الآن، وقد انتهينا من هذه المقدمة التي طالت بأكثر مما قدرنا، وامتدت الى ما يتجاوز ما اردنا. ينفتح المجال امامنا رحبا للانتقال الى مقصدنا هنا، وهو رصد جماليات المكان كما تتجلى في المساجد، عن قرب يتجاوز ما فعلنا في الجزء الاول من هذا الكتاب لنتأمل من هذا المنظور في المقام الاول ـ المكونات الرئيسة للمسجد. لكن ما الذي نقصده بالضبط حين نتحدث عن المكونات الرئيسة للمسجد؟ اننا نعرف ان المسجد يضرب جذوره في صميم العقيدة الاسلامية، ويقاس بجلاء وضوحها وبعدها عن الالغاز والتعقيد والغموض والالتباس، وهي تعد الصلاة ركنا من اركانها الخمسة لكنها لاتشترط اشكالا محددة ولا تكوينات بعينها ولا صورا بذاتها للبناء الذي تقام فيه الصلاة خمس مرات في اليوم والليلة كذلك فان الانسان المسلم كان في قرارة نفسه يوقن بان ما يبنيه الانسان من عمارة مصيره الى الزوال ثم ان الدنيا باسرها ليست الا دار ممر، والآخرة هي ـ حقا وصدقا ـ وحدها المقر، الذي تشد اليه الرحال في تلك الرحلة التي اسمها حياة الانسان. الاسلام ـ كما نعلم ـ يعد الارض كلها مساجد، فكل بقعة طاهرة من الارض يجوز ان تقام فيها الصلاة، ومن هنا جاءت المساجد الاولى في الاسلام مجرد صحون رحبة يتم تسويرها ولا يشترط فيها اضافة الى هذا اي شيء آخر على الاطلاق الا ان توجه نحو القبلة «الكعبة المشرفة»، التي ربط فن العمارة الاسلامي بينها وبين المسجد. مع انطلاق المسلمين حاملين لواء الدعوة الى دين الحق نشأ فن معماري كانت المساجد قلعته القوية ومعقله الحصين، حقا انه قد امتد ليشمل المدارس والمعتكفات والدور والقصور والوكالات وغير ذلك من المنشآت لكن المساجد والجوامع بخاصة كانت الصرح الحقيقي له. اتجاهان للفضاء غير انا نعلم ان العمارة الدينية امر لايطل الى النور طفرة واحدة، ولا كائنا مكتمل الخلقة، وانما امكانياته تتجاوز طاقة اي معماري واحد خلال حياته مهما بلغت عبقريته، بل وتقصر عنه طاقة جيل بكامله من المعماريين المبدعين، ذلك ان العمارة بصفة عامة والعمارة الدينية بصفة خاصة، تعد من الفنون الجماعية شأن غناء جوقة الانشاد يستحيل على فرد واحد ان يؤديه بمفرده. كان الاصل، داخل الاطار العام الذي حدده الاسلام، هو الفطرة التي فطر الله الناس عليها فجعلتهم منذ اقدم العصور يهتدون الى الرموز ويخلعون على الاشكال صفة التجريد، وينفذون الى المعنى الذي هو اقرب الى الجوهر المكنون الذي ينطوى عليه الشكل، ويستوحون الرموز من الظواهر الطبيعية المحيطة بهم، ويربطون هذه الظواهر بما يراودهم من افكار وخواطر وينصاعون للقوى التي اليها مرد هذه الاشكال ولنظم الخلق التي تخضع لها هذه القوى. من المؤكد انه ليس من قبيل الصدفة ما سبق ان اشرنا اليه من نشوء اعراف سادت العمارة الاسلامية، وجرى اتباعها بين اهل حرف البناء وغيرهم من الصناع وكانت من ابرز مكونات هذه الاعراف تلك المعتقدات التي كانت لبعض الصوفية بحكم ما اوتوا من روحانية وعلم باطني في عمارة المساجد ومااقترنت بها من رموز عندهم كانوا يعلمونها في صورة اسس واضحة للمهرة من كبار البنائين والحرفيين، وحولها هؤلاء بدورهم الى اعمال واشكال ينفذها الصناع والعمال فتربط بين حكمة الصوفية