تحولت قراءة الطالع إلى نوع مهم من الاستثمار في اليابان في العشرين عاما الاخيرة. واستخدمت لذلك أساليب متنوعة منها قراءة الكف وأبراج الحظ. لكن الوسيلة الاحدث على الاطلاق والتي تلقى إقبالا منقطع النظير من السيدات والفتيات في العقدين الثالث والرابع تسمى بـ «قراءة النفس». وعادة ما تلجأ النساء في اليابان لقراءة الطالع للتوصل إلى حلول لمشكلاتهن العاطفية أو لمشكلات تتعلق بالعمل. وبات قراء الطالع في اليابان يلعبون دورا أشبه بدور المستشار النفسي. فهم يستمعون إلى صاحب الشأن وهو يفصح عن مكنون نفسه ويخرج ما في جوفه من أسرار ويناقش مشكلات لا يتطرق إليها في الظروف العادية حتى مع اقرب الناس. ولقراءة الطالع بهذا الاسلوب تأثير مطهر على النفس في اليابان على نحو خاص، ذلك أن العلاج النفسي والاستشارات المتخصصة التي تنتشر في الغرب ليس لها وجود يذكر إلى الان في اليابان. ممن يمتهنون قراءة الطالع بهذا الاسلوب الان في اليابان «مينا أوكي» التي تقابل عملاءها، ومعظمهم سيدات في الفئة العمرية المذكورة آنفا، في مقهى بطوكيو. وتطلب أوكي من عملائها أن يطلعنها على صور فوتوغرافية أو بطاقات عمل تخص الشخص الذي يردن إماطة اللثام عن حقيقته مثل الخطيب أو رئيس أو زميل في العمل، كما تطلب معرفة اسمه وتاريخ ميلاده. وتقول أوكي إنها تعمد إلى تحليل شخصية العميلة ذاتها بحيث تقف على مراكز القوة والضعف بها وعلى تأثير الخطيب أو الزميل المعني على حياتها. وهي تقول إنه بمقدورها أن تحلل المشاعر الداخلية للشخص من خلال مراقبة ملامح وجهه إما مباشرة أو عبر صورة فوتوغرافية. ويقول مراقبو صناعة قراءة الطالع إنها تختلف عن التنبؤ بالمستقبل، فهي صناعة تعتمد أساسا على التخمين. فما من عامل حاسم يحدد شخصية أو مستقبل الشخص أو مدى انسجامه مع الاخرين. لكن الناس لا يفتأون يسعون إلى الحقائق، بأكبر قدر ممكن من التأكيد، لذا فهم يلجأون إلى قراء الطالع. وتتكلف الجلسة الواحدة مع أوكي والتي تستغرق ساعة ما يوازي 82 دولارا. وهي نفس التكلفة تقريبا التي يطلبها قراء الطالع الباقون في اليابان. ويعني هذا أنها مهنة مربحة، فقارئ الطالع العادي يمكن أن يحقق ربحا يصل إلى أكثر من ثمانية آلاف دولار شهريا. ومما يبرز شعبية قراءة الطالع في اليابان أن المجلة التي تتضمن موضوعا عن الامر ترتفع مبيعاتها بشكل ملحوظ. وقد لجأت إيمي ذات الاثنتين وثلاثين سنة مؤخرا إلى قارئة طالع من هذا النوع الاخير. وقبل أن تبدأ الجلسة سألتها القارئة عن وظيفتها وعن حبيبها. وأطلعت إيمي قارئة الطالع على صور وبطاقات لخطيبها ولرئيسها في العمل ولرجل آخر دون الافصاح عن مزيد من المعلومات. وتقول إيمي «باعتبارها قارئة طالع قادرة على قراءة ما في نفسي، فلقد اعتقدت أنها ستعرف من هم». لكن المرأة لم تعرف أيا منهم، بل وأشارت إلى صورة الرجل الاخير وقالت لايمي «هذا هو الانسب لك». وتقول إيمي «لقد أصابتني خيبة أمل كبيرة». وشعرت أنها أضاعت وقتها وأموالها. لكن معظم أصدقائها حثوها على أن تحاول ثانية، مؤكدين إن حظها العثر أوقعها في امرأة غير محترفة، لكن هذا لا ينسحب على بقية قارئي الطالع. وترجع قراءة الطالع في اليابان إلى آلاف السنين، عندما كان الناس يحرقون عظام الغزلان ويستشفون من طريقة تآكلها أحداثا مستقبلية مثل حدوث موجات جفاف أو الاصابة بالامراض. وفي ذلك العهد كانت قراءة الطالع لا تقتصر على مستقبل أشخاص بعينهم بل وعلى مصير مجتمعات بأكملها. وقد انتشرت قراءة الطالع في اليابان في القرن السابع الميلادى بتأثير مباشر من الحضارة الصينية التي وصلت إلى اليابان. ومن بين أساليب قراءة الطالع التي حظيت بقبول الناس نظام يحدد مصير الانسان في ضوء تاريخ ميلاده وساعة الميلاد بالتحديد، وربما يكون هو الاقرب إلى علم التنجيم وأبراج الحظ المنتشرة في الغرب. وكما كان الحال في الصين وأوروبا، فقد ظلت قراءة الطالع في اليابان لقرون محاطة بأسوار عالية شيدها القائمون عليها ليقصروها هي وأسرارها على أنفسهم دون سواهم. ومنذ الثورة الصناعية باتت النظرة العقلانية تهيمن على كافة جوانب الوجود الانساني. وبما أن الدين ليس ذا سطوة على الياباني العادي، فهو يريد أن يلعب دورا نشطا في مصيره. ويقول قراء الطالع ان الياباني يريد أن يعرف مصيره، إذا كان القدر قد حدد سلفا. وإذا لم يكن قد حدد، فهو يريد أن يضطلع بنفسه بتحديده. ـ د.ب.أ