ـ حسنا يا أبا خراش، لقد كانت قصيدتك بمثابة قصة طريفة، استطعت من خلالها أن تترجم كثيراً من القيم النبيلة والعزمات القوية التي لا تتوفر إلا لأصحاب العزم والحزم من الرجال. ـ قال أبو خراش: في كل قصيدة أقولها أحاول ألا أتصنع الموقف، بل اتركه يحددني، فالصحراء علمتنا ألا نرسم قدرنا أو نحدد حركتنا. ـ هذا جميل أيها البدوي الممتد بطيبة الصحراء.. لكن أحياناً نجد أنفسنا مجبرين على الخوض في معركة غير متكافئة مع النفس، فهل مررت بموقف كهذا؟ ـ لا أريد أن أتناول الموضوع من هذه الزاوية، لكني أقول انني مررت بمواقف انسانية لعل أكثرها تميزاً ووضوحاً موقفي من ولدي خراش بعد اسلامنا، فقد ذهب خراش إلى الغزو مصاحباً الجيوش الاسلامية الفاتحة، وهنا أحسست أنني عاجز عن تطويع النفس وزجرها، لقد افتقدت ابني الوحيد، ولم أجد مخرجاً لذلك إلا الذهاب إلى المدينة والجلوس بين يدي أمير المؤمنين عمر أشكو شوقي وأصف حالي ولهفتي على ولدي خراش، فذكرت له انني رجل قد انقرض أهله وقتل إخوته ولم يبق لي ناصر ولا معين غير هذا الولد، فاستدعى أمير المومنين خراش وأصدر أمراً بألا يغزو من كان له أب شيخ إلا بعد أن يأذن له أبوه.. وقد قلت في هذا الموقف قصيدتي الداليه: ألاَ مَنْ مبلغٌ عني خِراشاً وقد يأتيكَ بالنبأ البعيدُ وقد يأتيكَ بالأخبار مَنْ لا تُجَهزُ بالحذاءِ ولا تُزِيدُ يُنَاديه ليغبِقَهُ كلَيبٌ ولا يأتي لقد سَفِهَ الوَليدُ فرَدّ إناءه لا شيء فيه كأن دموعَ عينيه الفريدُ إذن أنت من جعل الخليفة الفاروق يصدر أمراً قنن به الجهاد. ـ لا، بل كنت سبباً، فالله سبحانه وتعالى، يجعل في عبده سبباً لكي ييسر عليه دينه ودنياه. هنا وجدت نفسي أمام شيخ خبر الدنيا وتقلباتها، وفهم اسرار الأيام ودورتها.. فاستأذنت مودعاً بعد أن فهمت الرجل، وعرَفت مواقفه الانسانية. وقبل أن أنقر على مؤشر الجهاز جاء صوت يناديني من بعيد أيها الغريب.. أيها الغريب قف، أريدك أن تحمل اخباري إلى ديارك.. ـ سألت أبو خراش مستغرباً: من يكون الرجل؟ ـ قال: لا عليك انه يزيد بن الصيقل العقيلي أحد لصوص الحجاز. عاد الرجل غاضباً وموبخاً أبا خراش: خسئت أيها المتطاول، كنت، لكنني تبت توبة نصوحاً.. قاطعته مازحاً: وهل يتوب اللص! قال: مشكلتنا نحن البشر أننا لا ننسى ولا نحاول أن نفتح باباً للرحمة، فالتوبة رحمة سخرها الرب لعباده، فإذا كان الله سبحانه وتعالى رؤوف رحيم بعباده يقبل توبة الداعي إذا دعاه فلماذا لا نغفر نحن البشر. قلت له: هون عليك يا رجل، فأنا أحاول أن استشيرك فقط! .. وغداً نكمل