بيان الكتب: عندما عجز الانسان عن فهم الطبيعة في بدائيته بذل جهودا مضنية ليتوصل الى طريقة للتعامل معها، او على الأقل لتحييدها او اتقاء شرها، لأنها كانت تبدو أكبر من قدرته على المواجهة، فتوصل في محاولاته لفهمها الى أنواع من الطقوس التي حاول من خلالها ان يسترضيها او يقلل من أخطارها عليه، وهو لايزال اعزل من كل شيء، ويجب ان يظل في مواجهتها حتى يظل على قيد الحياة، ومن هنا ولدت الطقوس الأولى التي كان يقيمها البشر لكل ما عجزوا عن فهمه من تلك الطبيعة. ونظرا لرقعة الأرض الواسعة التي عاش عليها الانسان فقد اختلفت تلك الطقوس باختلاف تلك الارض وطبيعتها وقدرة البشر الجسمانية والعقلانية الذين يقيمون عليها، لكن بعض تلك الطقوس كانت متشابهة على الرغم من اختلاف المكان وطبيعته، وعلى الرغم من عدم وجود اتصالات سهلة يمكن أن تربط بين تلك الأماكن كما هو الحال في وقتنا الحالي. وفي الوقت نفسه اختلفت طقوس ترمز الى شيء واحد، وان كان الهدف منها ظل على حاله، محاولة استرضاء الطبيعة وبشكل خاص الأجزاء الأكثر هروبا من سيطرة الانسان، لعل من أهم الطقوس التي اختلفت من مكان إلى آخر على الرغم من وحدة الهدف فيها تلك المتعلقة بدور الشمس في حياة البشر، فقد اكتشف الكاتب الانثروبولوجي الأسباني «لويس بانكوربو» في كتابه «طقوس، أقنعة الشمس» ان الإنسان اكتشف مبكرا دور الشمس في حياته، ومنذ العصور الأولى لوجوده على الأرض، أي منذ العصر الحجري، لأن الشمس كانت ولاتزال منبع الكثير من المؤثرات التي جعلت حياته ممكنة، خاصة الحرارة والدفء، إضافة الى أن دورتها الثابتة شكلت «التقويم» الثابت الذي ربط من خلاله الإنسان دورة حياته وعلاقتها بما حوله من نبات وحيوان. وربما كانت الشمس أيضا الأكثر هروبا من قدرة الإنسان على الإمساك بها أو محاولة تقييد حركتها او تطويعها، فهي ليست كالأنهار التي يمكن تغيير مسارها، أو الجبال التي يمكن شقها أو هدم أجزاء منها، والشمس أكبر حجما وقدرة من أجزاء أخرى في الطبيعة كالقمر والنجوم. وجد الكاتب أن تلك الطقوس كثيرا ما تتشابه في الممارسة ما بين شعب وآخر، إلا أنها لا تدور حول رمز ثابت «الشكل» أو «قناع»، فالإنسان في مناطق جنوب أوروبا في العصرين الحجري والبرونزي خلف لنا العديد من الرسوم المنقوشة على جدران الكهوف تشكل أقنعة متعددة الأشكال وان كانت تكاد تتماثل او تقترب من بعضها البعض، بل أنها تقترب من «الشكل» الذي اخترعه الانسان في مناطق اوروبا الباردة الشمالية، حيث تصور الشمس على هيئة قرص بيضاوي الشكل في معظم الأحيان، ومستدير كامل الاستدارة في أحيان أخرى وان كانت كلها تشير الى كوكب «الشمس». لكن المدهش ـ في رأي الباحث ـ ان هذا الشكل يكاد يتطابق مع الأشكال التي اخترعها الانسان البدائي في مناطق بعيدة جدا عن اوروبا، حيث تم العثور على مظاهر طقوسية تدور حول الشمس في مناطق عديدة ومتباعدة عن بعضها البعض في امريكا اللاتينية، ولها اشكال مختلفة، لكنها تتفق في الاشارة الى ذلك الكوكب الجبار، وتتمثل في أقنعة متشابهة ترمز اليه، تسبق وصول الانسان الاوروبي الى تلك الارض بآلاف السنين. من هنا تبدو أهمية هذا الكتاب / البحث الذي يحاول فيها عرض «أقنعة الشمس» المتعددة التي صنعها الانسان ليقدس منبع الحرارة على هذه الارض، والربط بين اختلافها طقوسياً، اي في اداء الطقوس المرتبطة بها وان كانت في معظمها تتعامل مع أشكال متشابهة. هذا الكتاب الذي يقع في 160 صفحة من القطع المتوسط، والمزين بصور فوتوجرافية للعديد من تلك الطقوس والنقوش المتعلقة بالشمس التي تركها الانسان في مختلف أنحاء الكرة الأرضية، يتناول العديد من اوجه الطقوس المتعلقة بأقنعة الشمس وأشكالها المتعددة. يبدأ الكاتب بمقدمة قصيرة يتناول فيها الطقوس