ضيفنا هو الدكتور مصطفي الشكعة علم من أعلام الفكر والثقافة ورائد من رواد التنوير في مصر والعالم العربي.. له اجتهادات راسخة في قضايا كثيرة.. كما أثرى المكتبة العربية بأكثر من أربعين كتابا حول أعلام الفكر الإسلامي. ضيفنا له باع طويل في الدرس والاطلاع وصاحب مدرسة أكاديمية ولذا كان من غير المستغرب أن يحصل على جائزة تقديرية للآداب ثم وسام الجمهورية ـ بمختلف طبقاته ـ في الآداب والعلوم. معه دار النقاش حول قضايا الساعة الساخنة وتوقفنا أمام رؤيته لمفاهيم العولمة والثورة التقنية وغيرها من مظاهر التحدى الثقافي للمجتمعات المسلمة. سألت د. مصطفي الشكعة المفكر الإسلامي عن التحديات التي تفرضها العولمة وما المقترحات لمواجهتها فبادرنى قائلا: إن العالمين العربي والإسلامي يعيشان في هذه المرحلة تحديات وظروفا صعبة تتمثل في محاولات استعمارية ـ صهيونية لضرب الهوية واختراق المنظومة الثقافية والاقتصادية والاجتماعية والحضارية عموما لهما، هذا ما جعلهما في مواقع التابع المنفعل بما يملى عليه. والمؤامرة تعتمد أساليب متعددة أخطرها العمل على تفتيت المجتمع من الداخل طائفيا الى عرقيات إثنيات ليسهل عندها السيطرة عليه هذا مضافا اليه الاغتصاب والاحتلال المباشرين كما هي الحال بالنسبة للاحتلال الاسرائيلي المدعوم أمريكيا، لا بل يشكل الكيان الصهيونى عماد المشروع الأمريكى. انطلاقا من تحديات الاغتصاب والعولمة، ومشروعات الهيمنة والالغاء أسوق المقترحات التالية على درب المواجهة: ـ واجبنا العمل لتصحيح مفهوم عالمية الاسلام، وانه دعوة موجهة للكافة، وليس دعوة يسعى أتباعها لفرضها بالاكراه، والقاعدة الدعوية تقوم على الحكمة والموعظة الحسنة من جهة، ومن جهة أخرى على عدم الإكراه. ـ رسم الخط الفارق بين الإسلام كما يفهمه ويمارسه ويتنفسه مئات الملايين من المسلمين مكونين التيار العريض للاسلام وحضارته ونظامه، وبين ما سماه الغربيون حديثا الأصولية (Fundamentalism- Integrism) وهو ما نسميه نحن المسلمين تيار الغلو في الدين وهو غلو تتنوع افرازاته السلوكية غير السوية بدءا من العزلة عن تيار الحياة والفرار الى التعبد بظواهر النصوص، وانتهاء إلى ممارسة صورة من القسر والعنف وإكراه الناس، وهي صورة تصطدم مباشرة بروح الاسلام، ودعاة العولمة الذين يرون في الاسلام سدا يمنعهم من مشروعهم فيبرزون ظواهر الغلو هذه لينفروا من الاسلام واتباعه ودوره الرسالى الإنساني الأبعاد. إن التشبث بالهوية الثقافية، والتحصن بالحصن الثقافي هو العامل الأقوى في المواجهة، ومهمتنا أن نبرز معالم هذه الهوية الاسلامية المؤمنة التي تقوم على قاعدة السماحة وقبول الآخر إذا كان غير ممارس للعدوان علينا، وبالمقابل رد كل عدوان على الدين أو الثقافة أو الأرض والمقدسات، ففى مسألة القبول لابد من التنبه لهذا الجانب. أما في مسألة الانفتاح فيفيد اقتباس هذه الفقرة التي قالها الأستاذ كمال شاتيلا، وفيها «وإذ نفاخر بالحضارة العربية الاسلامية وعطاءاتها المميزة، الفكرية والاجتماعية والثقافية قبل المادية، فإننا لا نعتبر كل المفاهيم الغربية الديمقراطية سيئة. فالغرب في حالة ثورة تكنولوجية وعلمية متقدمة لا يسعنا إلا أن نستفيد منها ولدى الشرق في اليابان والصين علوم إدارية وتقدم صناعي مرموق لا نملك أن نتجاهله». إن حاجتنا إلى تجديد ثقافتنا واغناء هويتنا والدفاع عن خصوصيتنا ومقاومة الغزو الكاسح الذي يمارسه، على مستوى عالمي، اعلاميا وبالتالي ايديولوجيا وثقافيا، المالكون للعلم والثقافة المسخرون لهما لهذا الغرض، لا تقل عن حاجتنا عن اكتساب الأسس والأدوات التي لابد منها لممارسة التحديث، ودخول عصر العلم والثقافة، دخول الذوات الفاعلة المستقلة، وليس دخول الموضوعات المنفعلة المسيرة». ـ كيف نوازن بين الحفاظ على قيمنا والانفتاح على العالم؟ أجاب د. مصطفي الشكعة ـ تشكل الأسرة المصنع الأساسي للأجيال وتكوينها الثقافي، ففي رحاب الأسرة يرضع المولود مع الحليب العقيدة والمباديء والقيم، ويتعلم في ظلها الانتماء، أى يتعرف على الهوية الدينية والوطنية، وتأتى بعدها المدرسة لتكمل المهمة. الملاحظ اليوم أن ثمة غزوا يحصل على قيم الأسرة الاسلامية ـ العربية في الوافد الاجتماعي، وهذا الوافد غربي ـ أمريكي خطير لأن الأسرة عنده قد تلاشت ولا جدوى من الأخذ بمفاهيمه وقيمه في هذا الباب، لذلك يكون الواجب أن يتم العمل للحفاظ على الأسرة تكوينا وقيما وروابط. أما المدرسة حيث يمارس التعليم بلا تربية واعداد الناشئة في الغالب فتحتاج منا أن نعيد النظر في أساليب التعليم لنجمع في رحابها بين تلقين المعارف وبين زرع القيم الأخلاقية والمباديء السليمة والعقيدة الصحيحة والتدين بلا تعصب ليكون عندنا جيل محصن عصي على مشروعات الغزو الثقافي وتحديات العولمة ـ الأمريكية والعولمة ـ الغربية. ـ إن الولايات المتحدة ومن يتبعها يشكل ملحقا لها يرون في الاسلام حاجزا منيعا يعطل عولمة يسعون إليها، لذلك يحاولون تشويه صورة الاسلام والمسلمين، ويعطيهم مادة لذلك بعض المغالين والمتطرفين. لذا باتت مسألة تنظيم الدعوة الاسلامية على أساس السماحة ضرورة، كما أن تعزيز الاجتهاد والتجديد في الفقه لنتمكن من استيعاب المستجدات هذا مع التخلص من فكرة الفرقة الناجية التي يزعم بعضهم أنها المجموعة التي ينتمى إليها فتقوده إلى نظرية «شعب الله المختار» فيدفعه ذلك إلى الاستعلاء والانعزال فيؤخذ سلوكه حجة وذريعة ضد الدين. وفي هذا لابد من الانفتاح على العالم كله، هذا الانفتاح الذي يحقق الاستفادة من التقنية بشرط اخضاعها لأطر استخدام مناسبة لشريعتنا، وأن نوقف حالة الانبهار التي أصابت نفرا من أبناء الأمة فبدأوا ينقلون عن الغرب وأمريكا دون تمييز. ـ إن العولمة ـ الأمركة تنشر فلسفة الاستهلاك لتحول الشعوب التي تغزوها ومنها العرب والمسلمون إلى أسواق لما تنتجه، وهذا يملى علينا أن نقنن الاستهلاك على قاعدة قرآنية جاء فيها: «ولا تنس نصيبك من الدنيا» وعند ذلك الواجب أن تتحول الجهود إلى الانفاق الانتاجى، وعماده توظيف الأموال والثروات في مؤسسات انتاجية تعزز امكانات الأمة، وتحقق الاستقلال الاقتصادي، ولا نقول الانعزال الاقتصادي. ـما هي التحديات التي واجهت مسار الثقافة العربية الإسلامية؟ ـ لقد واجهت الثقافة العربية وقوامها اللغة العربية لغة القرآن الكريم، والدين الإسلامي والعادات والتقاليد العربية الأصيلة ومظاهر الحضارة العربية الإسلامية عموماً، تحديات معاصرة حاولت التأثير في مسار الثقافة العربية الإسلامية الطبيعى، ومن أمثلة هذه التحديات ما يأتى: ـ فكرة العولمة أو الكوكبية Globalization التي تدعو إلى ثقافة عالمية واحدة متأثرة بالفكر الغربى دون النظر إلى قيم المجتمع العربي الإسلامي وتقاليده ومثله التي يحافظ عليها. ـ الثورة التقنية خاصة في مجال الاتصالات التي جعلت من العالم قرية كبيرة مرتبطة فيما بين أفرادها ومجتمعها مؤثرة في ثقافات العالم المختلفة. ـ الأقمار الصناعية التي تمتليء بها السماء وتبعث معلومات قد لا تتفق مع هوية الثقافة العربية الإسلامية مما يمثل تحديا لهذه الهوية ويلقي بالتحدي أمام العرب والمسلمين لمواجهته. وحيث إن بقاء أية أمة مرهون ببقاء لغتها، وأن الأمة التي يهمها أن يكون لها وجود فاعل بين أمم العالم عليها العمل من أجل الحفاظ على هويتها الثقافية زيادة الاهتمام بلغتها القومية، عن طريق حمايتها من الاهمال والخطأ، أو تفضيل لغات أخرى عليها. وكان عدم اعطاء اللغة العربية الاهتمام الكافي في مناهج التعليم كارثة حيث يشب الطالب وحصيلته