تجذب الشوارع المعبدة بالحجارة والمنازل المقامة على الطراز البيوريتاني في إنجلترا في القرنين 17 و18 الزوار إلى بلدة سالم، الواقعة في ولاية ماساشوستس الامريكية، لكن السبب الحقيقي الذي يدفع معظم السائحين، إلى الوفود إليها هو مشاهدة مسرح جريمة. كان ذلك في عام 1692 عندما قامت طائفة من الناس أصابتها هستيريا جماعية بسجن عشرات من الاشخاص بتهمة ممارسة السحر، وشنقوا 19 وألقوا عجوزا حيا داخل قبر بعد رفضه الاعتراف بالتهمة حيث سحق حتى الموت تحت وطأة الحجارة التي رجم بها. وكان المجلس التشريعي بولاية ماساشوستس قد برأ أسماء خمسة ممن أغفلوا من قائمة البراءة في عام 1711، إيذانا بإغلاق ملف حادث لايزال مستمرا في مطاردة الرأي العام الامريكي منذ أكثر من ثلاثة قرون. صدر القرار بعد أن قال ممثل الولاية بول تيرون الذي ساعد على إصدار مشروع القرار الخاص في المجلس التشريعي لماساشوستس إن الامريكيين يشعرون على الارجح بالعار والخزي إزاء محاكمات سحرة سالم، وذلك بقدر أكبر من شعورهم بالعار من جراء حرب فيتنام. من ناحية أخرى، قال موظف يعمل في بلدية سالم طلب عدم ذكر اسمه «ياله من زمن يبعث على الحزن والاسى. معظمنا لا يشعر بالفخر إزاء هذا الجزء من تاريخنا. عوضا عن ذلك، نحاول الان التركيز على حماية تقاليدنا». وفي حقيقة الامر، فإن التجارة البحرية التي تعود إلى القرن الثامن عشر لا تزال قائمة في أنحاء الشاطئ الشمالي لبوسطن، وهو ما انعكس في صورة مبنى الجمارك القديم والرصيف البحري والمنازل الفسيحة لقباطنة البحر الاثرياء آنذاك. لكن من المستحيل تقريبا أن يمشى المرء في شوارع البلدة التي كان قد أستوطنها المهاجرون الانجليز في عام 1626 دون أن يتذكر المأساة الخاصة بالساحرات والسحرة. ويعقب جوزيف سيترو، وهو متخصص في الفلكلور الشعبي لمنطقة نيوإنجلاند والذي رفض إدراج سالم في كثير من كتبه لهذا السبب، قائلا «شخصيا، أعتقد أن بلدة سالم ستواصل إعطاء هذا الحادث مظهرا خادعا نظرا لان سكانها يشعرون بالارتباك والحيرة إزاءه». وأضاف «وعوضا عن ذلك، يقوم السكان بإخفاء هذا الحادث بطبقة خارجية للتسلية على غرار ديزني لاند»، في إشارة إلى الكرنفالات. ورغم أن سالم تفتخر بوجود واحد من أعرق المتاحف الامريكية على أرضها، وهو بيبودي إسيكس، فإن قليلا فقط من مقتنياته المعروضة تشير فقط إلى حادث مطاردة السحرة في عام 1692. وحتى مجموعة المتاحف الخاصة ومنازل الرعب والعروض المخيفة التي تركز أساسا على أعمال السحر تستهدف التسلية أكثر من التعليم. ورغم أن الجميع في ماساشوستس لا يوافق على ذلك، فإن عضو الكونجرس تيرون يفسر مواقف أهالي البلدة بأنهم يتسامحون إزاء الحادث لاسباب اقتصادية. وتساءل قائلا «هل هذا هو الطريق الصحيح للسير فيه. ربما لا. لكننا مررنا بأوقات اقتصادية عصيبة في نيوإنجلاند. كثير من المواطنين سيود أن يعالج ذلك، لكن المال صاحب قوة وسلطان». وأضاف أن قبيل الصدف أن الموافقة التي تمت الاسبوع الماضي على مشروع القانون الخاص بتبرئة ساحة خمسة من السحرة الذين نجوا من المذبحة في ذلك الزمن أثارت شبهات بأنه حتى نواب الولاية يعتبر مأساة السحر تلك هي أكثر من مجرد نكتة بقليل. وتزين أكشاك بيع الهدايا التذكارية، خاصة القمصان المرسومة عليها أسماك القرش، عبارات أو رسومات كاريكاتيرية عن السحر. وتعلن مكاتب بيع الكتب عن مجلدات بها موضوعات عما وراء الطبيعة وعن سحرة معاصرين يقدمون خدمات عبارة عن قراءات روحية، وهم مجموعة متنوعة من الناس الطيبين الذين يطلقون على أنفسهم «ويكانز» وحتى مركبات الشرطة بالبلدة تحمل شعار امرأة مرفوعة على عصا مقشة، وهي صورة تعني في ما يبدو التسلية والاضحاك أكثر من التحذير والتخويف. غير أن الحقيقة تشير إلى أن صورة سالم النابعة عن أحداث عام 1692 ليس لها سوى علاقة ضئيلة نسبيا بالواقع الذي تعيشه تلك البلدة الامريكية. فموقع تنفيذ عمليات الشنق، في جالوز هيل، تحول الان إلى ملعب لكرة السلة غير مدرج على الخريطة السياحية للبلدة. وحتى مسألة إصابة البلدة بالهستيريا في ذلك الوقت لم تكن صحيحة حيث أنها وقعت في منطقة مجاورة تغير اسمها منذ ذلك التاريخ من قرية سالم إلى دينفرز. كما لم يتبق إلا القليل ممن يمكن نقله عن الظروف المعيشية التي كان البروتسانت الاوائل المتشددين يعيشونها في ذلك الزمن البعيد مثل حكومة الكهنة الصارمة وتفشي الجدري ومذابح الهنود الحمر وعدم الاستقرار السياسي والزراعة، وكلها ظروف جعلت هذا المجتمع جاهزاً للاحتراق. لكن مناخ الاحتفالات والمهرجانات التي تجذب آلافا من السياح إلى بلدة سالم سنويا، خاصة في أكتوبر، وهو الشهر الذي يصادف إجازة عيد الهالويين، يجعل البعض يتساءل ما إذا كانت تلك البلدة لا تقلل من شأن حادث يعتبره معظم الامريكيين عاراً وطنيا. ويؤكد تيرون أنه، مع ذلك، فإن الرسالة الاكثر أهمية يجب أن تستمر، قائلا «يجب أن نأخذ العبر من دروس التاريخ التي لم نتلقنها بصورة جيدة، مقارنة بالطريقة التي تعاملنا فيها مع الايطاليين واليابانيين الذين كانوا يعيشون هنا خلال الحرب العالمية الثانية. ـ د. ب. أ