الخافية عن العيان والمظاهر الجلية في الآفاق. هكذا باستلهام الدين الحنيف والفطرة والتقاليد المعمارية القديمة وبالتأثر بالبيئة المحيطة والتراث المعماري للامم التي احتكوا بها، طور المسلمون عمارتهم الدينية والدنيوية، التي ستواصل تطورها ورقيها الى ان يعترف بعبقريتها الفريدة محبوها وشانئوها على السواء. اننا نتحدث هنا عن عمارة امتدت من الصين الى الاندلس ومن الفولجا الى الخاصرة الدنيا للقارة الافريقية على امتداد مايزيد عن الف عام، ومن هنا يكاد يكون من المستحيل ان نتحدث عن نمط واحد بعينه يبرز عن غيره في اطار عمارة المساجد، لكننا في النهاية نتحدث عن عمارة واضحة وصريحة ومحددة لايماري في فرادتها وعبقريتها الا جاحد. بأوسع المعاني يمكننا القول انه في بناء المسجد يلتزم المعماري بان يكون فضاؤه، فراغه كما يؤثر البعض ان يقول، في اتجاهين: ـ الاتجاه الاول: افقى مستو يربط المسجد بالكعبة المشرفة ومرد هذا الى ان الدين الاسلامي دين جامع فهو دين الرسالة السماوية الشاملة والاخيرة، التي بعثت للناس كافة وللبشر قاطبة، والمسلمون اذ يولون وجوههم نحو الكعبة المشرفة يؤكدون هذا المعنى ويشددون عليه والقبلة التي يتحراها محراب المسجد ليست هي العنصر الوحيد في هذا المستوى الافقي، وانما تشاركها في تحديده القيلة لدى تزحزحها من موقعها في منتصف بيت الصلاة الى موقع القبلة. ـ الاتجاه الثاني: رأسي صاعد، يربط المسجد بالسماء وتعبر عنه القبة التي ترمز الى السماء في المناطق المسقوفة من المسجد ويكتمل هذا الاتجاه بالمئذنة وبما يعرف بالعرائس او الشرافات تعلو حواف سقف المسجد وتساهم في تأكيد هذا الاتجاه كذلك العقود ومنحنياتها حيث تكاد العمارة الاسلامية تخلو ـ بصفة عامة ـ من العقد نصف الدائري، ولا تكاد تستخدم سوى العقد المدبب او الذي يأخذ شكل حدوة الفرس، وقد يعود مرد ذلك الى الحرص على ان يستجلى المتعبدون خطوط القوى في معمار المسجد، ذلك ان التماثل موصول بعقيدة الموت، والعقد نصف الدائري في الحضارة الفرعونية يسمى العقد الاوزيري نسبة الى اوزيريس، اله الموتى، الذي من الارض يصعد واليها يعود، بينما نجد ان خطي القوى في العقد المدبب يلتقيان عند قمة العقد منطلقين في اتجاه المماس بزاوية ومن ثم يربط المشاهد الذي يستجلى هذين الخطين ومحصلتيهما بين الشكل المدبب وبين الصعود لاعلى. المكونات العشرة لاحصر للمكونات التي يتألف منها المسجد، الذي انحدر من صلب هذا كله، لكننا ـ لغرض متابعة هدفنا الرئيس وهو دراسة جماليات المكان، ستقتصر بالتقصي والرصد والمتابعة على عشرة مكونات رئيسة لا غيرها هي على حسب ما درج المصنفون على ايرادها: 1ـ بيت الصلاة 2ـ المنبر 3ـ المحراب 4ـ المئذنة 5ـ القبة 6ـ الصحن 7ـ الرواق 8ـ المرافق الصحية والميضأة 9ـ المقصورة 10ـ السدة. ينبغي ان يكون واضحا، منذ البداية، ان تناولنا لهذه المكونات العشرة يمر بدراسة جماليات المكان، ويبدو ذلك اوضح ما يكون في المكون الثامن من المكونات العشرة، حيث يبدو انه لا مجال الا للحديث عن الجوانب الوظيفية ومدى تطورها الكبير وتحولها الى فن بالغ الرقى في الوقت الذي كانت عمارة اوروبا تخلو منها كلية. تلك ملاحظة منهاجية