أما الأفق الثاني فهو الأفق البحري وهو أفق مميز بعدة خواص من أهمها ظهور هذا الأفق بشكل دائرة كاملة تحيط بالراصد أو الناظر من جميع الجهات وعلى أبعاد متساوية منه، وتعتبر الدائرة المحيطية الناتجة عن التماس السماء الدنيا مع سطح البحر، وهو سطح مستو تماماً لا يوجد به أية عوائق هو الأفق البحري، وقد تنبه العلماء إلى السماء الدنيا في تطابقها مع سطح البحر في شكل قبة سماوية مما يعطي مدلولا جديداً على كروية الأرض، فلو كانت الأرض مسطحة في شكل هندسي آخر وغير الكروي لكانت السماء الدنيا المحيطة بها مع دائرة الأفق، تعطي شكلاً أيضاً غير كروي وتعتبر دائرة الأفق البحري متقاربة لحركة السراب، وعند انتقال الراصد أو الناظر في البحر بواسطة سفينة أو أي جسم عائم فإن دائرة الأفق البحري تنتقل معه بحيث يبقى الراصد دائماً وأبداً في مركز الدائرة، ولا قدرة للانسان ان يصل إلى حافة الأفق مهما بعد ومهما أسرع للوصول إلى حدود الأفق فهو بلا نهاية، ويحيط بنا من جميع الجهات بأبعاد متساوية بالنسبة للراصد الذي يقع في مركز دائرة الأفق بكل دقة. دائرة الأفق والشفق للأفق عدة استخدامات أهمها انها نقطة بدء قياس ارتفاع أي جُرم سماوي فجميع مسائل علوم الفلك البحري التي يستخدمها الملاحون في تحديد مواقع السفن أثناء إبحارها بأعالي البحار معتمدة على قياس ارتفاعات النجوم والكواكب والشمس والمقر حيث يكون بها القياس من مواقعها المحددة في صفحة السماء حتى دائرة الأفق البحري ثم يتم بعد ذلك تحويل هذه الزاوية الرأسية إلى خط موقع بحل مثلثات كروية فلكية لتحديد موقع السفينة، وما يقال على الأفق البحري هو بذاته يقال في استخدام الأفق البري مع فارق ان الأخير غير دقيق لعدم استواء قوس دائرة الأفق البري لهذا يكون التغلب على ذلك باستخدام جهاز له أفق صناعي يتم قياس ارتفاعات الاجرام السماوية لهذا الأفق الصناعي. وتكون رؤية الأفق البري والبحري بين طرفي النهار فقط أي بين الشفق الفلكي الصباحي والذي تقام عنده صلاة الفجر وهو الطرف الأول للنهار إلى الشفق الفلكي المسائي والذي تقام عنده صلاة العشاء وهي الطرف الأخير للنهار، ولهذا فإن جميع استخدامات المسائل الفلكية تكون فقط بين طرفي النهار لتحديد مواقع السفن فجراً أو السيارات براً، أما في جوف الليل وهي الفترة ما بين الطرف الأخير للنهار والطرف الأول فإنه يستخدم الأجهزة الملاحية الأخرى وبصفة خاصة الأقمار الصناعية سواء براً أو بحراً. وبديهياً فإن الفارق شتان بين ما خلق الله عز وجل من أجرام سماوية ثابتة غير قابلة للأعطال أو الدمار، فالنجوم والكواكب والشمس والقمر منتظمة بكل دقة إلى قيام الساعة، أما ما صنعه الانسان من أقمار صناعية وأجهزة رادار وحواسب آلية فإنها قابلة للأعطال بل للدمار في أية لحظة وبالتالي يفقد الملاح طريقه إذا اعتمد على ما صنعه الانسان، أما إذا اعتمد على ماخلقه الله فإن الله وسع كل شيء علما، ولنتذكر قوله تعالى: (إنما إلهكم الله الذي لا إله إلا هو وسع كل شيء علماً) «سورة طه، آية: 98». الأفق الجوي ويعتبر الأفق الجوي هو ثالث أنواع الآفاق، حيث تطير الطائرات والطيور وبالتالي ينتج عن هذا الارتفاع زيادة مدى دائرة الأفق، فالنظرية العامة انه كلما ارتفعنا إلى أعلى زادت دائرة الأفق بنسبة رياضية معينة حيث يعتمد مدى رؤية دائرة الأفق على عوامل الطقس حيث