النظرة الجمالية تختلف باختلاف وجهات النظر فهناك الرسام وهناك النقاد وهناك الواصفون لكن اذا وصف الرسام لوحته فهو خير من يتكلم عنها وخير من يبلغ عن مراده في كل منعطف او خط في تلك اللوحة، وكذلك رب العزة تبارك وتعالى ولله المثل الاعلى يصف لنا بعضا من نعمه على خلقه، ويقص علينا حكاية الرجلين المتحاورين احدهما مؤمن والآخر كافر، وقد اعطي الكافر حديقتين من اروع ما يعطى الانسان، وقد استعمل القرآن كلمة حديقة وحدائق، إلا انه استعمل في هذه الحكاية كلمة «الجنة» بياناً لروعة التمثيل والتشبيه فيقول تعالى «واضرب لهم مثلا رجلين جعلنا لاحدهما جنتين من اعناب وحففناهما بنخل وجعلنا بينهما زرعاً كلتا الجنتين آتت أكلها ولم تظلم منه شيئا وفجرنا خلالها نهرا» 32 ـ 33 الكهف. وهذا تصوير بليغ لأروع لوحة ارضية يتداخل فيها الجمال مع حاجة الانسان وغاية مراده من هذا الجمال، النخل المثمر بعناقيده وعراجينه المتدلية كأنها تنادي ابن آدم وتطلب منه ان يقطف ثمارها «كلتا الجنتين آتت أكلها» وهذا النحل يحيط بأشجار العنب الممتلئة بعناقيد امتلاء يملأ العين ويبهجها «ولم تظلم منه شيئا» وبين هذه الاشجار بساط اخضر من الزرع كالقمح سنابل، او مصفراً كالذهب تضرب عليه اشمس الشمس وكأنها تطل عليه من خلال الظلال يلمع صفاره تارة ويخبو اخرى كأنه ذهب متحرك يروح ويجيء، ويتفجر من خلال هاتين الحديقتين نهر صغير تترقرق فيه المياه العذبة التي تسعى هذه الجنتين عن يمين وشمال، وكان صاحب هاتين الحديقتين كل يوم يدخل فيرى اشجار النخيل باسقة لها طلع نضير وقنواته دانية منها الاحمر كشقائق النعمان، ومنها ما هو كالعقيق ومنها ما هو كأصابع الحسناء المخضبة بالحناء ومنها ما هو اسود كعيون لها والنخيل يتمايل يمينا وشمالا في ابهة تأخذ لب الشعراء وتفتن اصحابها، فاذا نزل ببصره قليلا وجد اشجار العنب قد تعالت اغصانها بعضها فوق بعض وبدت العناقيد تلمع تحت اشعة الشمس، منها ما هو كالزجاج الرائق، ومنها ما هو كالعقد الذهبي المتدلي من جيد حسناء، ومنها ما هو احمر كشفاه الحور العين، فيزداد الرجل فتنة، فاذا ما مشى قليلا لامست ارجله سنابل القمح الذهبية التي آتت اكلها وهي تتهامس همساً خفيفاً كأنها تخبره بأن حصارها قد حان فيزداد تيها فوق فتنة. واذا ما اراد ان يستريح على ضفاف ذلك النهر وجلس وقد دلى رجليه في الماء الرقراق العذب لينسيه ببرودته كل تعب بذله في سبيل نضوج هذه الثمار كلها. هذه هي اجمل لوحة تستطيع ان تراها او تحلم بها، او تجلس فيها ولو سويعات تقضي بها وقتا جميلا وتستمتع بنعمة الله المبدع الذي احسن كل شيء خلقه فتبارك الله احسن الخالقين. فهد الهاجري