من لغته القومية لغة القرآن الكريم ضعيفة، كما أن انتشار مدارس اللغات الأجنبية لتعليم أبناء الأمة المقررات باللغات الأجنبية: انجليزية أو فرنسية أو ألمانية.. إلخ بينما تتوارى اللغة العربية مما يضعف الانتماء للثقافة العربية الإسلامية عند هؤلاء التلاميذ ومن ثم يضعف انتماؤهم لأمتهم وأوطانهم. والرأي عندي لعلاج هذا الوضع واعادة الاهتمام باللغة العربية لغة القرآن الكريم القيام بالآتي: ـ اعادة النظر في مناهج اللغة العربية بالمراحل الدراسية الثلاث الابتدائية والاعدادية والثانوية بحيث يخصص لفروعها ساعات دراسية مستقلة ووقت مخصص في الامتحان. ـ العناية باختيار المذيعين والمذيعات في الإذاعة المسموعة والإذاعة المرئية المسموعة من الذين يجيدون النطق باللغة العربية ويتمكنون من الثقافة العربية الاسلامية بشقيها اللغة العربية والدين الإسلامي حتى لا تؤثر أخطاؤهم في المستمعين والمشاهدين خاصة الأميين منهم. ـ التأكيد على أجهزة الاعلام بعدم استخدام كلمات وألفاظ «سوقية» وأسماء «نابية» في الحلقات الدرامية، حيث نلاحظ تداول تلك الكلمات والأسماء بين ألسنة عامة الناس والأطفال وتصبح من قاموس اللغة القومية واللغة منها براء. ـ التخفيف من استخدام اللهجة العامية خاصة في وسائل الاعلام، بل وفي المدارس بين التلاميذ، بل وفي الجامعات في المدرجات وبين الطلاب، والاعتماد أساساً على اللغة العربية الفصحى بكلماتها السهلة الميسرة تدعيماً للغة العربية لغة القرآن الكريم. ـ الأخذ بالعلم الحديث هل يتعارض مع ديننا؟ ـ الأخذ بالعلم الحديث المتفق مع قيم المجتمع ليس هناك تعارض بين العلم الحديث والقيم الدينية والخلقية للمجتمع، ولكن هناك بعض أدوات العلم الحديث ـ مثل التلفزيون والانترنت وما شابه ـ يمكن استخدامها ضد قيم المجتمعات العربية والاسلامية ولها تأثيرها الضار على هوية الثقافة العربية. ومن هنا يمكن لنا الأخذ بأدوات العلم الحديث واستخدامها لترسيخ قيم المجتمع وتأكيد هوية الثقافة الغربية. لأن قيم المجتمع العربي الإسلامي وثقافته تعمل على ما يلى: ـ تحقيق مصالح الناس في كل ما يحتاجون إليه، ولا تضيق الشريعة الإسلامية بمصلحة للمجتمع يقر العقلاء والدارسون الشرعيون والاجتماعيون بأنها مصلحة. ـ تحقيق العدالة بين الناس إذا تعارضت مصالحهم مهما كلفت العدالة من عزم لبعض الناس. ـ تحقيق التطور الاجتماعي الصالح في المجتمع الانسانى، فلا يقف الإسلام في وجه تطور ما في مختلف نواحي الحياة الاجتماعية، إذا كان هذا التطور نتيجة محتمة لتطور الفكر أو العلم أو ضروريات الحياة. ـ دراسة مشكلات المجتمع العربي دراسة عميقة وعريضة، والاختلاط بالمجتمع اختلاطاً شاملاً لكل فئاته حتى تتحدد المشكلة وتعرف أسبابها، ويعرف الطريق الصحيح لحلها حلاً علمياً. ومن هنا نستطيع مواجهة انجازات العلم الحديث التي أنتجتها عقول المفكرين في الغرب بعقلية متفتحة فاهمة واعية وفي نفس الوقت حريصة على أصالة التراث العربي الإسلامي وتطوير الثقافة العربية في مواجهة تحديات العولمة المعاصرة. التعليم الحديث المطور: لمواجهة العولمة المعاصرة وتأكيد هوية الثقافة العربية الإسلامية ـ اعادة النظر في البرامج والمقررات التي لا يتحقق من خلالها التوازن أو التكامل بين الجانبين النظري والتطبيقي، ولكى يتحقق التوازن والتكامل لابد أن تشمل برامج الدراسة عدة نوعيات من المقررات الدراسية ه: مقررات نظرية: تحتوي على شرح للأسس والأصول العلمية والنظريات والمدارس والاتجاهات الفكرية وما إلى ذلك من الجوانب. ومقررات تطبيقية: تتضمن تطبيقات متنوعة للمقررات النظرية مصحوبة بأمثلة من مواقف الحياة العملية ومقررات عملية وتدريبات ميدانية: وتتضمن اجراء تجارب عملية في المختبرات والورش أو تطبيقات ميدانية.