لابد للرؤية المنهاجية النقدية، التي حاولنا إلقاء الضوء عليها، من ان تشمل في احد منعطفاتها العودة الى طروحات المهندس حسن فتحي، باعتبارها تشكل احد جوانب الرؤية الفلسفية لجماليات العمارة الاسلامية، كما يناقشها من ساروا على دربه ومن تحمسوا لوجهات نظره وايضاً من يعارضونها ويتصدون لها بالنقد، مع التركيز بشكل خاص على انتقاد الجوانب الوظيفية. وهكذا فإن دائرة الرؤية التي حاولنا طرحها عبر خمسة خطوط تكون قد اكتملت، ومن ثم تتيح لنا تجاوز هذه المقدمة، التي طالت بأكثر مما قدرنا لها، لنقوم بتحليل تفصيلي لمكونات المسجد الرئيسة من وجهة نظر جماليات المكان. يرجع اهتمامنا بالعودة الى طروحات حسن فتحي الى ان بعض اساتذتنا الكرام الذين عرضنا عليهم الجزء الاول من هذه الموسوعة تفضلوا بالاعراب عن اعتقادهم بأن استعانتنا بآراء الرجل في التعبير عن المقصود بجماليات المكان لم تفه حقه من ناحية، ولم تتح تأصيلاً حقيقياً ومتماسكاً للمقصود بجماليات المكان. وهو مفهوم جوهري حقاً في الجهد الذي نحاول بذله عبر صفحات هذه الموسوعة. لابد لي، بداية من ايضاح ان المقصود بالجمالية، كما نفهمها ونناقشها هنا، هي انها في اكثر ابعادها بساطة وعمومية تعني بحثاً في نسق العناصر المكونة للظاهرة لبيان الوظائف التي تقوم بها داخل العمل المعماري بشكل عام. من البديهي اننا قد عمدنا الى اللجوء الى طروحات حسن فتحي لإلقاء الضوء على جماليات المكان، لأن هذا المهندس الذي يحظى بشهرة عالمية وبتقدير دولي كبير يعد من ابرز من تصدوا لإيضاح هذا الجانب من دون اللجوء الى مصطلحات فنية تتجاوز قدرة القاريء العادي على المتابعة والاستيعاب. الآن، وقد قلت هذا، فإنني ابادر، على التشديد على ان استعانتي بطروحات حسن فتحي فيما يتعلق بايضاحه لجماليات المكان لا تعني، بأي حال، انني اريد ان اقحم نفسي ـ او اقحم القاريء معي ـ في السجال الذي بدأ قبل عقود، خلال حياة حسن فتحي، وبصفة خاصة قبيل رحيل هذا البناء العظيم عن دنيانا نحن الفنانين الى دار الحق، ويبدو انه لن ينتهي في المستقبل القريب، ما بين المتحمسين لنظريات هذا العملاق الفريد وتجاربه وبين من يكيلون الانتقادات الى الجوانب الوظيفية في عمارته. ما الذي يعنيه هذا بالضبط في هذا المقام؟ إنه يعني انني استعين بالتعبير الجميل، البليغ، العميق والمتماسك لطروحات حسن فتحي عن جوهر جماليات المكان، وفي الوقت نفسه لا ادع نفسي ولا ادع القاريء ينزلق معي الى المناقشات المعمارية التفصيلية المتعلقة بالاحباطات التي واكبت مسيرة حياة حسن فتحي ابتداء من القرنه الجديدة في الصعيد في مستهل هذه الحياة وحتى دار الاسلام في ابكيويو بنيومكسيكو في الولايات المتحدة، فالمقارنة بين هذه الاحباطات وبين المنجزات الهائلة التي حققها هذا البناء العظيم للعمارة الاسلامية مكانها مجلدات متخصصة في دقائق هذه العمارة، وليس في كتاب عن المساجد كواحات لجماليات المكان. لا للمفارقة التاريخية تأتي مناقشة حسن فتحي التي تهمنا الى ابعد الحدود، لجماليات المكان في إطار سياق اوسع نطاقاً هو مناقشته للعلاقة بين الشرق والغرب، فهو يعيب على الشرق العربي انه اصيب بذهول امام التقدم الصناعي الى