أكد الشيخ السيد وفا أبو عجور الأمين العام لمجمع البحوث الإسلامية بالأزهر أن المجمع مع حرية الإبداع ولا يمثل قيدا على المبدعين مشيرا إلى أن المجمع يهدف إلى الحفاظ على ثوابت الإسلام وعدم الخروج على قيم المجتمع وتقاليده. وقال ان المجمع يعمل على نشر الوعي الإسلامي من خلال التقارير التي تعدها لجانه والاجتهادات التي يقدمها في مختلف القضايا مشيرا إلى رفضه لمحاولات جمع المسلمين على رأي فقهي موحد في كل مسألة لأن هذا بمثابة حجر على الاجتهاد كما أن تعدد الاجتهادات واختلافها في الفروع يعد رحمة بالمسلمين. وأشار إلى أن الحضارة الغربية قامت على أكتاف حضارة المسلمين وعلومهم ولا تزال تستفيد بخبرات علماء المسلمين في كل المجالات مؤكدا ضرورة أن يوجه العلماء المسلمون جهودهم إلى بلادهم وأن يكون لديهم نوع من الإنتماء حتى تكون بلادهم قادرة على إنتاج متميز يحمل اسم البلاد الإسلامية. وأوضح أن العلوم لا تختلف من دين إلى آخر أو من بلد إلى آخر لكن هناك اختلافاً في الأسس والمنطلقات التي تبنى عليها مشيرا إلى ضرورة عدم مخالفة تعاليم الإسلام أو إنتهاك القيم والأخلاق بحجة التوصل لاكتشافات جديدة. ـ تضارب الفتاوى ظاهرة تثير الحيرة والاضطراب بين المسلمين لماذا لا يتم جمع المسلمين على رأي فقهي واحد في كل مسألة من المسائل؟ ـ جمع المسلمين على رأي فقهي واحد معناه أن يكون هناك إجماع على هذا الرأي ، وهذا من الصعب تحقيقه ولم يحدث على مدار التاريخ الإسلامي وعندما إنتهى الإمام مالك من إعداد كتاب الموطأ فكر أحد الخلفاء في أن يحمل الناس على العمل بما ورد بهذا الكتاب لكن الإمام مالك - رضي الله عنه - رفض وقال للخليفة: لا نفعل ذلك لأن في ذلك حجرا على المسلمين وعلى العلم وهذا أمر غير منطقي ، وأثبتت الأيام صحة رأي الإمام مالك فقد ظهرت اجتهادات كثيرة بعضها يتفق مع اجتهادات مالك وبعضها يختلف معه ، وكانت كل هذه الاجتهادات رحمة من الله لجميع المسلمين لأنها يسرت عليهم ورفعت الحرج عنهم. وهذا التعدد في الآراء والاجتهادات الفقهية لا يعني الاختلاف في كل الأمور الإسلامية فهناك أمور يجمع عليها المسلمون وهي كل الأمور المعلوم أمرها من الدين بالضرورة فهذه لا خلاف عليها بين المسلمين أما بالنسبة للأمور الفرعية أو الجزئية فليس من الضروري أن يجتمع المسلمون فيها على رأي واحد لأن الخلاف فيها رحمة من الله - عز وجل - لعباده، فما دام كل مجتهد يجتهد في هذه الأمور بإخلاص ويستند في اجتهاده إلى أدلة من كتاب الله وسنة رسوله ومن الوسائل الأصولية المقررة فإننا نرحب بتلك الاجتهادات لأنها سوف تصب في النهاية في خدمة المسلمين. حرية الإبداع ـ ما هو الدور الذي يقوم به مجمع البحوث الإسلامية بالأزهر في فحص الكتب والمؤلفات والمصنفات الفنية، ولماذا يتهم المجمع بأنه يمثل قيدا على حرية الإبداع ؟ ـ مجمع البحوث لا يمثل أي قيد على حرية الإبداع أو التعبير عن الرأي ، كل ما في الأمر أن بالمجمع لجنة للبحوث والتأليف والنشر تتولى فحص بعض الكتب والمصنفات الفنية وترصد كل ما يرد فيها ويكون مخالفا للإسلام أو يتعارض مع نصوص القرآن والسنة وترسل تقاريرها إلى الجهات الأمنية وغيرها. وتوصى بإجازة الكتاب أو العمل أو بعدم إجازته، ونحن نعجب من هؤلاء الذين يتهمون المجمع بأنه يمثل قيدا على حرية الإبداع ، كل ما يريده المجمع وما يريده المسلمون عدم تلفيق الإتهامات ولي أعناق النصوص وتوظيفها في سياقات لم ترد فيها أصلا تحت شعار حرية الإبداع أو تزييف الحقائق الإسلامية ومهاجمة السنة النبوية والصحابة والنبي - صلى الله عليه وسلم ـ باسم حرية الإبداع، كل ما نريده أن يراعي المبدعون قيم الإسلام وتعاليمه وتقاليد المجتمع وهو مجتمع مسلم يجب أن نحافظ على هويته وألا نحاول الطعن في الثوابت أو خلق الفتن بين إتباع الأديان والمذاهب فهذا كله نرفضه وأعتقد أن كل المسلمين يرفضونه. ـ كيف يساهم مجمع البحوث في نشر الوعي بين المسلمين في مصر وخارجها؟ ـ المجمع توجد به لجان عديدة مثل لجنة الفقه ولجنة السنة والسيرة لمناقشة القضايا المستحدثة على الساحة وتصدر الرأي بصددها وتقوم اللجان بنشر هذه الآراء في دراسات ونشرات أو بيانات، ان هذه اللجان لا تقتصر على علماء الدين فقط وإنما يضم المجمع بين أعضائه في اللجان المختلفة متخصصين في مختلف المجالات يتعاونون مع العلماء لإصدار الآراء السليمة وليكون الاجتهاد جماعيا وليس صادرا عن الافراد ، ومن خلال نشر هذا كله يساهم المجمع في نشر الوعي بين المسلمين وتعريفهم بتعاليم دينهم. العلماء المسلمون ـ الأمة الإسلامية لم تعد أمة منتجة أو مبتكرة وأصبحت تعتمد على المنتجات الغربية حتى في الغذاء والملبس والمشرب لماذا وصل المسلمون إلى هذه الحال رغم أن الإسلام يدعو إلى العمل والإنتاج والإتقان والابتكار؟ ـ يجب أن نعترف بأن الحضارة الغربية قامت في الأساس على علوم المسلمين وحضارتهم، ولاتزال الأمة الإسلامية غنية بالعلماء في كافة المجالات، وهؤلاء العلماء قادرون على الاختراع والابتكار والاكتشاف، وغنى عن القول ان علماء كثيرين يعملون في الغرب وكان لهم الفضل في التقدم الغربي الحالي وهؤلاء هاجروا من الدول الإسلامية إلى أوروبا وأمريكا، ويعترف الغربيون أنفسهم بذلك كما يعترفون بكفاءة هؤلاء العلماء المسلمين، المشكلة أن الدول الإسلامية لا تستفيد من هذه الاختراعات والاكتشافات في حين يستغلها الغرب ويستفيد منها في صورة منتجات تصدر إلى دول العالم وتحمل اسمه وليس اسم العلماء المسلمين الذين اخترعوها، هناك مشكلة أخرى بالنسبة للعلماء المسلمين الذين يقيمون في بلادهم ولا يهاجرون إلى دول الغرب أن المناخ لا يكون مواتيا لهم ليحققوا النهضة والتقدم وبالتالي يصيبهم اليأس والإحباط والغريب أن الدراسات والبحوث العلمية والتطبيقية التي تجرى في بلادنا تكتب بلغة غير لغتنا وبالتالي لا يستفيد منها قطاع كبير من المسلمين كما أن هذا العلم لا ينسب إلى اللغة العربية وإنما ينسب إلى اللغة التي كتب بها. روح الانتماء إذن كيف نستغل وجود هؤلاء العلماء في النهوض بالأمة الإسلامية بدلا من أن توجه جهودهم إلى خدمة غيرنا؟ ـ العالم الإسلامي على مدار تاريخه غني بالعلماء والعباقرة وهؤلاء يبذلون جهودا كبيرة لخدمة الإنسانية والإرتقاء بحياتهم لكن الأوضاع غير الملائمة للبحث العلمي والإبداع والإنتاج في الدول الإسلامية سواء لضعف الإمكانات أو غير ذلك تجعل هذه الجهود تنسب لغير المسلمين ولا تنسب إلى المسلمين رغم أنهم أصحابها الاصليون، هذا بالإضافة إلى وجود بعض العلماء في الدول الإسلامية لا يوجد لديهم إنتماء لهذه الدول وبالتالي يخدمون الدول الأخرى ولا يخدمون بلادهم وهذا يرجع إلى أن المناهج الجامعية التي درسوها والانماط التي تربوا عليها لا تغرس فيهم الإنتماء لبلادهم كذلك بعض الذين تعلموا على أيدي مستشرقين أو أساتذة غربيين في الجامعات الغربية وهذا جعلهم يفصلون بين علمهم وبين مجتمعاتهم ويفصلون بين دينهم ودنياهم وهكذا أصبح الكثير من الأساتذة عندنا مفرغين من محتواهم الديني ولا يعبأون بخدمة دينهم وبلادهم ناهيك عن استخدام لغات أجنبية في كتابة بحوثهم ودراساتهم مما يجعل مواطنيهم لا يستفيدون منها، ولذلك لابد من بذل كل الجهود الممكنة لربط العلماء المسلمين ببلادهم ودينهم وأمتهم وغرس روح الإنتماء فيهم وبذلك نضمن أن يكون إنتاجهم منسوبا لأمتهم وبالتالي تنتشر الاختراعات والاكتشافات في البلاد الإسلامية وتصبح مصدرة للتكنولوجيا. ـ لماذا يتسم دور المجمع بالضعف إزاء الرقابة على المصنفات الفنية وبالتالي يجعل ذلك أبناءنا يرون أفلاما وأعمالا درامية تتعارض مع القيم والأخلاق الإسلامية ؟ ـ دور المجمع ليس ضعيفا لكنه لا يراقب كل الأعمال الفنية وإنما له حق الرقابة على الأعمال التي تتصل بالنواحي الدينية فقط أما الأغاني مثلا أو الأفلام والمسلسلات غير الدينية فليس لنا أية سلطة في الرقابة عليها أو المطالبة بوقفها، ولو كان للمجمع الحق في الرقابة على جميع المصنفات الفنية بالفعل لتغيرت الصورة ولما رأينا أفلاما أو مسلسلات تسيء إلى القيم والأخلاق ولا تتفق مع تعاليم الإسلام. العلم هو العلم البعض يدعو إلى اسلمة العلوم فهل هناك علوم إسلامية وأخرى غير إسلامية ؟ ـ العلوم هي العلوم لا تختلف من دين إلى آخر أو من بلد إلى آخر ، فالعلوم التدريبية والعملية لا تختلف باختلاف الدين أو الجنس أو العقيدة فالطب هو الطب في الغرب أو الشرق وعند المسلمين وغير المسلمين وكذلك الكيمياء والفيزياء، والرياضيات ، فعلم الطب لا يختلف من مكان إلى مكان ، وكل ما هنالك أن دولة ما تنجح في اكتشاف أدوية وعقاقير أو طرق علاجية لأمراض منتشرة داخلها أو في العديد من دول العالم ،أيضا يمكن أن يكون هناك اختلاف في الأسس والمنطلقات التي يبنى عليها هذا العلم فمن المعروف أن العلوم التجريبية في الغرب قامت على الفصل التام بين الدين والأخلاق وبين المعامل والتجارب بمعنى أن الطب - مثلا - لا يلتزم بعقيدة أو تعاليم دينية فلا مانع من معالجة مرض بشيء تحرمه الأديان مثل الخمر ولا يهم الباحث الغربي أن يكون الخمر أحد العناصر التي يتركب منها الدواء ، وهذا نرفضه - كمسلمين - لأن الله لم يجعل علاج أمته فيما حرم عليهم وبالتالي لابد من البحث عن دواء أو طريقة أخرى للعلاج لا تتعارض مع تعاليم الإسلام ، أيضا هناك قضايا كثيرة للإسلام مآخذ عليها - لكنها أقرت في الغرب ويتم استخدامها مثل أطفال الأنابيب وتأجير الأرحام وما ينتج عن ذلك من اختلاط في الأنساب ومشكلات أسرية لا نهاية لها. لذلك فإن الباحث المسلم لابد أن يراعي حرمات الله وأن يكون بحثه في إطار ما أحل الله وأن يبتعد تماما عن كل ما حرم الله سبحانه وتعالى. صنع البشر ـ لكن البعض يتذرع بأنه لا توجد وسيلة أخرى لعلاج الأمراض الكثيرة المنتشرة في العالم وينطلق من قاعدة الضرورات تبيح المحظورات فهل تتفق مع هؤلاء؟ ـ الأمراض التي تهدد البشرية أغلبها من صنع البشر فهي عاقبة الأفعال والسلوكيات التي تخالف أوامر الله ونواهيه فعلى سبيل المثال البعض يلجأ إلى نقل دماء ملوثة إلى مرضى رغم علمه بذلك وأحيانا ينتج هذا عن الإهمال غير المتعمد وهذا كله يرجع إلى غياب الضمير وغياب القيم وعندما تشيع الفاحشة في قوم وعندما يشيع الجهر بالمعاصي فإن الامراض - التي لم تكن موجودة في اسلافهم ـ تظهر وتنتشر فيهم وفي ذلك يقول ـ صلى الله عليه وسلم ـ لم تظهر الفاحشة في قوم قط حتى يعلنوا بها إلا فشى فيهم الطاعون والأوجاع التي لم تكن مضت في إسلافهم الذين مضوا.. أو كما قال .. وعلى ذلك فإن الأولى أن نتجه إلى علاج الأسباب الأصلية للأمراض وعدم الخروج على حدود الله أو إنتهاك حرماته بدلا من إباحة المحظورات بحجة الضرورة.