بيان الكتب: لورنس هاريسون هو استاذ باكاديمية هارفارد للدراسات الدولية والاقليمية. له العديد من المؤلفات منها « الحلم الامريكي العام» و«التخلف حالة ذهنية: قضية امريكا اللاتينية». وصموئيل هنتنجتون هو ايضا استاذ في جامعة هارفارد، من اشهر مؤلفاته كتاب «صدام الحضارات» الذي نشره قبل سنوات واثار الكثير من النقاش و«لايزال» خاصة فيما يتعلق منه بالقول ان القرن الحادي والعشرين سيكون قرن «التصادم» بين الحضارتين الغربية والاسلامية. وله ايضا كتاب شهير اخر تحت عنوان: «اعادة صياغة النظام العالمي». قام المؤلفان اللذان اشرفا على انجاز هذا العمل بتجميع ابحاث عدد كبير من المتخصصين الدوليين الذين كانوا قد ساهموا في ندوة دعت اليها اكاديمية هارفارد للدراسات الدولية والاقليمية.. كان الموضوع الاساسي لهذه الندوة هو تأثير الثقافة على مسيرة التقدم الانساني ودورها في «اعاقة» التطور الاقتصادي او السياسي او «غياب» هذه الاعاقة. تجدر الاشارة الى ان هذا الكتاب يضم 22 مساهمة بالاضافة الى مقدمة كتبها صموئيل هنتنجتون ومساهمة اخيرة للمؤلف ـ المحرر الثاني لورنس هاريسون.. وتتوزع هذه المساهمات بين سبعة اقسام اساسية تخص مسائل «الثقافة والتنمية الاقتصادية» و«الثقافة والتنمية السياسية» و«نقاش انثروبولوجي» و«الثقافة والنوع» و«الثقافة والاقليات الامريكية» و«الازمة الاسيوية» واخيراً «تشجيع المبادلات الدولية». يشير صموئيل هنتنجتون في تمهيده لهذا الكتاب الى حادثة عاشها في مطلع عقد التسعينيات الماضي حيث «شاءت الصدفة» ان يطلع على احصائيات وبيانات اقتصادية لكل من جمهوريتي غانا الافريقية وكوريا الجنوبية. لقد «صعقه» التشابه الكبير بين المعطيات في الحالتين آنذاك ـ مطلع الستينيات ـ حيث كان نصيب الفرد من الدخل القومي في البلدين متقاربا الى حد كبير. وكذلك توزيع حصص كل منهما فيما يتعلق بالمواد الاولية والمنتجات الصناعية والخدمات، وايضاً معدّل صادرات هذه المنتجات وان غلبت عليها المواد الاولية بالنسبة لغانا وعدد ضئيل من المنتجات الصناعية بالنسبة لكوريا الجنوبية. كما ان الدولتين كانتا تتلقيان حجم المساعدات الاقتصادية والمالية نفسها من مختلف المصادر الخارجية. لكن اذا كانت نقطة الانطلاق هي متكافئة بالنسبة للدولتين، فان النتائج التي تم التوصل اليها بعد ثلاثة عقود من الزمن فقط كانت متباينة جدا بالنسبة للحالتين. ذلك ان كوريا الجنوبية قد اصبحت عملاقا اقتصاديا واحتلت المرتبة الرابعة عشرة في التراتبية الاقتصادية العالمية وضمت البلاد العديد من الشركات والمؤسسات الدولية «متعددة الجنسيات» واحتلت موقعاً متقدماً جدا في قائمة البلدان المصدرة للسيارات وللمعدات الكهربائية المختلفة. ووصل متوسط نصيب الفرد من اجمالي الناتج القومي فيها الى نظيره في بلد مثل اليونان، احدى دول الاتحاد الاوروبي الخمس عشرة. بل ورافق هذه القفزة الاقتصادية والتكنولوجية الهائلة العمل على ارساء اسس بعض المؤسسات الديمقراطية. بالمقابل لم تشهد غانا واقعاً مماثلاً وظلت في عداد البلدان الافريقية ذات التنمية المحدودة جدا بحيث ان نصيب الفرد