درجة دفعت به الى التخلي عن تراثه والقيام بعملية نقل لحضارة الآخر، وهذا السعي لامتلاك هذه الحضارة هو، من منظوره، السبب في تفاقم مشاعر الضياع والاستلاب في المجتمع العربي. ويلفت حسن فتحي نظرنا الى ان هذا التغيير كان يمكن ان يكون مقبولاً ان كان ضرورياً، ولكن قيام الشرق بادارة ظهره لثقافته وقيامه بتقليد كل ما هو غربي ادى الى ما يسميه جاستون باتون بالاستعمار الذاتي، وفي السياق المعماري فإن التطور لا يجب ان يعني اقامة بيت ذي جدران زجاجية في وسط الصحراء. ولا يتردد حسن فتحي في وصف هذا بأنه مفارقة تاريخية، حيث يصبح التقدم مجرد مرادف للأخذ بالافكار الغربية، من دون التوقف لتبني نظرة نقدية تحدد الى اي مدى تتوافق هذه الافكار وتنسجم مع الواقع المحلي. وينتقد حسن فتحي في هذا الصدد ما يسميه بالبيت المتأمرك، ويقول ان هذا البيت بدلاً من ان يتوجه بانفتاحه نحو فناء الدار، مستودع الهواء العليل، فإنه يواجه الشارع العام بغباره وضجيج سياراته ولهيب الصيف الحار. وبالمقابل فان البيت العربي هو بيت انطوائي، ذو اجواء حميمة، خاصة، انه على مستوى العائلة، لا على مستوى المدينة، وعلى مستوى الجماعة التي تعيش فيه، وبغرف موجودة فيه كما ينبغي، لامكان فيه للادراج او للسلالم. الغرف ذات ابعاد متناسبة ومنسجمة من ناحية الطول والعرض والارتفاع. في هذا البيت العربي، يدخل الخارج الى الداخل عن طريق الرمز، وليس باستعمال الزجاج. وهكذا فإن المرء حينما يدخل البيت العربي، فان الداخل يبقى داخلاً والخارج يبقى خارجاً. والابعاد في هذا البيت تظل على الدوام ابعاداً انسانية، وهذا يعني ان العين البشرية تتسكع وتتمايل بين تقاطع الخطوط في المساحات والالوان، والعين تتابع كل هذا في ايقاع وتناغم مريح. وهذا لن يتوفر لو كان الايقاع ضاجاً. وطالما ان السقف رمز السماء في البيت العربي فهو دائما منقوش او منحوت، هكذا فإن الرمز يستخدم لادخال الخارج الى الداخل ، داخل البيت، فالسجاد على سبيل المثال هو الحديقة والاطارات او الحاشية هي السياج او جدران الحدائق. بهذا المعنى فان الدار هي قوقعة الانسان، وهي الثوب الذي يغطي عريه، وهي مرآة لعقلية الفرد، هي مكان احلامه، والبيت مثل الصدفة ـ الحلزون ـ فالجانب الحيوي، الطري، يفرز الكربونات الكلسية، ومتى افرزت فانها تتحد مع العناصر الطبيعية، وهذا ما يعطي للصدفة شكلاً لولبياً حلزونياً والجزء المتكلس الميت يرجع ويلتصق بالجزء الحيوي ويعطي الشكل. وهكذا البيت فهو صورة الانسان. ويشدد حسن فتحي على الطابع الانساني للهندسة المعمارية فيحرص على تأكيد ان المهندس المعماري هو فنان، والهندسة المعمارية هي فن البناء والتعمير وهي تكنيك في الوقت نفسه. الفن هو الابداع، وهو يرفض ان تقتصر الهندسة المعمارية على التكنيك فقط، ذلك ان الجوهر هو في الابداع تماماً كما هي الحال في الموسيقى. ومن منظوره فهناك مدرستان للمعمار الهندسي، الاولى بدون مهندس معماري، اي الفن الفولكلوري، المتولد من الشعور الباطني لأي مجمع سكني. وهذا المعمار تدعمه التقاليد الموروثة. والمعمار الثاني هو الفن العلمي الاكاديمي الآتي من الفرد، اي من المهندس المعماري. اياً كانت المدرسة التي