يقف العلماء أمام كلمة واحدة من كتاب الله العظيم سنوات عديدة لفهم المعاني التي تحتويها هذه الكلمة الكريمة دون الوصول إلى المضمون العلمي إلى ان يفتح الله عليهم بعد الاجتهاد بالعمل والفكر والحسابات في أبحاث طويلة فيدركوا، من خلال كلمة واحدة عظمة الخالق في التعبير اللفظي والذي يحتوي بين طيات هذه الكلمة البسيطة على تعبير علمي عميق ودقيق، وما كانوا يهتدوا إلى ذلك لولا ان هداهم الله جل شأنه. والكلمة الكريمة التي اجتمع علماء الفقه مع علماء الفضاء في تحديد معناها هي كلمة «الإعراج» وفعلها حيث جاءت في سبع آيات بيّنات خلال سور في كتاب الله الكريم كما يلي: (من الله ذي المعارج تعرج الملائكة والروح إليه في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة) «سورة المعارج، آية 3 ،4». ولولا ان يكون الناس أمة واحدة لجعلنا لمن يكفر بالرحمن لبيوتهم سقفاً من فضة ومعارج عليها يظهرون) «سورة الزخرف، آية 33». (يعلم ما يلج في الأرض وما يخرج منها وما ينزل من السماء وما يعرج فيها وهو الرحيم الغفور) «سورة سبأ، آية 2». (هو الذي خلق السموات والأرض في ستة أيام ثم استوى على العرش يعلم ما يلج في الأرض وما يخرج منها وما ينزل من السماء وما يعرج فيها، وهو معكم أينما كنتم، والله بما تعملون بصير) «سورة الحديد، آية 4». (يدبر الأمر من السماء إلى الأرض ثم يعرج إليه في يوم كان مقداره ألف سنة مما تعدون) «سورة السجدة، آية 5». (ولو فتحنا عليهم باباً من السماء فظلوا فيه يعرجون) «سورة الحجر، آية 14». ومن خلال هذه الآيات الكريمة نجد ان كلمة الاعراج تختص بالسير في السماء أو في طريقة الصعود من الأرض إلى السماء، ولم تستخدم في السير إلى كوكب الأرض. المعنى العلمي للإعراج لقد كان التفسير اللفظي لكلمة الإعراج هو الصعود إلى أعلى حيث لم تكن النظريات العلمية عند نزول القرآن كافية لتعطي المعنى العلمي الكامل لما يحتويه المعنى اللفظي من دقة في التعبير عن حدث الإعراج، وقد فشل العلامة الانجليزي نيوتن في تعليل السر عندما يلقي بثقل حديد وريشة لطائر من ارتفاع واحد في وقت واحد مع عدم وجود أي مؤثر خارجي كالرياح، فإنما يصلان إلى سطح الأرض في لحظة واحدة برغم الفرق الكبير بين كتلتيهما، إلى أن فتح الله بالعلم على العلامة الألماني الأصل أينشتاين وصاحب النظرية النسبية المشهورة، فأعطى التعليل العلمي السليم بأن الفراغ حول الأرض فيه انحناء، وبالتالي تتساوى سرعات الأجسام، واستمر في وضع نظريته المشهور بأن قال: «ان المادة موزعة حسب القانون الإلهي الأعظم للكون توزيعاً عادلاً في كافة انحاء هذا الكون الفسيح، إن هذا التوزيع العادل سوف يعطينا تحدباً في الفضاء حيث يشمل الابعاد المكانية الثلاثة ويستثنى البعد الزمني من هذا التحدب، وبذلك تكون صورة الكون عبارة عن كرة من الفضاء اللانهائي حيث تسبح فيه المجرات، أما الضوء فإنه ينحني في سيره حتى يصل آخر الأمر إلى النقطة التي انطلق منها». وهكذا وصل العلماء إلى قرار علمي محدد وواضح وهو ان المغادر لكوكب الأرض لن يكون سيره في خط مستقيم بل ستكون له صفة الاعراج في سيره، حيث ان الفضاء الذي يحيط بنا على هيئة منحنيات، كما اننا نرى ان الكواكب والكويكبات في مساراتها حول الشمس لا تسير في دوائر بل تكون دورتها حول الشمس في مسارات بيضاوية، ولقد أجريت تجربة القاء ثقل الحديد والريشة إلى سطح القمر في لحظة واحدة بكل دقة، وهذا يشير إلى الانحناء الذي يحيط بسطح القمر كما هو موجود على سطح الأرض برغم اختلاف قوى الجذب على كوكب الأرض إلى ستة أمثالها على سطح القمر. السير المتعرج عند السير على اى جسم كروي أو بيضاوي فإنه لا يصلح