بيان الكتب: «إبك يا بلدي الحبيب» رواية يمثل فيها العنوان الصرخة الأولى للمؤلف في وجه التمييز العنصري في جنوب أفريقيا حيث تدور أحداث الرواية. يقول روبير اسكاربيت في كتابه «سوسيولوجيا الأدب: هناك ثلاثة آلاف طريقة لارتياد الحدث .. العنوان أحدها .. فهو الشيفرة التي يفتتح بها النص. الرواية تحكي قصة الكاهن الأسود ستيفن كومالو الذي يعيش في منطقة أكسبو من ريف جنوب أفريقيا والمحببة إلى نفسه جدا ، حيث الهضاب المتماوجة المكسوة بالعشب ، وحيث يعيش طائر التيتيهويا الحزين في المروج والذي يسمع صوته هناك مع الفجر. وقد رحل عن الكاهن كومالو معظم أهله الى جوهانسبرج رحل عنه أخوه جون كومالو وافتتح له متجراً ونشط في عالم السياسة ، ورحلت عنه أخته جيرترود مع ابنها للبحث عن زوجها الذي سبقها إلى جوهانسبرج ولم يعد، ثم رحل عنه ابنه الوحيد ابسالوم للبحث عن عمته جيرترود وانقطعت عنه أخبارهم جميعاً. وستيفن كومالو ينتمي إلى قبيلة الزولو ، تلك القبيلة التي تجمعت وأجمعت على محاربة الامبراطورية البريطانية وهي في أوج مجدها وقوتها واعتمدت تكتيكا حربيا يعتمد على الموجات البشرية المكثفة باسلحة تقليدية لمواجهة الأسلحة المتطورة في يد الامبراطورية البريطانية، هذا التكتيك الناجح الذي أدي في النهاية إلى هزيمة مذلة لأمبراطورية لم تكن الشمس تغيب عن مستعمراتها وهو ما تحول فيما بعد إلى فيلم رائع معتمدا على الوثائق والأحداث ومحاكاة الواقع تحت اسم «فجر الزولو ». يتلقى كومالو رسالة من كاهن آخر لا يعرفه اسمه مسمينغو يطلب منه الحضور إلى جوهانسبرج لأن أخته جيرترود مريضة®. وهنا تعارض زوجة كومالو سفره خوفاً من أن يرحل ولا يعود كالآخرين ولكنه يقنعها أنه سيعود وأنه ليس كالآخرين فيضطر إلى السفر نحو المجهول مستعينا بالمال المدخر لتعليم إبنه ابسالوم في كلية سانت تشاد. وعندما التقى كومالو مع مسمينغو تحدثا عن كيفية تفكك القبيلة وانهيار المنازل وتحطم القيم والإنسان وكيف أن الناس رحلوا عن الريف وانقطعت أخبارهم ، وكيف أن الشباب الذين رحلوا نسوا عاداتهم وعاشوا حياة الاستهتار والكسل. ويصدم كومالو في جوهانسبرج عندما يعلم أن أخته جيرترود مارست الدعارة وصنع الخمور الرديئة وأن جريمة قتل حدثت في بيتها وأنها دخلت السجن مراراً ثم صدم عندما التقى أخاه جون كومالو الذي طلق زوجته منذ عشرة أعوام وأهمل تربية أبنه ويعيش مع امرأة أخرى في الحرام مخالفاً تعاليم الكنيسة، ناشطاً سياسياً محتجاً على القبيلة والكنيسة في آن واحد: هناك شيء جديد ينمو هنا إنه أقوى من أية كنيسة أو زعيم، سوف ترى ذلك ذات يوم هكذا خاطب جون أخاه الكاهن ستيفن كومالو. ثم صدم كومالو عندما وجد ابنه ابسالوم بعد بحث طويل وقد ارتكب جريمة قتل راح ضحيتها المهندس الأبيض آرثر جارفيس الشاب المناضل في سبيل العدالة والمواظب على زيارة الكنيسة ووالد لطفلين .. ابن الثري جارفيس الذي يعيش في منطقة اكسبو حيث يعيش كومالو. ابسالوم الذي ارتكب الجريمة بمعاونة اثنين من الغلمان الطائشين أحدهما ابن عمه ورغم ادعاء ابسالوم أنه لم يقصد قتل آرثر جارفيس لحظتها وأنه جاء مع الاثنين الآخرين للسرقة وليس للقتل وأنه أطلق النار من مسدسه في لحظة خوف إلا أنه حكم عليه بالإعدام شنقاً ابسالوم وقبل دخوله السجن كان يعيش مع فتاة تحمل في أحشائها جنيناً منه ، لذا طلب منه والده أن يتزوجها وهو في السجن ينتظر عقوبة الأعدام لكي يتسنى له من بعد تنفيذ حكم الاعدام تربية الطفل. وعندما يقرر كومالو العودة إلى اكسبو أراد أن يصطحب معه أخته جيرترود وطفلها وزوجة أبنه لرعايتها هي وجنينها إلا أنه يفاجأ في الفجر من جديد بهرب أخته تاركة طفلها .. فيعود مع زوجة أبنه وأبن أخته الهاربة محطماً. وفي ليلة تنفيذ حكم الإعدام بابسالوم يذهب الكاهن كومالو إلى الجبل وفي الطريق يلتقي مع جارفيس والد القتيل ويدور بينهما حوار قصير .. ومع الفجر، لحظة تنفيذ حكم الإعدام لا يسمع كومالو سوى نحيب طائر التيتيهويا وكأنه يعبر عن حزنه هو. لقد اختار كومالو الجبل لأنه أعلى مكان يمكن أن يقصده في أكسبو لعل روح ابنه تلتقي بروحه في ذلك المكان الرحيب بعد اعدامه . وهناك