يتم العمل في إطارها، فان الاولوية تبقى للانسان، فلابد دائماً من احترام المرجع الانساني وعلاقته بالمواد بغض النظر عن الطبقة التي ينتمي اليها. ويجب التفكير كذلك باستعمال المواد المحلية في البناء، فالانسان المحلي يستطيع نقلها بنفسه ويبني بيته بها. هذا لا يعني ان حسن فتحي ضد استيراد المواد اللازمة للبناء، فإذا توافرت الموارد المالية فلا بأس من ذلك. غير انه يطرح علينا سؤالاً شديد الوجاهة يظل حتى اليوم بمثابة تحد صارخ ينتظر من يتصدى له، حيث يقول: «ماذا تفعل بثمانية آلاف مليون انسان في العالم الثالث يتعرضون حسب احصائيات الامم المتحدة للموت المبكر بسبب الاوضاع السيئة التي يعيشون فيها ولا احد يفكر بهم ولا احد يحاول ان يجد حلاً لهم». ان الحل، في تصوره، لا يأتي عن طريق المال فحسب، وانما باستعمال كل الطاقات المتاحة من المعرفة والحس الجمالي والابداع لتحسين المعمار الهندسي في اوساط المعدمين على امتداد العالم الثالث، وبهذا المعنى ينهض المعمار الهندسي باعتباره لحظة خلق وابداع، ونادرة، ولا تعوض. جماليات المكان والموسيقى في هذا الاطار العام لرؤية حسن فتحي للعمارة وابعادها الانسانية، يتطرق الى تقديم اضاءات لجماليات المكان، لعلها الاكثر وضوحاً واصالة وبلاغة من نوعها، ولكن بما انه يحاول تقديمها في إطار اوسع نطاقاً فان من المهم ان نعيد ترتيبها في نقاط محددة، تساعدنا في تحقيق الاضاءات والاستبصارات التي نسعى اليها هنا. أولا: دعنا نتذكر ما قاله هيجل من ان العمارة تتجاوز نفسها عندما تحلق الى آفاق النحت، وحسن فتحي لا يقدم لنا العمارة على انها جدران وانما على انها فضاء يمكن نحته واحتيازه وفصله عن الفضاء الكوني بجدران يتشابه الابداع في تشييدها مع الابداع في الموسيقى. هكذا فإنه لا يتردد في ان يحدثنا مطولا عن «موسيقية الفضاء» التي يقول عنها إنها «موضوع مهم للغاية، عندما افكر في جماليات المكان ارى البندقية، فاس، اصفهان». وهو يوضح ما يعنيه في هذا الصدد بالقول انه غمار مناقشة موسيقية الفضاء، فان هناك ثلاثة عناصر يتعين النظر فيها، هي الميلودي والهارموني والكاونتر بوينت، ومجموعة الانغام التي تعزف تقدم الهارموني بصورة متزامنة، واذا ما عزفت بصورة شاملة فانها يمكن ان تقدم لنا سوناتا، على سبيل المثال، والتوقعات والمفاجآت التي نعايشها في غمار الانتقال من ميلودي سوناتا الى آخر، وهي نفسها التوقعات والمفاجآت التي نعايشها كذلك عندما ننتقل من مبنى الى آخر في مدينة ما، فكل مبنى هو بمثابة ميلودي. وبالمفاجأة تعكس مغايرة ومباينة للتوقع، فهناك ما يمكن وصفه بالمضايقة، حيث ان المؤلف الموسيقي يعطيك شيئاً مختلفاً عما توقعت ان تجده هناك، الامر الذي يبدو انه متنافر في البداية، ولكن المؤلف يحسمه، في نهاية المطاف، بحيث يغدو بهيجا وساراً. ثانياً: في غمار مناقشة الفضاء، او الفراغ كما يعبر البعض، يؤكد حسن فتحي ضرورة التمييز بين الفضاء الخارجي او الكوني، وبين الفضاء الداخلي او الذي يتم اجتيازه من خلال الابداع المعماري، ذلك ان الفضاء الخارجي او الكوني لا يمكن الشعور به او اختباره، حيث انه يمتد الى مالا نهاية، فلكي نختبر الفضاء لابد ان نستقطعه او