من اجمالي الدخل القومي فيها ظل اقل بـ 15 مرة مما هو في كوريا الجنوبية. لقد تساءل «هنتنجتون» عن اسباب هذا الفارق الهائل في النمو الاقتصادي بين البلدين، لم يجد تفسيرا لهذا الواقع الا في «الثقافة». ذلك ان «الثقافة الكورية» تقوم على اساس قيم تؤكد على اهمية التنمية والاستثمار والعمل الجاد والتعليم والنظام والتنظيم. ان مثل هذه المعايير والقيم الثقافية غائبة لدى الغانيين. الثقافات اذن لها دور حيوي، بل الدور الحيوي الأهم في نهوض الشعوب وتقدمها، ان المقصود بالثقافة في تحليلات هذا الكتاب هو مجموع التقاليد والقيم والمعتقدات وكل ما يسود من مباديء ومعايير في مجتمع معين. ان النتائج التي توصل اليها صموئيل هنتنجتون في تحليلاته تلتقي الى حد كبير مع تلك التي توصل اليها باحثون واكاديميون اخرون ساهموا في هذا الكتاب وخاصة فيما يتعلق بالدور الحاسم للثقافة في التنمية، فعلى قاعدة ثقافية حقق اليابانيون والالمانيون تقدما هائلاً منذ الدمار الذي لحق بمجتمعاتهم اثناء الحرب العالمية الثانية. ويتبين من البحث في «تاريخية» الاهتمام بالثقافة كعنصر مهم في فهم المجتمعات وآليات عملها ومساراتها التطورية بانه اعتبارا من عقد الاربعينيات والخمسينيات في القرن الماضي ـ العشرين ـ شارك علماء بارزون في إثراء المكتبات بأبحاثهم حول تفسير التطور الاقتصادي والسياسي للمجتمعات الانسانية. ثم تضاءل الاهتمام كثيرا بمثل هذا النمط من الدراسات والابحاث خلال عقدي الستينيات والسبعينيات ليعود من جديد في الثمانينيات التي شهدت اهم الاعمال في مسألة العلاقة بين «الثقافة والتنمية» وخاصة في كتاب لورنس هاريسون المشار له سابقاً والذي يحمل عنوان «التخلف حالة ذهنية ـ قضية امريكا اللاتينية». وهاريسون هو احد المشرفين على انجاز هذا الكتاب. تجدر الاشارة هنا الى ان المؤلف ـ هاريسون ـ قد شدد على القول بان أهم اسباب نقص التنمية في بلدان امريكا اللاتينية يكمن في الثقافة التي تقف حائلاً امام تطور هذه البلدان. ان مثل هذه الاطروحة يكررها في مساهمته بهذا الكتاب «قضايا ثقافية» والتي تحمل عنوان: «تشجيع التبدل الثقافي التدريجي». لكن اذا كان كتاب لورنس هاريسون الاول قد أثار ضجة كبيرة بل وموجة احتجاجات شديدة في بلدان امريكا اللاتينية من قبل مثقفين واقتصاديين وخبراء فان اولئك النقاد انفسهم عادوا اليوم للقول بصحة معظم الافكار التي طرحها، كما يشار في هذا الكتاب، مع الاقرار بأنها تتماشى مع الحقائق. ويعيد عدد كبير من المساهمين في هذا الكتاب انتعاش الآمال بعد انتهاء الحرب العالمية الثانية ونجاح مشروع مارشال في حرب اوروبا وخروج اليابان قوية من ركام الدمار الذي خلفته الحرب الى صلابة القاعدة الثقافية وطبيعتها الداعية للتقدم. ان هذه المقدمات كلها يمكن ان «تبشر» بانتعاش اقتصادي على مستوى العالم اجمع، وقد كانت حركة جلاء الاستعمار في اغلبية مناطق العالم بمثابة «رديف» باتجاه التفاؤل ايضا. لكن مثل هذا الاندفاع «خبا» شيئاً فشيئاً مع مرور الوقت. اذ في الوقت الذي سارت فيه دول قليلة في اتجاه التنمية والازدهار الاقتصادي لم تحرز غالبية