تقل دائرة الأفق مع سوء الأحوال الجوية من مطر إلى سحب وإلى ضباب وعواصف ورمال، لهذا فإن الطائرات ترتفع في طيرانها لتصبح فوق الطبقة الأولى من السماء الدنيا والمعروفة باسم «التربوسفير» أي المحيط المتغير حيث يحدث فيها جميع متغيرات ظروف الطقس لهذا فإن الطائرات تفضل الارتفاع على ما يزيد على 15 كيلو متر حيث طبقة «الستراتوسفير» وفي هذا تخرج عن دائرة الأفق الجوي إلى دائرة الأفق الهادئ والذي مداه يصل إلى 100 ميل ويكون الخط الفاصل بين طبقتي الغلاف الجوي هو الذي يحدد دائرة الأفق الهادئ فالطيران بين الطبقة الأولى وهي التربوسفير والطبقة الثانية الستراتوسفير يقلل من الاحتكاك بالهواء الذي يعوق سباحة الطائرة في الجو وبالتالي يقلل من استهلاك الوقود للطائرة. ويستخدم ملاح الطائرة عند العمل الملاحي بالنجوم والكواكب أجهزة ذات أفق صناعي لصعوبة تحديد بعد الأفق الهادئ والذي لا يمكن اتخاذه لقياس الزوايا الرأسية للأجرام السماوية. وبديهياً فإن الأفق البحري هو أهم أنواع الأفق الثلاثة المعروفة ويرجع ذلك لأهمية استخدامه في بدايات الشهور العربية حيث يمكن رؤية الهلال الوليد على الأفق البحري بكل وضوح دون وجود أية عوائق كما في الأفق البري، كما وان لحظة غروبه تالياً لغروب الشمس تكون محددة على الأفق البحري بينما يصعب ذلك في الأفق الجوي والذي لا يمكن ضبط غروب القمر تالياً لغروب الشمس وعلى هذا فإن الأفق غير المتصل بالبر وهو الشرط الثاني ان تكون الرؤية البصرية على اتصال بسطح الأرض وليس معلقاً في الهواء، ولهذا فإن الأفق البحري هو الأفق المناسب لمولد الأهلة وحسابات الشهور العربية. الموتة الصغرى يأتي النص القرآني من الآية الكونية في رؤية النفس وذلك ليؤمن البشر مع التقدم العلمي ولنتابع الآية (سنريهم آياتنا في الآفاق وفي أنفسهم حتى يتبين لهم أنه الحق) «سورة فصلت، آية 53». أما عن الرؤية في النفس فهي كثيرة وبعيدة، وقد استفاض علماء الطب فيما يتعلق بالنفس البشرية من تكوينها في الرحم وإلى مولدها لتسعى في هذه الدنيا الفانية، ونقف أمام سؤال واحد: فالمعروف ان الانسان في نومه يكون كموتة صغرى وبمتابعة أحلام النوم نجد ان الروح قد انتقلت من مكان إلى مكان بعيد وان الزمن خارج حسابات حركة كوكب الأرض، وبرغم ذلك فقد أثبت العلماء ان هذه الموتة الصغرى قد تكون لجزء من الثانية، ويرى فيها حلم يكون زمنه سنوات كاملة فكيف يخرج الانسان خارج المكان والزمان؟ وهذا من قدرة الخالق وحده فلا قدرة للانسان على عمل أو وضع حلم معين بل هو خارج الارادة المطلقة للبشر. ثم يأتي السؤال الأخير: كيف تعمل جميع أجهزة الحياة لجسم الانسان مثل الرئتين والكليتين والمعدة والأمعاء وأخيراً القلب، بينما يكون الانسان في موتته الصغرى لا يملك من أمر نفسه أي شيء؟ إنها آية كبرى من أنفسنا ليتبين لنا انه الحق ثم تنتهي حياة الانسان بالموتة الكبرى والأخيرة ليعلم انه الحق اليقين، وهذا ما نراه حولنا كل يوم من انتهاء الأجل في موعده المحدد، وبالرغم من براعة علماء الطب في ابراز الآيات القرآنية التي تتعلق بخلق الانسان، إلا ان خلق السموات والأرض هو الأكبر إذا وضعوا في الميزان مع خلق الانسان، وخير دليل وشاهد على ذلك قول الله تعالى: (لخلق السموات والأرض أكبر من خلق الناس ولكن أكثر الناس لا يعلمون) «سورة غافر، آية 57». قاسم لاشين