نحصره داخل جدران. واذا كان هذا الفضاء المستقطع كروياً، فليس هناك الكثير مما يمكن اختباره، فهو لا يمنحنا الكثير لنحكم عليه، حيث ان العين في القوقعة الكروية تمضي جيئة وذهاباً بحيث لا يعرف المرء اين بدأ واين انتهى في نظرته في داخل الدائرة. ولكن اذا كان الفضاء مكعبا واسطحه ممتدة ومسطحة كالجدران والسقف والارضية في غرفة، فان العين ستمضي جيئة وذهابا وعلوا وسفلاً مركزة على امتداد خطوط تقاطع الاسطح التي تحتاز الفضاء وسيتم تحديد طابع الفضاء بجلاء. ان العين لا تدرك، على الصعيد الفيزيائي الخط نمطياً، وإنما هي تدركه نقطة فأخرى، مرسلة التجربة الى المخ، حيث يتم استيعاب الخط، تماماً كما في الموسيقى، عندما يكون هناك ميلودي تسمعه نغمة فأخرى، وتبعث بالتجربة الى المخ، مروراً بالاذن، حيث يتم استيعاب الميلودي. اذا كانت خطوط تقاطع الجدران التي تحقق احتياز الفضاء، متناغمة فان الفضاء يدخل البهجة والسرور على نفس الانسان، على نحو ما نلمس بوضوح في القاعة العربية، وبالمقابل فانه اذا كانت الابعاد، اي الطول والعرض والارتفاع ضاجة، على ما نلمس بالوضوح ذاته في قاعات الفنادق فإن الفضاء الذي نختبره نجده مثيراً للانزعاج والضيق، فقاعات الفنادق فسيحة وممتدة للغاية وخفيضة السقف للغاية، وهذا الفضاء ليس متناغماً، بحيث ان من يجد نفسه فيه تساوره رغبة ملحة في ان يدفع السقف الى اعلى، ولكنه يواصل الارتداد الى اسفل بلا انتهاء، الامر الذي يبعث في نفس المرء شعوراً بأنه سيزيف يحمل بلا انتهاء الصخرة على كاهله صاعدا الى قمة الجبل. خصائص العمارة الاسلامية ثالثا: خصائص العمارة الاسلامية مختلفة عن نظيرتها الغربية، فهي تتمحور حول الاستفادة من الفضاء، وليس في عوارض الاسلوب او النمط. واذا قارنا، على سبيل المثال بين المعمار اليوناني والهندسة المعمارية العربية، فلن نجد اي علاقة بينهما، فقدماء اليونان اهتموا بواجهة البناء، والعرب ركزوا على عنصر الفضاء، وحددوه باقامة الجدران، بينما اهتم اليونانيون بالناحية الجمالية والرمزية فحين تقرر قطر العامود، فإن كل شيء يكون تابعاً له، لان المعبد اليوناني لم يبن من اجل ان تجرى الاحداث فيه، فالنشاطات الجماعية كانت تجرى خارج المعبد، الذي كان يستخدم لحفظ الكنوز فقط، بينما المعمار العربي هو معمار فضاء بامتياز. هذا الاهتمام العربي باحتياز الفضاء لا يعني غياب الناحية الجمالية، فالقوس الشائع في العمارة العربية هو عنصر ادراك، وغياب بعض مواد البناء عن الصحراء يفسر في احد جوانبه وجود القباب والعقود، والقبة ذاتها متينة لان العناصر الخام الداخلة في بنائها من ابرز خصائصها قوة الضغط ومن المحقق ان القناطر والقباب والاقواس كلها عناصر جميلة، ترتاح اليها العين. عناية العمارة الاسلامية بجماليات المكان والحرص على تحقيق الشعور باستئناس الفضاء لاتتحقق في العمارة وحدها وإنما ايضاً في تخطيط المدن، ذلك ان الهدف النهائي يظل هدفاً انسانياً بالمطلق، وهو تحقيق شعور الانسان بالانتماء الى المكان والالفة معه والحميمية فيه. رابعاً: يرد حسن فتحي، بوضوح وجلاء وان كان بأسلوب غير مباشر على مزاعم جروبه وغيره من المستشرقين ممن ذهبوا مذهبه في وصفه