صاحب الرسالة هو «أبو العلاء أحمد بن عبدالله بن سليمان المعري التنوخي» الذي ولد «بمعرة النعمان» في شمالي «سوريا» عام 363 هجرية، وقد أصيب بالجدري وهو في الرابعة من عمره، ففقد بصره، وقد حفظ القرآن الكريم صغيراً، وقرأه على جماعة من الشيوخ، ثم درس اللغة والنحو على أبيه وعدد من أئمة النحاة، كما درس علوم الاسلام، فكان عجباً في الذكاء المفرط والحافظة النادرة والاطلاع الباهر على اللغة العربية وشواهدها. شد رحاله الى بغداد، بعد أن ظفر بشهرة اقليمية واسعة في «حلب والشام» ولكنه صدم هناك، حيث وجد المعركة تحتاج الى أسلحة أخرى لا يملكها، من الدهاء والمكر والحيلة والنفاق، وهكذا انسحب منها بعد عام منكسر القلب، فلزم بيته في «المعرة» وعاش رهين المحبسين ـ العزلة والعمى ـ نحو نصف قرن. تنفرد «رسالة الغفران» بمكانة خاصة في الأدب العربي، هذه الرسالة التي أمليت في أخريات الربع الاول من القرن الخامس الهجري، فهي من آثار «أبي العلاء» في الشطر الثاني من حياته، املاها في صميم عزلته «بمعرة النعمان» وقد بلغ الستين من عمره، كما تنفرد بمكانة خاصة في الادب العالمي. تتكون الرسالة من مقدمة وقسمين رئيسيين. وقد جعل «أبو العلاء» المقدمة في جملتها من الأمالي اللغوية والادبية، وقد ساقها بأسلوب الألغاز، وهو فن بديعي ولع به أصحاب الصنعة الأدبية في عصره.أ ما القسم الأول: فيبدأ بخبر وصول رسالة «ابن القارح» المفتتحة بتمجيد الله، ومن هذا التمجيد كان المنطلق الى العالم الآخر. واذ يذكر الندامى ما قاله شعراء الدنيا الفانية في الخمر ونشوتها وكؤوسها وأباريقها، يجيء ذكر الأعشى، فيتمنون لو انه كان بينهم، فلا يكادون يعربون عن هذه الأمنية، حتى يمثل امامهم «الأعشى» شاباً احور العينين، ويعجبون لوجوده في الجنة، وقد مات كافراً، ويسألونه: بم غفر الله له، فيجيب: بأن قصيدته الدالية التي نظمها في مدح الرسول الكريم محمد صلى الله عليه وسلم قد شفعت له، فأدخل الجنة على الا يشرب خمراً، لانه كان في طريقه الى الرسول الكريم ليسلم وينشده القصيدة، فصدته «قريش» وجه للخمر. وينظر «ابن القارح» في رياحين الجنة، فيرى قصرين منيعين عليهما لافتتان باسم «عبيد بن الابرص» و«زهير بن ابي سلمى» واذ يسألهما بم غفر لهما، وقد ماتا في الجاهلية؟ يجيب عبيد: انه نال ثواب بيته: من يسأل الناس يحرموه وسائل الله لا يخيب ويجيب: «زهير» بأنه كان في الدنيا ينفر من الباطل، وكذلك قوله: فلا تكتمن الله ما في نفوسكم ليخفى، ومهما يكتم الله يعلم يؤخر فيوضع في كتاب فيدخر ليوم حساب او يعجّل فينقم ثم يرى في اقصى الجنة، بيتاً حقيراً، وفيه رجل ليس عليه نور اهل الجنة يخبره انه الحطيئة، وصل الى الشفاعة بالصدق في قوله: ارى لي وجهاً قبح الله خلقه فقبّح من وجه وقبح حامله ويعجب الشيخ لِمَ لم يغفر له بقوله: من يفعل الخير لا يعدم جوازيه لا يذهب العرف بين الله والناس فيجيب «الحطيئة»: سبقني الى معناه الصالحون، ونظمته ولم اعمل به. وبعد ذلك يلتقي «بالخنساء» وهي قريبة من النار، فتخبره انها احبت ان تنظر الى اخيها «صخر» فرأته كالجبل الشامخ والنار تضطرم في رأسه. ويلقى «ابن القارح» «ابليس» في النار، ويدور بينهما حوار عنيف. ثم يسأل عن الشاعر «بشار بن برد» فاذا هو امامه يسام سوء العذاب، ولكن عذابه لم يصرف «ابن القارح» عن مساءلته في اخباره ومناقشته في شعره كما يفعل ذلك مع «امريء القيس، عنترة، علقمة، عمرو بن كلثوم، طرفة بن العبد الحارث اليشكري، اوس بن حجر، تأبط شراً» وغيرهم حتى اذا قضى من محاورتهم انطلق عائداً الى الجنة. ومن الملاحظ ان «أبا العلاء» في تصويره عالمه الاخر، متأثراً بما في البيئة الاسلامية من وصف للحياة الاخرى، وبخاصة ما ورد في القرآن الكريم والمرويات الاسلامية عن الثواب والعقاب، ثم ديوان الشعر العربي في الجاهلية وصدر الاسلام، بما فيه من وصف للمتع والملذات وفنون اللهو والطرب، وقد نقلها «أبو العلاء» الى جنته، وكذلك الاساطير العربية التي عرفت في البيئة الاسلامية لكن «أبا العلاء» صاغ عالمه صياغة فريدة، لها طابعها المميز، فلم ينقل شيئا من هذه المرويات، الا بعد ان ينفذ به الى أعماق وجدانه ويستجيب لما تنفعل به النفس من أشواق وهموم. عداد ـ محمد حطام الفهد