مهمة، وهناك اخرى تتمثل في اننا لن نعرض طويلا لبيت الصلاة، الذي يشكل المكون الاول من هذه المكونات العشرة، وانما سنعمد استغلال المجال الذي يتاح لنا، نتيجة هذا الايجاز، لما في طرح مقولات ارنست جروبه التي سبقت الاشارة اليها والتصدي لها بالرد. هذه الملاحظة المنهاجية المتعلقة ببيت الصلاة تضم في جوهرها، كما هو جلى جانبين لاتعتقد ان مبرراتهما معا تغيب عن بصر القاريء ولا بصيرته. ففيما يتعلق بايجازنا في دراسة بيت الصلاة، على الرغم من اهميته الكبيرة في دراسة جماعيات المكان بالنسبة للمسجد، من الواضح انه يعود الى ان دراسة في الجزء الاول من هذه الموسوعة تركز جانب لا بأس منها على تطور بيت الصلاة، ومن ثم غدا التعرض له مجددا اقرب الى التكرار الذي لا موضع له ولا مجال. فيما يتعلق بضرورة المبادرة الى عرض طروحات ارنست جروبه بشيء من التفصيل، فان هذا العرض هو المنطلق الصحيح للرد عليها والعرض والرد كلاهما مهمان لان هذا المستشرق يمضي الى طرح مجموعة خطيرة من الانتقادات حول العمارة الاسلامية تكاد ترقى الى التشكيك في مفهومها ذاته ومن المؤسف ان كثيرا من الباحثين في الغرب يأخذون طروحاته على انها تشكل تلخيصا لخصائص العمارة الاسلامية من دون الوقوف لوضع هذه الطروحات موضع المناقشة والتمحيص. الامر الاسوأ من ذلك حقا والذي يبدو لي مدهشا وغير مفهوم بالمرة هو ان بعض الباحثين العرب يقفون طويلا عند طروحات جروبه لا وقفة الناقد والمناقش، وانما وقفة من يأخذ ما يطرح عليه امرا مسلما به! تأملات في بيت الصلاة البيت، في لغة الضاد، جمعه بيوت وابيات وبيوتات، المسكن على اطلاقه، يقول الحق جل وعلا في محكم اياته: «واوحى ربك الى النحل ان اتخذي من الجبال بيوتا ومن الشجر ومما يعرشون» ويقال بيّت الامر (بفتح الباء وتشديد الياء وفتحها) دبره، ليلا، مصداقا لقوله تعالى: «اذ يبيتون ما لا يرضى من القول» وبات الرجل عند اهل صار عندهم، وبيت الرجل اسرته، وبيت العنكبوت نسيجها، وبيت المال خزينته، والبيت الحرام او البيت العتيق الكعبة المشرفة. هكذا، فإن البيت في معناه العام هو كل مسكن حضري يتخذ من حجر او آجر او خشب، وكل خيمة بدوية تتخذ من جلد او صوف او وبر، مصداقا لقول الحق جل ثناؤه: «والله جعل من بيوتكم سكنا، وجعل لكم من جلود الانعام بيوتا تستخفونها يوم ظعنكم ويوم اقامتكم ومن اصوافها وأوبارها واشعارها اثاثا ومتاعا الى حين». يلفت نظرنا ان العماري المسلم كان ابن بيئته حقا، فحرص على حماية البيت العربي من الحر صيفا ومن البرد شتاء، ولذلك جعله على هيئة مربع او مستطيل، ووزع حجراته حول صحن اوسط مكشوف، ثم عمل فيه الايوان خلال العصر العباسي، وفتح عليه غرفه وحجراته وكيف المناخ تصميمه وتحكم في اختيار مواده، فعمل من الطوب اللبن في معظم البلدان لقدرته على عزل الحرارة والرطوبة وقلة تكاليفه، وعمل من الحجر في بلاد الشام، ومن الآجر في شبه الجزيرة العربية ومصر، وعقدت اسقفه، وقبيت بهذه المواد جميعها. في التقاليد المعمارية الاسلامية، بيت الصلاة هو القسم المسقوف من المسجد، ويقع ناحية القبلة. ويرجع بيت الصلاة بهذا المعنى الى الحد الاعلى لكل المساجد، اي الى مسجد الرسول