للعمارة الاسلامية بأنها «عمارة محجوبة» لا تكاد تبين مما حولها، ولا ندركها الا حين ندخلها ونتأمل مكوناتها، حيث يحدثنا عن الاهمية البالغة التي يعلقها المعماري المسلم على مفهوم الانتقال بين الخارج والداخل. هذه الاهمية نابعة في المقام الاول من ان الخارج بالنسبة للانسان المسلم يختلف عن الداخل، سواء اكان هذا الخارج هو السماء في الاعالي، أم هو على مستوى الارض ـ الصحراء او شارع او ميدان. ففي البيت العربي نجد ان الفناء هو قطعة صغيرة من الفضاء اللامتناهي، اي السماء، احتازها الانسان على قدر ابعاده، وفي تناغم مع حجمه، ليحقق الشعور بالخصوصية، ولتسبح رغبته في الحميمية. وسواء أكان البيت كبيراً ام صغيراً، فان الفناء يتيح تلك القطعة الخاصة من السماء التي تنتمي الى من يعيش في هذا البيت. بهذا المعنى فإننا عندما نكون في «الخارج» فاننا نجد انفسنا ضائعين في فضاء كوني يمتد بلا انتهاء، لكن المرء عندما يكون لديه ارضية واربعة جدران وسقف فان هذه المقومات تحتاز فضاء خاصاً. ومن الناحية التاريخية فان ساكن الصحراء عندما تحول الى مقيم بعيد عن الترحال، احتفظ باتصاله بالسماء عن طريق المفهوم التصميمي المتعلق بفناء الدار. ما نقوله هنا لا نجده في الفسطاط فحسب وانما نجده في العراق وشمال افريقيا والاندلس. ولم نذهب بعيداً؟ السنا نجده ماثلا امامنا في البيت العربي الخليجي؟ حتى مع الايغال في العمران الحضري تجلى هذا التمسك في تحويل مفهوم الفناء والايوان الى مفهوم القاعة التي توجد فيها الدركاة، التي تجعل عند مستوى اعلى ويمتد السقف فوقها، رمزا للسماء، كما لو كانت فناء مسقوفاً. هذا يتيح تكوينات معمارية، موسيقية في جوهرها، حيث التلاعب بالمشاعر والاحاسيس، الاحاسيس المختلفة والمشاعر المتباينة، بحث ان المرء لا يتوافر له الشعور بالحميمية فحسب، وانما يجتمع له الشعور بالحميمية وفي الوقت نفسه لا يفقد الاحساس بالفضاء ولا يتولد لديه الشعور بأنه في حبس او في قبر حجري. اذا استقر ما تقدم، يبرز على الفور الشعور بالاهمية البالغة التي يحظى بها مفهوم الانتقال في العمارة الاسلامية. والمقصود بالانتقال هنا هو الانتقال من فضاء لآخر. وكل من قرأ، بحب وتعاطف، جانبا ولو يسيراً من اعمال حسن فتحي واوراقه وتراثه، الذي عهد به الى الجامعة الامريكية في القاهرة، ليبقى للاجيال المقبلة من الباحثين وعشاق فنه وابداعه، لابد ان لديه اطلاعاً على مثال شهير، طالما ضربه البناء العظيم الراحل في سياق الحديث عن مفهوم الانتقال، وهو الانتقال بالنسبة لمسجد السلطان حسن بالقاهرة. هنا نجد لدينا المدخل، الذي يفضي من الشارع الى الردهة ومن ثم الى المجاز، ذلك الممر الطويل، المعتم، الذي ينفتح على صحن المسجد الرحب. هكذا فانه من خلال المجاز يتحقق ذلك الانتقال المدهش الذي في غماره ننتقل من الشارع العام في الخارج الى الداخل الخاص بالمسجد. وعلى الرغم من ان هذا الداخل هو صحن شديد الرحابة، الا انه معزول تماما في داخل الفضاء الخاص للمسجد. يلفت حسن فتحي نظرنا الى ان هذا الشعور بالفصل بين الفضاء الدنيوي للشارع العام الحافل بالاصوات الصاكة والضجيج المتباين والغبار واشعة الشمس اللاهبة والجزء المقدس