والأقنعة المتعلقة بالشمس في قارات العالم القديم من أوروبا وأفريقيا وآسيا، وكيف أنها تشابهت مع ما عثر عليه أمثاله من الباحثين في بلاد العالم الجديد خاصة في مناطق وسط وجنوب امريكا اللاتينية. بعد ذلك يصف الكاتب بعضا من تلك الممارسات الطقوسية التي لاتزال تمارسها القبائل الأصلية في بلاد مثل البيرو والمكسيك، وأجزاء من فنزويلا والبرازيل، وتربط ارتباطا مباشرا بالحياة اليومية، فنجده يقدم وصفا تفصيليا لطقوس تدور حول أقنعة الشمس في أيام الاعداد للزراعة على منحدرات الجبال المرتفعة بوسط البيرو، واستمرار ممارسة تلك الطقوس حتى ظهور النبت والى أن يتم الحصاد وجمع المحاصيل وحملها الى البيوت. لكن تلك الطقوس الشمسية وأقنعتها لا تتوقف عن ممارسة الزراعة التي تعتبر النشاط الرئيسي لتلك القبائل بل تمتد الى حياة البشر انفسهم وترتبط تلك الطقوس بالميلاد وباقي مراحل الحياة لأفراد تلك القبائل، ولا تنتهي حتى لحظة الموت وطقوس الأعداد للانتقال الى الحياة الاخرى والدفن، على الرغم من أن معظم تلك القبائل تم تحويلها الى الديانة المسيحية الكاثوليكية على أيدي الغزاة الأسبان ومن تبعهم من المستعمرين الانجليز والفرنسيين، فالتحول الى ديانة اخرى لم يمنع تلك القبائل من الاستمرار في تلك الطقوس باعتبارها من العادات اليومية التي توارثوها عن أجدادهم، والمحافظة عليها يعتبر جزءا من مهمتهم اليومية في الحفاظ على هويتهم القومية. الغريب انه طبقا لملاحظات المؤلف «لويس بانكوربو» ان تلك الطقوس المتعلقة بالشمس تبدو واحدة في كل البلاد التي درسها في اوروبا وأفريقيا وأقنعة الشمس التي تم العثور عليها في مناطق أثرية كثيرة في اوروبا تتشابه مع الطقوس والأقنعة التي توجد في أمريكا اللاتينية والتي لا تزال تمارسها قبائلها البدائية البعيدة عن مناطق الحضر والمدن الحديثة. والغريب ايضا ان أقنعة الشمس لا تختلف فقط ما بين مكان وآخر، بل تختلف الأقنعة التي يشكلها ممارسو تلك الطقوس من فصل الى فصل اخر، فقرص الشمس كقناع للعديد من الاحتفاليات الطقوسية التي تقام في الصيف تختلف عن تلك التي تقام في الشتاء او الربيع او الخريف. ويرى الباحث ان هذا الاختلاف في القناع يعود الى اختلاف الحاجة الى الشمس، فهي في الشتاء مصدر الحرارة والدفء للإنسان والحيوان، بينما هي في الصيف مصدر الحرارة التي يحتاجها الزرع لانضاج الثمار، والتبكير او تأخير فترة الحصاد، بما يعنيه هذا من التوصل الى محصول جيد او محصول رديء، فحياة الانسان في تلك المناطق تتوقف على ما يمكن جلبه من الوديان والجبال من محاصيل يمكنه ان تطبع حياة السكان طوال عام كامل. لكن فصلي الربيع والصيف يحظيان باهتمام الباحث اكثر من فصلي الخريف والشتاء، ويعود هذا الى أن هذين الفصلين الاكثر تركيزا في الطقوس الاحتفالية الخاصة بأقنعة الشمس. في الربيع يكون الاهتمام بالزرع الذي يسير باتجاه النضج وما يتطلبه من ممارسات طقوسية تسترضي الشمس حتى لا تغضب فيموت الزرع في منتصف نضجه وتحل الكارثة، وفي الصيف يكتمل النضج ليدخل الحصاد اخيراً الى البيوت وما يعنيه هذا من تقديم واجبات الشكر لتلك القوة التي ساعدت عليه.وبما ان الحصاد كان وفيرا، تكون الاحتفالات الصيفية اكثر بهجة وتستمر وتتسع باستمرار واتساع الصيف في تلك البلاد، ولكن تختلف أقنعة الشمس التي تستخدم في تلك الاحتفالات الطقوسية، بعضها يلائم احتفالات ولا يلائم اخرى باختلاف طبيعتها او باختلاف وقت ممارسة تلك الاحتفالات، فالاحتفالات التي يتم ممارستها تحت قيظ الشمس نهارا تختلف عن تلك التي يتم الاحتفال بها ليلا، حيث تبدأ بوجود الشمس على جانب من السماء وتنتهي بظهورها على الجانب الآخر، فالاحتفال يبدأ بوجود الشمس وينتهي بوجودها أيضا. مدريد ـ د. طلعت شاهين