صلوات الله وسلامه عليه في المدينة، وفي بيت الصلاة، بالطبع، القبلة ممثلة في المحراب، وهناك المنبر والمقصورة، كما قد تعلو سقفه القباب. يقوم بيت الصلاة، عادة وان لم يكن دائما بالطبع، على اعمدة ترتكز عليها العقود وفوقها السقف. ومن خلال صفوف الاعمدة فيه ينقسم الى اروقة رأسية، تبدأ من المدخل الرئيسي وتنهي بجدار القبلة، واخرى عرضية موازية لجدار القبلة. اما المساحة المحصورة بين اربعة اعمدة فتسمى بلاطة، وعادة يكون الرواق الاوسط المؤدي الى المحراب او سع من سائر الأروقة. هذه الصورة العامة لبيت الصلاة ليست تاريخا فحسب، حقا ان المساجد الاولى لم تكن اكثر من مصلى يحيطها سياج من الحصير المجدول من سعف النخيل ما لبث ان اتخذ من لبد مجفف، وتم تسقيف جزء منه اقيم على اعمدة من سيقان النخيل، وترك الباقي عراء، وهذا النهج من البناء هو نفسه الذي اتبع في بناء مسجد البصرة عام 14 هجرية ومسجد الكوفة عام 17 هجرية ومسجد الفسطاط عام 21 هجرية، ويقرب صورته الى اذهاننا المصليات الفارسية التي كان يطلق عليها اسم «نماذجاه» ولا تزال قائمة حتى اليوم في ضواحي الكثير من مدن ايران والاناضول. لكن العمارة الاسلامية ما كان لها ان تتجمد طويلا عند هذا الوضع، على سهولته التي تغري بتوالده واستنساخه، فقد تطورت الامور بحيث فرضت ضرورة بناء مسجد الدولة واتخاذ مساجد جامعة يتاح للمسلمين اداء الشعائر فيها مع حمايتهم من تقلبات الجو وعوارض المناخ. هكذا برز ما يسميه دكتور ثروت عكاشة في كتابه «القيم الجمالية في العمارة الاسلامية» ولست ادري من اين جاء بهذه التسمية بـ «التصميم العربي» ليكون اول تصميم لبناء المساجد، حيث نجد انفسنا امام فناء مستطيل تحيط البوائك بأضلاعه الاربعة، ويتميز الضلع الذي يضم المحراب بعدد اكبر من البوائك التي تمثل جناحا مسقوفا مخصصا للصلاة فيه. ويتجسد هذا التصميم في مسجد المتوكل بسامرا وفي جامع ابن طولون وفي مسجد طريق خانة في دمجان بايران. هذا التصميم لبيت الصلاة، على الرغم من بساطته، الا ان المعماري المبدع عرف، في حالة جامع بن طولون، كيف يتلاعب بالتوافق والفضاء بين الايقاع المنتظم للعناصر الانشائية من الأعمدة المربعة والعقود والتنوع في العناصر الزخرفية التي تزين بطون العقود والنوافذ الجصية، مما اسبغ على المبنى رقة ورهافة لايوازيهما الا قوته وتماسكه، وتلاعب المعماري ايضا بالمفارقة والقضاء بين اشراق النور في صحن الجامع وظلال الاروقة التي تبرزها الاعمدة والعقود. هكذا، فان من يلج المسجد يجد نفسه وقد حمل على اجنحة من الصفاء والسكينة والقدسية والخشوع، واتيح له ان يغرق في تأمل صوفي يتصاعد مع الاحساس بارتفاع العقود واتساق الخطوط وعمق الاروقة التي توشيها غلالة من الغموض الرقيق. وقد ظلت المساجد تفترق الاضاءة على هذا النحو عن طريق الصحن الداخلي المكشوف حتى اتجه المعماري في مراحل لاحقة الى فتح النوافذ بعمق اكبر طلبا لمزيد من الضياء. غير ان هذا التصميم يصل الى ذروة فريدة من ذرى الابداع المعماري الاسلامي في مسجد قرطبة الجامع، حيث يقتصر بيت الصلاة على مساحة واحدة من ناحية القبلة، تتكون من سلسلة هائلة ومدهشة من الاروقة المغطاة يمتد امامها