يقول رب العزة سبحانه وتعالى: (قل إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي للّه رب العالمين. لا شريك له وبذلك أمرت وأنا أول المسلمين).{162 ـ 163/الأنعام}. قال الحافظ بن كثير: يأمره تعالى ان يخبر المشركين الذين يعبدون غير الله ويذبحون له، أي انه أخلص لله صلاته وذبيحته، لأن المشركين يعبدون الأصنام ويذبحون لها، فأمره الله تعالى بمخالفتهم والانحراف عما هم فيه والانقياد بالقصد والنية والعزم على الاخلاص للّه تعالى. قال مجاهد: النسك الذبح في الحج والعمرة. أ.ه وقال الإمام ابن تيمية رحمه الله: أمره الله ان يجمع بين هاتين العبادتين، وهما الصلاة والنسك، الدالتان على القرب أو التواضع والافتقار وحسن الظن وقوة اليقين وطمأنينة القلب الى الله، والى عبادته، عكس حال أهل الكبر والأنفة وأهل الغنى عن الله تعالى الذين لا حاجة لهم في صلاتهم الى ربهم، والذين لا ينحرون له خوفا من الفقر، ولهذا جمع بينهما في قوله: (قل ان صلاتي ونسكي). وتقديم القربان ارتبط بوجود الانسان على الأرض وشعوره بفقره وحاجته الى الله عز وجل، فإذا قبل الله عز وجل هذا القربان، كان ذلك ايذانا بالقبول والرضا والاجابة، وعلامة القبول أن تنزل نار من السماء تحرق القربان، فإذا لم تنزل النار لحرق القربان، كان ذلك معناه رفض القربان، وغضب الله على صاحبه، ليراجع نفسه ويتبيّن ما بقلبه من نية وعزيمة، ولننظر الى قول الحق تبارك وتعالى: (واتل عليهم نبأ ابني آدم بالحق اذا قربا قربانا فتقبل من أحدهما ولم يتقبل من الآخر قال لأقتلنّك قال إنما يتقبل الله من المتقين، لئن بسطت اليّ يدك لتقتلني ما أنا بباسط يدي إليك لأقتلك إني أخاف الله رب العالمين، إني أريد ان تبوء بإثمي وإثمك فتكون من أصحاب النار وذلك جزاء الظالمين، فطوعت له نفسه قتل أخيه فقتله فأصبح من الخاسرين){27 ـ 30/المائدة}. ومعنى هذا ان تقديم القربان كان عبادة معروفة للإنسان منذ هبط الى الأرض، حيث يتقرب بها الى الله طواعية استجلابا لرضاه واستبقاء لنعمته، فإذا قبله كان علامة على الرضا، وان الانسان على طريق الاستقامة، فيواصل المسير ناعما بتوفيق ربه له وقربه منه. وطبيعي ان الانسان الأول لم يكن يعرف الشرك، وإنما يشترك معه شيطان مريد يتمنى ان يضله عن سبيل الله، وسلط عليه في ذلك المجال، فقد عمل جاهدا لصرفه عن توجيه عبادته بعامة وقربانه منها إلى ما اتخذه وأوهمه بهم من شركاء. فإن استقراء حقب التاريخ الإنساني يدلنا على ان الأديان تبدأ بعقائد التوحيد نقية خالصة ثم تختلط بالشوائب الشركية شيئا فشيئا حتى ينصرف الناس عن أصل الأديان، ويتمسكون بقشور ما انزل الله بها من سلطان، كما كان عليه أهل من أباطيل أضيفت الى دين ابراهيم عليه السلام وقد جاء بالحنيفية السمحة التي لا تعرف شركا ولا شركاء ولا تقر بغير اللّه إلها واحدا لا شريك له. وها هو ربّ العزّة سبحانه وتعالى يقول عنهم وعن غيرهم: (وجعلوا للّه مما ذرأ من الحرث والأنعام نصيبا فقالوا هذا للّه بزعمهم وهذا لشركائنا فما كان لشركائهم فلا يصل الى اللّه وما كان لله فهو يصل الى شركائهم ساء ما يحكمون){136/الأنعام}. إذن تخصيص نصيب مما يقدم الانسان من قرابين لغير اللّه، شرك كريه، وعدوان صارخ على حق اللّه حيث المنعم والمالك الحقيقي لهذه النعمة فكيف تبذل لإله مزعوم غيره، اخترعه الشيطان لخيال الإنسان المريض. ولذلك نجد النبي صلى الله عليه وسلم خاطبه ربه بقصر الذبح على الإله الحق سبحانه بقوله تعالى: (فصل لربك وانحر). ونجده يترجم لأمته موثق ربه إليه بقوله صلى الله عليه وسلم لابن عمه علي رضي الله عنه، قال: «حدثني رسول الله صلى اللّه عليه وسلم بأربع كلمات: لعن اللّه من ذبح لغير الله، لعن الله من لعن والديه، لعن الله من آوى محدثا، لعن الله من غير منار الأرض».{رواه مسلم}. وقد يتأذى شعور المسلم من مجرد الوصف بأن هناك من يذبح لغير الله، بدعوى ان ذلك أمر لم يكن لائقا حدوثه في أوساط أهل ملة الإسلام، دين التوحيد ونزاهته، وإنما هو أمر كان ساريا متبعا في المجتمعات الشركية التي لم تستضيء بنور الإسلام، قبله وبعده، غير ان بعض أهل المجتمعات الاسلامية الحديثة بكل أسف قد استدرجوا الى اتباع سنن الأقوام التي سبقتهم شبرا بشبر وذراعا بذراع، علي عيد