الدول الاخرى اي تقدم كبير في الاتجاه «الصحيح» ان سدس سكان العالم فقط يتمتعون بقدر معقول من الديمقراطية والرفاهية بينما يعيش 4 مليارات من اصل المليارات الستة التي تشكل عدد سكان المعمورة في ظروف يمكن وصفها حسب تصنيفات البنك الدولي بأنها «ذات دخل محدود ومنخفض».. والمأساة هي ان مثل هذا الواقع يقوم بعد امداد هذه الدول بمساعدات مالية واقتصادية خلال فترة تزيد على نصف قرن. ويحتوي هذا الكتاب على احصائيات مخيفة اذ تبين على ان ما يزيد على نصف السكان البالغين في 23 دولة ـ معظمها في القارة الافريقية ـ يعانون من الامية وما يزيد على نصف مجموع النساء في 35 دولة هنّ من الاميات ويبلغ متوسط العمر، حسب توقعات الاخصائيين، أقل من 60 سنة في 35 دولة وأقل من 50 سنة الى 18 دولة. بل ان متوسط العمر لا يتعدى 27 عاما في سيراليون. هذا ويبلغ معدل موت الاطفال مئة في الألف في 35 دولة. لكن بالمقابل يزيد معدل الولادات في البلدان الفقيرة ثلاثة اضعاف نظيره في البلدان المتقدمة، وتشير أكثر من دراسة الى المعدل العالي بالولادات في العديد من البلدان الاسلامية. ومن المحاور الاساسية التي تعرضت لها عدة مساهمات في الكتاب مسألة «العلاقة بين القيم والتقدم» ويشار بهذا الصدد الى ان النزوع للتشكيك في العلاقة بين القيم الثقافية والتقدم الانساني انما نجده بشكل خاص في ميدان العلوم الاقتصادية وعلوم دراسة الانسان «الانثروبولوجيا». ويرى الاقتصاديون بأن السياسة الاقتصادية السليمة لابد وان تأتي بالنتائج نفسها دون الرجوع الى الثقافة، وهذا من «بديهيات» الامور، كما يقول الاقتصاديون. والمشكلة هنا تكمن في وضع البلدان ذات الثقافات المتعددة حيث يبدو التمايز واضحاً بين نمط عمل هذه الطائفة العرقية او تلك والتي تطبق القواعد الاقتصادية نفسها مثل الاقليات الصينية في تايلند وماليزيا واندونيسيا والفلبين والولايات المتحدة والاقليات اليابانية في البرازيل والولايات المتحدة والباسكيون في اسبانيا وامريكا اللاتينية واليهود في اي مكان يتواجدون فيه. ومحور اخر تناقشه عدة مساهمات في هذا الكتاب ويتعلق بـ «عالمية القيم والاستعمار الثقافي الغربي». ويتم هنا ابراز تشكك اولئك الذين يؤمنون بـ «النسبية الثقافية» في فكرة التقدم وذلك حين يعتبرون بأن كل ثقافة تحدد اهدافها ومعاييرها التي يمكن مقارنتها بمعايير الثقافات الاخرى واهدافها. ويرى بعض علماء الاجتماع بأن التقدم هو بمثابة فكرة يحاول الغرب فرضها على الثقافات الاخرى. بل هناك من يذهب الى حد انكار حق انتقاد المجتمعات التي تمارس تقاليد متشددة خاصة بها مهما كانت درجة «تطرف» او «غرابة» هذه التقاليد مثل اقدام المرأة الى حرق نفسها مع زوجها المتوفي او حتى ممارسة الرق. ومحور ثالث يخص «الموقع الجغرافي والثقافة» حيث يؤكد البعض على أن الموقع الجغرافي والمناخ بمثابة عوامل حاسمة في تفسير النمو الاقتصادي وفي ثراء الدول او فقرها. وهذا ما يتم التدليل عليه بالقول ان معظم البلدان المتقدمة اقتصادياً توجد في مناطق معتدلة مناخياً في حين ان غالبية البلدان الفقيرة توجد في مناطق استوائية. مع ذلك