الصحن المكشوف، وشهد المسجد اضافات وامتدادات، تزامن ابرزها مع بناء مدينة الزهراء، غير بعيد عن قرطبة. ضم بيت الصلاة في مسجد قرطبة الاصلي احد عشر رواقا، شيدت جميعها مع باقاتها في اتجاه عمودي على جدار القبلة وكما جرى العرف المعماري الاسلامي تميز الرواق الاوسط المفضى الى القبلة بزيادة عرضه عن باقي الاروقة. ويبلغ ارتفاع السقف الذي اقيم على اعمدة تسعة امتار، وهو الارتفاع الذي حققه المعماري بان اقام عقودا عليا فوق العقود السفلى، تفصل بينها كتل من الحجر بمقياس يحقق ركائز تتلقى ارجل العقود العليا التي فاق سمكها سمك العقود السفلى، وهكذا اصبحت كل واحدة مكونة من عمودين سفليين وركيزتين علويتين وعقد اسفل يعلوه عقد آخر. استكمل المعماري الجدران الطولية فوق العقود بارتفاع بسيط اتاح له تركيب عروق خشبية عرضية غطيت بالواح خشبية لتسقيف كل رواق، وعمد الى حجب السطح المستوى للسقف من اسفل بعمل قبوات متقاطعة تسد الفراغ بين العقود اتخذها من الشرائح الخشبية المطلية بالجص. ولحماية السقف من اعلى ولتصريف مياه الامطار شيد احد عشر جمالونا يغطي كل واحد منها رواقا، بين كل منها والآخر مجرى مبطن بالرصاص. لم يظل هذا المسجد الاصلي على حاله، وانما ادخلت عليه اضافات عديدة، بحيث شاركت في تشييد مجمله سبعة اجيال متعاقبة من المعماريين حيث بدأ تشييده في عام 780 ميلادية وانتهى في عام 1000 ميلادية. المدهش حقا ان من يلج هذا المسجد الجامع يحس انه امام غابة مترامية الاطراف من الاعمدة المتماثلة التي تشكل العنصر المعماري الاكثر بروزا في بيت الصلاة، غير ان واقع الامر ان هذه الاعمدة مختلفة مادة ولونا، فمنها ماهو رخامي ابيض، ومنها المرمري الشفاف، او الوردي، او الاخضر، وتختلف تيجانها كذلك، فمنها ماهو وردي، او ايوني، او كورنثى، او مركب، وقد جمعت هذه الاعمدة من اماكن شتى، وخاصة من قرطاجة وايطاليا. شهد الجامع اضافة حقيقية على يد عبد الرحمن الاوسط، حيث اضاف اليه جزءا مماثلا للاول لا يكاد يختلف عنه تقريبا الا في اشكال العقود، حيث جعل احد الاقواس المزدوجة شبه دائري والآخر على هيئة حدوة حصان. واستكمل المستنصر الاضافة الثالثة الحقيقية، التي تجعل البعض لا يتردد في القول ان الجامع مؤلف في حقيقته من ثلاثة مساجد مدمجة معا، حيث استكمل اضافات عبد الرحمن الاوسط في اتجاه نهر الوادي الكبير حتى بلغ الجامع ضفة النهر، وقد بلغ نجاح المستنصر في المواءمة بين اسلوب البناء في القرن الثامن واسلوبه في القرن العاشر الحد الذي لا يدرك معه زائر الجامع انه قد انتقل من عصر الى عصر. غابة من الاعمدة اليوم يبدو هذا الجامع مرتفعا فوق غابة من الاعمدة مع قناطر بشكل نصف دائرة، والتعديلات التي ادخلت على البناء جعلته يتمتع بمساحة كبيرة يبدو معها سقف المسجد قليل الارتفاع فضلا عن هذا فان عدم تماسك اجزاء الاروقة حمل المسئولين على اضافة قناطر جديدة ركزت فوق اعمدة اقل ضخامة من الاولى، اما عناصر الزخرفة، فقد كانت بسيطة حتى عهد المستنصر، الذي اغنى المسجد بالزخارف واعطاه طابع العظمة والابهار. يصف المؤرخ الاسباني ريكاردو مورينا صحن الجامع وبيت الصلاة فيه، فيقول: لدى ولوجنا المسجد من باحة