يمكنه أن يصلي من أجله أيضا فموت ابسالوم يعني له موت جانب مهم من حياته ، يعني أن جذوة حياته ستنطفيء مع موته فهو ولده الوحيد ، وأن الحفيد الذي سيولد سيبقى الذكرى الوحيدة من ابسالوم. والمؤلف آلان ستيوارت باتون من مواليد سنة 1903 في بيترمارتيزبرغ في جنوب أفريقيا اهتم بمشكلات بلاده الاجتماعية والعرقية، فهو كاتب ومصلح اجتماعي في آن واحد. تخرج من جامعة ناتال بامتياز وامتهن التعليم مدة 10 سنوات حتى سنة 1935 ، وخلال هذه الفترة تزوج من دوريس أوليف فرانسيس ، رزق منها بطفله الأول «دافيد» بعد سنتين من زواجه أي سنة 1930 ، أما طفله الثاني جوناثان فقد ولد سنة 1936 ثم تولى رئاسة اصلاحية ديبكلوف للأحداث الجانحين بالقرب من العاصمة جوهانسبرج وأدخل عليها اصلاحات تربوية وثقافية. وفي رواية (إبك يا بلدي الحبيب) مؤلفه الأول التي نشرها في فبراير سنة 1948 حقق آلان باتون النجاح والشهرة ليس في جنوب أفريقيا وحسب بل وفي العالم أيضا لأنها سلطت الأضواء على ما يعانيه السود أمثاله من التمييز العنصري ثم ترجمت الرواية إلى عدة لغات وتحولت إلى أوبرا تحت عنوان (تائهون في النجوم) سنة 1949 والتي وضع ألحانها الموسيقار الشهير كورت ويل ، ثم تحولت إلى فيلم سينمائي سنة 1952 من اخراج زولتان كوردا. ومن أشهر روايات آلان باتون تأخرت كثيراً يا طائر الشطآن ـ 1953 الأرض والشعب في جنوب أفريقيا ـ 1955 حكايات من الأرض المضطربة ـ 1961 المشهد الطويل ـ 1968. أسس باتون حزب جنوب أفريقيا الليبرالي وقاده حتى سنة 1968 وساند باتون نلسون مانديلا أثناء محاكمة الأخير واتهامه بالخيانة والحكم عليه بالسجن سنة 1964 وظل سجينا حتى سنة 1990 حيث أطلق سراحه ثم أصبح رئيسا لجنوب أفريقيا سنة 1994 بعد أن أصبح أشهر سجين في العالم ورمزا للباحثين عن الحرية. وفي سنة 1967 توفيت زوجة باتون الأولى دوريس ، وبعد سنتين من وفاتها تزوج من آن مارغريت هوبكينز، ومواصلا الكتابة. وعاشت جنوب أفريقيا ردحاً من الزمن تعاني فيه من التمييز العنصري عندما استولى عدد من البيض لا يزيدون عن ربع السكان على مقدرات البلد ، استولوا على الأراضي وأذاقوا سكانها الأصليين مرارة العبودية والاستغلال والتمييز العنصري .. ففي سنة 1948 وهي سنة اصدار الرواية استلم الحزب الوطني الذي يسيطر عليه البيض الحكم وقننوا السياسات العنصرية وانشأوا دولة بوليسية منبوذة على المستوى العالمي وأقاموا المجازر والمذابح بحق السود أصحاب البلد الأصليين كمذبحة شاربفيل سنة 1960 التي راح ضحيتها حوالي 70 من السود عندما أطلقت الشرطة النار على المتظاهرين المحتجين على الممارسات العنصرية ، وكذلك مذبحة سويتو سنة 1976 ضد الطلبة واغتيال الناشط الاسود ستيف بيكو. أما المضحك المبكي في آن واحد هو كيفية تمييز الشخص الابيض من الاسود في جنوب أفريقيا إبّان الحكم العنصري ، إذ يحضر مجموعة من البيض يجلسون على طاولة طويلة يطلقون عليهم مجلس التصنيف العنصري ويحضرون الشخص المراد تصنيفه إن كان من البيض أم من السود فيجلس أمامهم ثم يقومون بتمرير قلم في شعر رأسه فإذا مرّ القلم بسهوله خلال شعره فهو من البيض وله كل الأمتيازات ، الأمر الذي يعني الضمان الأجتماعي في أحلى صوره كالرعاية الصحية والضمان الوظيفي وفرص التعليم والاسكان وغيرها أما إذا لم يمر القلم في شعره بسهوله فهو من السود ويحرم من كل الأمتيازات وعليه ينطبق قانون التمييز العنصري ، ذلك القانون الذي يحرمه من الكثير من الحقوق كإنسان كأن يمنع من حق التملك في بلده أو يمنع دخوله إلى بعض الأماكن الخاصة بالبيض فيمنع مثلا من دخول بعض المطاعم هو والكلاب ويعاقب عقابا شديدا إذا وجد لافته معلقة في واجهة مطعم تقول : ممنوع دخول السود والكلاب ثم تجاهلها ودخل المطعم فالويل له عندئذ ، فربما يفقد حياته لهذه الجسارة والاعتداء ! ولكن السؤال الذي يفرض نفسه أمام مثل هذه المهازل هو ماذا لو أن الشخص المراد تصنيفه كان أصلع ؟؟!! وقد توفى آلان باتون سنة 1988 في ناتال بجنوب أفريقيا قبل أن يرى رفيقه نلسون مانديلا حرا ورئيسا لجنوب أفريقيا ، مانيلا الذي أمضى في السجن أكثر من ربع قرن. اعداد كريم السماوي