شغلت شبكات الانترنت انظار العالم، فغدت لغتهم وأحاديثهم وتسليتهم وأصبحت مجالا مفتوحاً لبث جميع الأفكار والآراء دون قيود، فتواصل القاصي بالداني والتلميذ بالدكتور الجامعي ورجل الأعمال برجل الشارع العادي، فلم تعد القيود مفروضة بشكلها القديم على المعلومة وتدفقها، ولم تعد هناك أبواب يقف عندها بوابون يسألونك اتجاهك الى أين ومن تريد؟ ومن خلال هذه الشبكة العنكبوتية المفتوحة نأخذك يوميا عزيزي القاريء في قصص مثيرة وقعت في ازمنة متفرقة ولكن بفضل شبكة الانترنت استطعنا ان ندخل ونتداخل في أحداثها.. فهل تجرب معنا هذا الدخول المشروع في أوراق التاريخ؟ وبابتسامة الواثق من نفسه قال ابو خراش: أتعلم، لقد أصاب أبو الفرج في روايته، فقد كنت ذات ليلة من ليالي الزمن الغابر محاصراً بخصومي من بني الديل الذين استفحل بيني وبينهم العداء، إلا ان زوجتي بذكائها وفطنتها رسمت لي خطة محكمة للهروب من تلك المصيدة وقد نظمت في ذلك قصيدة طويلة مطلعها يقول: رَفَوْنِي وقالُوا يا خويلدُ لا تُرَعْ فقلتُ ـ وانكرتُ الوجوهَ ـ هُمُ هُمُ حتى أقول: فواللهِ مَا ربداءُ أو عِلْجُ عانةٍ أَقَب وما إنْ تيسُ رَبْلٍ مُصَممُ وَبُثتْ حِبَالٌ من مَرَادٍ يَرُودُهُ فأخطأه منها كفَافٌ مُخَزمُ يطيحُ إذا الشعْرَاءُ صاتَتْ بجَنبه كما طاحَ قِدْحُ المستفيضِ الموشمُ تراهُ وقد فَاتَ الرمَاةَ كأنه أمامُ الطلابِ مُصغيَ الخد أصْلَمُ بأجْوَدَ مني يومَ كفت عادياً وأخطأني خلف الثنيةِ أسْهُمُ ـ أراك يا أبا خراش تسمي الأشياء بغير أسمائها، فمنذ متى كان الهرب فخراً عند العرب، وأنت الرجل العربي الذي يفهم معنى المواجهة والإقدام، لقد صورت لنا الهروب شجاعة يا رجل وعكست مفهوم الفرسان الشجعان! وبعد أن سحب أبو خراش نفساً عميقاً، نظر إلى البعيد وقال: أيها الصديق الجديد لا أرى غضاضة في أن يفر المرء من سيف قاتله إذا ما أحس بالخطر حوله، والحياة يا صديقي هكذا لا تأتي على وتيرة واحدة، حيثما نشتهي ونحب، فهي كر وفرّ.. ومن ينعتني بالجبان لم يخبر الحياة ولم يعرفها بعد.. ولكن خذ مني ما ينفعك.، ومضى يقول: فإن تَزْعُمي أني جَبُنْتُ فانني أفِر وأرمي مَرّةً كل ذلك أُقَاتِلُ حتّى لا أرى لي مُقاتلاً وأنجو إذَ ما خِفْتُ بعضَ المهالكِ العفو يا أبا خراش لم أقصد جرح مشاعرك أو أمسسها لا من بعيد أو قريب، لكنني أسرد ما قالته كتب التاريخ عنك وما نقشته في صفحاتها وحبّره المؤلفون. اعتدل أبو خراش وابتسم ثم أردف قائلاً: إلى هذا الحدّ كنت مؤثراً.. بالله عليك ماذا قالوا عني؟ ـ كل خير أيها البدوي الجميل لقد تغنوا بشهامتك ونفسك الماجدة، ولكن قل لي: ما هي حكايتك مع المرأة الهذيلية؟ ـ وهل وصلتكم حكايتي معها أيضاً؟! ـ لقد وصلتنا عن طريق شيخنا الجليل أبو الفرج الاصفهاني، لكننا في هذا المقام نود ان تروي لنا الحكاية بلسانك. سادت لحظات صمت قاتلة، يبدو ان صاحبنا أراد ان يتذكر من خلالها تفاصيل الحكاية، ثم مضى يقول: كنت راحلاً على ظهر بعيري، حيثما يأتي الرزق، ومضيت عليّ أسبوع كامل أقفر الزاد خلاله وإذا بي أمرّ على خيمة في طرف وادٍ سحيق، كانت الخيمة لامرأة من هذيل جزلة شريفة، فأقريتها السلام، فأجابت بأحسن منه فرحبت وهللت وواصلت بكرمها أذني قبل عيني، فأمرت لي بشاة، فذبحت وشويت، فلما وجد بطني ريح الطعام قرقر فرحاً ونشوة.. عندها ضربت على بطني الخسيس بيدي وقلت له: ما بالك تقرقر لرائحة الطعام أيها الهلع.. والله والله لا طعمت منه شيئاً. وسألت ربة البيت: هل عندك شيء من صبر أو مرّ؟ قالت: نعم، وما تصنع به؟ قلت: أريده فأتتني بشيء اقتحمته ثم هويت إلى بعيري فامتطيته، فناشدتني المرأة أن اعود فأبيت. فقالت لي: يا أخ العرب هل رأيت بأساً أو أنكرت شيئاً؟ قلت: لا والله، ثم انشدت أقول: لقد عَلِمتْ أم الأديِبِر أنني أقولُ لها هَدي ولا تذخري لحمي فإن غداً إنْ لا نجد بعض زَادِنا نفيء لكِ زاداً أو نُعدكِ بالأزْمِ إذَا هي حَنّتْ للهوى حَن جوفُها كجوفِ البعيرِ قَلبُها غيرُ ذي عَزَمِ وإني لأثوي الجوعَ حتى يَمَلّني فيذهبَ لم يدنس ثيابي ولا جِرمي وأغتبِقُ الماءَ القرَاحَ فأنتهي إذا الزّادُ أمسى للمزلج ذا طَعْمِ .. وغداً نكمل