من مدخل المسجد يتحقق من خلال المجاز، ذلك الممر المتعرج الذي يصل الى الردهة بالصحن. بهذا المعنى تبرز لنا العمارة هنا باعتبارها نحتاً حقيقياً وتشكيلا للفضاء، وهو امر لا يقتصر، كما سبق لنا القول، على المبنى المفرد وحده، وانما يمتد الى تخطيط المدينة الاسلامية. في هذا الصدد يبرز لنا مدى تهافت التقولات الاستشراقية على المنجزات التي حققها تخطيط المدينة الاسلامية. تخطيط المدينة خامسا: تخطيط المدينة الاسلامية يعكس نسقاً بصرياً مقصوداً، حيث يؤكد لنا حسن فتحي اننا في اطار العمارة الاسلامية نتعامل مع الغرف باعتبارها وحدات في نسق هو المبنى نفسه. وفي الوقت نفسه فاننا نتعامل مع المباني ذاتها بحسبانها واحدات في نسق ايضاً، هو في هذه الحالة المدينة ذاتها، واذا كان عليك ان تشيد مجموعة من الدور في الشارع معاً، فانه لا حصر للامكانيات او الاحتمالات المتوافرة فيما يتعلق بترتيب هذه الدور وتشكيل فضاء هذا الشارع. وعندما يتوافر لك على جانب الشارع التداخل المتناغم للكيانات الغارقة في عتمة المغيب والاشكال والانسجة المعمارية، فيما يجرى التطلع الى كل مبنى عقب الآخر، فانه اذا كان المشهد الذي يلوح لناظريك متناغما على نحو جمالي، فانه يشبه الميلودي في الموسيقى، وعندما يكون لديك ميلودي آخر مقابل في المجموعة المواجهة من المباني فان استجابتنا المتتابعة لاحدهما وللآخر تشبه الكاونتر بوينت. او ان بمقدورنا القول ان بصرنا يشبه كرة البلياردو التي تتقافز من جانب الى آخر، وتنتهي بالاستقرار في هدفها، ليسيطر الانفعال على نفس من يتابعها. هكذا، فان العين تنتقل من نقطة اشارية الى اخرى، من جانب الى آخر. ويضرب حسن فتحي هنا مثالاً شهيراً هو شارع الصليبة الذي يمتد بين مسجدي ابن طولون والسلطان حسن، فلديك مجازات بصرية مغلقة تضم نقاطاً اشارية متتابعة، فهنا منارة، وهناك بيت، وثمة مبنى آخر او منارة اخرى هنالك، وتتابعها يأتي بصورة متناغمة. والعين تنتقل من اليمين الى اليسار فيما نحن نتابع المسير، وفيما تلوح للعيان كاونتر بوينت يهمس الرائي لنفسه: «ها هي!» ويساورك الشعور بان ما تراه مقصود، وانه ليس عشوائياً، وانه تم ابداعه على هذا النحو عن عمد صريح. بهذا المعنى فان انتقال العين من نقطة اشارية الى اخرى في المدينة الاسلامية يشبه حركة في سوناتا، وفيما تغذ السير في شارع في هذه المدينة يساورك الشعور بأنك في مواجهة تتابع للحركات الموسيقية. لفهم جوهر هذه التجربة التي يحدثنا عنها حسن فتحي ما علينا الا ان نتخيل ان الشارع نفسه لا يقدم لنا الا الدور نفسها وقد تتابعت في خط مستقيم، وعندئذ فانه لن تكون لدينا اي توقعات، لن يكون لدينا شيء في حقيقة الامر. بقى ان نلتفت الى نقطة مهمة في رؤية حسن فتحي لجماليات المكان في العمارة الاسلامية، ينبغي الا تغيب عن ناظرينا ابداً، جوهرها ان هذا البناء العظيم حرص في المحاضرات التي القاها في ورشة العمل التي اقامها في نيومكسيكو قبيل انشاء قرية «دار الاسلام» هناك حرص على الا يقلل من الصعوبات التي تكتنف اعادة احياء العمارة الاسلامية، وشدد على ان بناء هذه القرية بالنسبة له يعد «رسالة» لكل من يعنيهم امرها بأكثر مما هي مشروع بناء.