان تفعل لو قتله فرعون. ولكنها تنظر اليه مرة اخرى لتملأ عينها من النظر اليه وكأنها غير مصدقة لما حصل، ولكنها تحمد الله تعالى على ان رد عليها ولدها واذهب عنها الحزن فتبتسم ابتسامة الام الحانية العطوف فمن يستطيع ان يصور هذه اللوحة بكل ما فيها من العواطف الجياشة؟ سبحان الحنان المنان. فهد الهاجري