إلا السير المتعرج للوصول إلى نقطة معينة أما السير على خط مستقيم فإنه لا يكون إلا على المسطحات المستوية، وقد اكتشف علماء البحار والملاحة ان السير لمسافات تزيد على ستمئة ميل يجب ان يكون على محيط دائرة عظمى حيث تكون أقصر مسافة بين المكانين ليست الواقعة على خط مستقيم، كما هو معلوم في الهندسة المستوية بل ستكون أقصر مسافة بين مكانين هي الواقعة على محيط الدائرة العظمى والمارة بهذين المكانين، ولتنفيذ ذلك يجب ان يكون السير المتعرج بتغيير خط السير لملاحقة انحناء سطح الأرض. لهذا أفاد التفسير الحديث للإعراج انه الصعود أو السير في انحناء بغير تحديد الاتجاه أي الحركة في خطوط ملتوية، أي ان الفعل يعرج يدل على الحركة وقطع المسافات في مسارات منحنية، ومنه الفعل تعارج أي حاكى مشية الاعراج ومنه أيضاً انعطف ومال. لقد بحث العلماء من مختلف التخصصات بين قوانين عالم الذرة الصغير والمعروف باسم «الميكروكوزم» وقوانين عالم الكون الكبير والمعروف باسم «الماكروكوزم» فوجدوا ان الحركة فيما بين العالمين هي الإعراج عند الانتقال من مكان إلى آخر، ومن هنا جاء بحث العلماء في مقدار انحناء الكون، حيث نشر في عام 1916 «ألبرت أينشتاين» نظريته في النسبية العامة، وهي النظرية الرياضية للجاذبية والتي قامت بتصحيح بعض معادلات العامة «نيوتن» وبنيت على مجموعة من الأفكار التجريدية بلغ من صعوبتها ان أكثر الرياضيين احتاجوا لعشر سنين ليفهموها، وكان جوهر النظرية ان وجود المادة يغير شكل الفضاء ويجعله يتقوس، ولابد ان يكون السير فيه متعرجاً. وينتهي بنا الأمر إلى ان القرآن الكريم سبق العلماء في تحديد اللفظ الدقيق للإعراج بحوالي 1350. تمدد الكون العظيم أشار الله في كتابه الكريم لآيات كونية محدودة ومحددة وبما يسمح به لعلماء كوكب الأرض بفهمها وإمكانية متابعتها، ويهدينا الله إلى المعاني العلمية على جرعات وفترات زمنية حتى لا تصاب عقول العلماء والباحثيون بالذهول لهذا حينما يأتينا بالمفهوم العلمي للآيات الكونية تكون مناسبة إلى عقولنا برفق وهدوء، فقد أشار الله إلى تمدد الكون كما جاء في سورة الذاريات آية 47 (والسماء بنيناها بأيد وإنا لموسعون). فتدرج العلماء في تقسيم السماء إلى ثلاثة أنواع حيث السماء الدنيا هي الغلاف الجوي التي تحيط بكوكب الأرض ثم السماء الوسطى وهي الغلاف الجوي الرقيق جداً، ويحيط بمجرة درب التبانة وبما تحتويه من مئة ألف مليون مجموعة شمسية منها ما هو أصغر من مجموعتنا، وما هو مثلها وما هو أكبر منها بكثير، ولكن يضمهم تشكيل واحد يعرف باسم المجرة اللبنية. أما الكون العظيم والذي يحتوي ما يزيد على مئة ألف مليون مجرة ـ غير قابلة للعد أو الحصر ـ فتغلفها احدى السموات العلى حيث لم يصل العلماء إلى يومنا هذا لأية معلومات تفيد البشرية ولكنهم اكتشفوا ان هذا الكون يمتد ويتسع أي انه ينتفخ إلى الخارج في الفضاء اللانهائي، وهذا ما اكتشفه عالم الفلك «هيل» حيث زحزحة الضوء نحو الأحمر والتي تظهر في أطياف المجرات، فكلما بعدت مسافتها زادت زحزحة خطوطها الطيفية نحو الطيف الأحمر، وانتهى العلامة «هيل » إلى قرار ان الكون في حركة دائبة ومستمرة في كل مكان وزمان، حيث يتمدد هذا الكون العظيم الذي لا يعرف السكون إلى ما شاء الله، وانه إذا كان الفضاء يوجب التقوس كما تشير الدلائل الراهنة فسيأتي يوم لا يعلمه إلا الخالق العظيم، حيث ينتهي فيه الامتداد للخارج، ويبدأ الامتداد للداخل بالمفهوم الانكماشي مثل حركتي الزفير والشهيق للإنسان، وانتهى تعليق العالم «هيل».. ولننتبه إلى الآية الكريمة (وما أوتيتم من العلم إلا قليلاً) «سورة الإسراء، آية 85» . قاسم لاشين