يجعل النبي صلى الله عليه وسلم الاعمال الدنيوية التي يقوم بها الانسان لمعيشته والسعي على نفسه واهله من ابواب العبادة والقربات الى الله وان لم يتعد نفعها دائرته الشخصية والاسرية فالزارع في حقله، والعامل في مصنعه والتاجر في متجره والموظف في مكتبه وكل ذي حرفة في حرفته يستطيع ان يجعل من عمله المعاشي صلاة وجهادا في سبيل الله اذا التزم في الشروط الآتية: 1 ـ ان يكون العمل مشروعا في نظر الاسلام اما الاعمال التي ينكرها الدين كالعمل في الربا والحانات والمراقص ونحوها فلا تكون ولن تكون عبادة ابدا.. ان الله طيب لايقبل الا طيبا. 2 ـ ان تصحبه النية الصالحة نية المسلم اعفاف نفسه واغناء اسرته ونفع أمته وعمارة الارض كما امر الله. 3 ـ ان يؤدي العمل باتقان واحسان ففي الحديث: «الله الله كتب الاحسان على كل شيء». «ان الله يحب اذا عمل احدكم عملا ان يتقنه». 4 ـ ان يلتزم فيه حدود الله فلا يظلم ولا يخون ولا يغش ولا يجور على حق غيره. 5 ـ الا يشغله عمله الدنيوي عن واجباته الدينية كما قال تعالى: «يا ايها الذين آمنوا لا تلهكم امولاكم ولا اولادكم عن ذكر الله ومن يفعل ذلك فأولئك هم الخاسرون». «رجال لا تلهيم تجارة ولا بيع عن ذكر الله واقام الصلاة وايتاء الزكاة» اذا راعى المسلم هذه الامور كان في سعيه عابدا وان لم يكن في محراب مبتهلا الى الله وان لم يكن في صومعة، عن كعب بن عجرة قال: مر على النبي صلى الله عليه وسلم رجل فرأى اصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم من جلده ونشاطه فقالوا: يارسول الله لو كان هذا في سبيل الله؟ اي في الجهاد لاعلاء كلمة الله وكان افضل العبادات عندهم، فقال: ان كان خرج يسعى على ولده صغارا فهو في سبيل الله وان كان خرج يسعى على ابوين شيخين كبيرين فهو في سبيل الله وان كان خرج يسعى على نفسه يعفها فهو في سبيل الله وان كان خرج يسعى رياء ومفاخرة فهو في سبيل الشيطان. ويخلع القرآن على السعي في مناكب الارض لطلب الرزق تسمية جميلة موحية برضا الله فيسمى ذلك: «الابتغاء من فضل الله»، مثل قوله تعالى: «فإذا قضيت الصلاة فانتشروا في الارض وابتغوا من فضل الله» «ليس عليكم جناح ان تبتغوا فضلا من ربكم». ويقرن المسافرين للرزق بالمجاهدين لله في سياق واحد اذ يقول: «وآخرون يضربون في الارض يبتغون من فضل الله وآخرون يقاتلون في سبيل الله» والنبي صلى الله عليه وسلم يقول في فضل الزرع والغرس وما يجلب لصاحبه من مثوبة عند الله: «ما من مسلم يغرس غرسا او يرزع زرعا فيأكل منه طير او انسان او بهيمة الا كان له به صدقة» ويعلن ان التاجر الصدوق الامين مع النبيين والصديقين والشهداء، وفي ظل هذه التعاليم لا يجوز للمسلم ولا يتصور منه ان يكون عالة على غيره او عبئا على المجتمع يأخذ من الحياة ولايعطيها ويعتزل الناس والحياة باسم التفرغ للعبادة او التبتل بل يندفع بغير وازع خارجي الى كل ميادين الحياة منتجا متقنا متفوقا وهو يوقن انه في صلاة وجهاد. بحسب المسلم ان ينظر الى نفسه انه خليفة لله في الارض مهمته ان ينفذ امره ويقيم حدوده ويعلي كلمته ويقوم بواجب العبودية له تعالى بحسبه ذلك لتصطبغ اعماله كلها بصبغة ربانية وليكون مايصدر عنه من اقوال وافعال وحركات وسكنات عباد لله رب العالمين، وهذا هو الموافق لما تعطيه الاية الكريمة من معنى كبير «وما خلقت الجن والانس الا ليعبدون» فأين هي العبادة التي جعلها الله غاية لخلقهم اذا حصرنا معنى العبادة في تلك الشعائر التي لا تستغرق الا دقائق معدودات من يوم الانسان وليلته اما جل الوقت ففي معترك الحياة ويعجبني ما قاله هنا الاستاذ محمد الغزالي في كتاب «هذا ديننا».. «ان الاسلام ليس افعالا تعد على الاصابع دون زيادة او نقص كلا.. انه صلاحية الانسان للمسير في الحياة وهو يؤدي رسالة محددة ان الاسلام يريد ان تستقيم اجهزة الانسان النفسية اولا فإذا توافرت صلاحيتها المنشودة بصدق اليقين وسلامة الوجهة فكل عمل تتعرض له في الحياة يتحول من تلقاء نفسه الى طاعة الله، وفي شئون الحياة ليس للاعمال الصالحة حصر تنتهي عنده ولارسم تخرج فيه انما هو اسلام الوجه لله واصلاح العمل والبلوغ به حد الكمال المطلوب».