البرتقال تنبسط امامنا دفعة واحدة اروقة المسجد، فيعترينا شعور بأننا امام غابة مظلمة متشابكة الاغصان، متداخلة الفروع، وتمر امامنا اعمدة من المرمر الملون على رأسها تتدلى الازهار المنقوشة تيجانا للاعمدة وفوقها القناطر ذات اللونين الابيض والوردي، وبين الظلال تسبح في ارجاء المسجد انوار سحرية تدعو الى التأمل والصلاة. ويقول فيليب حتى في كتاب «تاريخ العرب» في معرض وصفه لبيت الصلاة في جامع قرطبة : «يدعم سقف المسجد الف ومئتان وثلاثة وتسعون عمودا، لها مظهر غابة كثيفة الاشجار، وانير فضاء المسجد باضواء تتألق من ثريات نحاسية، منها واحدة كان يوقد فيها الف مصباح. غير ان بيت الصلاة المؤلف من غابة الاعمدة على الرغم من شيوعه وانتشاره وانه ظل سائدا في مساجد القاهرة على سبيل المثال حتى القرن الرابع عشر مالبث ان خرجت عنه مساجد فارس في العصر السلجوقي. شهدت هذه المساجد الاخيرة، متأثرة بتقاليد معمارية اقليمية قديمة، تغيرا جعل مسقطها صليبي الشكل، مؤلفا من اربعة ايوانات مفتوحة يتوسطها الصحف، وانطلق هذا التصميم يتسع وينتشر ويشيع، ففرض نفسه في المسجد الجامع باصفهان، وما لبث ان غدا النمط التقليدي المتبع في هذه المنطقة من العالم على نحو نرى في مساجد العصر الصفوي، وما نرى في مسجد شاه عباس باصفهان في القرن السادس عشر. يعد المسجد الجامع باصفهان بانوراما معمارية هائلة، حيث شيد اصلا في عهد السلطان ملك شاه السلجوقي عام 1082 ميلادية تقريبا، غير انه تعاقب على استكامله بعد ذلك سلاطين الايلخانات المغول ومن ثم سلاطين بني مظفر ليصل به الصفويون في القرن السابع عشر الى ماهو عليه الآن. ويتألف هذا المسجد الجامع من صحن مكشوف تحيط به اروقة ذات صفوف طويلة من القصور تليها ملحقات الجامع، وتشد الانظار على محور البناء قبتان سلجوقيتان احداهما قبة المحراب، وعليها نقش يحمل رسم نظام الملك، والاخرى هي القبة الصغيرة التي ترجع الى عام 1088. هذا التصميم المتعامد نراه ايضا في مساجد القاهرة، غير انه ما من شيء وما من احد بوسعه ان يؤكد لنا ان التوقيت الذي ظهر فيه، وهو منتصف القرن الرابع عشر قد شهد علاقة واضحة بين العمارة المصرية ونظيرتها الفارسية، مما يحمل المؤرخين ترجيح ان هذا الشكل في مصر لم ينقل عن مصدر فارسي، وانما نبع من عمارة المدارس السنية ذات المذاهب. تبرز في هذا الصدد مجموعة قايتباي المسجدية التي شيدت في عام 1485 تقريبا، حيث نتوقف عند الايوانات الاربعة والفناء المركزي المسقوف بالخشب، وان بدا اشبه باحدى قاعات قصور المماليك المنتشرة في القاهرة منه بدور العبادة، الا ان اساس الفكرة في تغطية الصحن هي صغر مساحة الايوانات بالنسبة لعدد المصلين مما دعا الى استخدام الصحن في الصلاة. يبرز في اطار هذا التصميم ايضا مسجد السلطان حسن الذي تحدثنا كثيرا عنه، واحسب ان لدينا المزيد مما نقوله عنه، ولكن ألا ينقلنا هذا المسجد الى الموضوع الثاني الذي نريد ان نتحدث عنه هنا وهو طروحات ارنست جروبه عن العمارة الاسلامية حيث نال هذا المسجد من انتقاداته وبخاصة ادخال التصميم المتعامد بايواناته الاربعة فيه من النقد ما يثير العجب ويدعو الى التشمير عن الساعدين للتصدي بالرد؟