هنا استثناءات عديدة، اذ ان روسيا مثلاً تقع في المنطقة الجغرافية والمناخية نفسها، بناء على «خطوط العرض» التي توجد فيها كندا. مع ذلك نجد ان كندا ودول شمال اوروبا هي في عداد الدول الاقل فساداً في العالم في حين ان روسيا هي بين الدول العشر الاكثر فساداً في العالم. كذلك «سنغافورة» وهونج كونج ونصف مساحة تايوان تقع في مناطق استوائية. ان العديد يردن بأن نجاح هذه الدول واليابان ايضاً انما يعتمد على المباديء الثقافية لـ «الكونفوشيوسية اكثر من اعتماده على الموقع الجغرافي. ولا يمكن للموقع الجغرافي ايضاً ان يشرح التفاوت الكبير بين شمال ايطاليا وجنوبها؟ لاسيما وان مثل هذا التفاوت موجود في دول امريكية لاتينية فقيرة مثل غواتيمالا وهندوراس والسلفادور. وتشكل «العلاقة بين الثقافة والمؤسسات» موضع اهتمام بعض مساهمات هذا الكتاب حيث تشبه احداها الثقافة بـ «الام» والمؤسسات بـ «الابناء» واذا امكن قبول مثل هذا التشبيه على المدى الطويل، فانه قد يكون من الصعب قبوله على المدى القريب. ذلك ان التعديلات التي تطرأ على المؤسسات تبعاً لارادة السياسيين مما يكون له اثره على الثقافة نفسها. وتتضح صحة هذا فيما عرفته ايطاليا خلال عقد السبعينيات الماضي عندما الغت الحكومة اسلوب النظام المركزي مما حسن الوضع في جنوب البلاد. ويطرح آخرون التساؤلات حول الاسباب التي اقصت دول امريكا اللاتينية عن الديمقراطية وثقافتها لفترة تزيد على قرن ونصف القرن على الرغم من قربها من الغرب؟ ثم ان معظم الدول المعنية قد تحولت الى ديمقراطيات في السنوات الخمس عشرة الماضية لكنها ظلت ديمقراطيات هشة ومعرضة للخطر من قبل جماعات معارضة او بسبب وضعها الاقتصادي المتدهور مما يهدد مؤسساتها الديمقراطية. هذا ويمكن طرح نفس التساؤلات نفسها، وتقديم نفس الملاحظات بالنسبة لاسبانيا والبرتغال حتى العقدين الماضيين. وتتفق آراء المساهمين في هذا الكتاب حول فكرة مآلها ان «المعايير الثقافية» تتعرض للعديد من المتغيرات وحتى لو ان عملية التغير ذاتها تجري ببطء كبير. لكن لاشك بأن هذه المسألة ـ مسألة التغير ـ هي ذات حساسية عالية على ضوء ما ينادي به البعض من ان هناك ثقافات افضل من غيرها. وبالتالي اذا كانت هناك ثقافات تعيق تحقيق تقدم الشعوب المعنية بها، ولذلك فإنه يتعين في هذه الحالة العمل على «استبدالها»؟ الامر الذي يشكل في السياق الحالي من تطور الانسانية فرض الثقافة «الاقوى» اي الثقافة الغربية. لكن هذا لا يمنع واقع وجود الكثيرين في افريقيا وامريكا اللاتينية الذين يرون ضرورة اجراء تغييرات جوهرية في ثقافتهم بحثاً عن امكانية «التقدم» واللحاق بركب العالم المتطور... لكن اي بحث عن مثل هذا التغيير ينبغي ان يسبقه بالطبع الرغبة في فهم «مواطن الضعف» في الثقافة المعنية لاجراء التغير المطلوب في جميع مستويات الحياة السياسية والاقتصادية والثقافية. فأيهما هو الاقوى: السياسة ام الثقافة؟ يقول احد الاكاديميين في مساهمة له: «ان الحقيقة الاساسية لدى المحافظين هي ان الثقافة وليست السياسة هي التي تحدد نجاح المجتمعات. اما الحقيقة لدى الليبراليين فهي ان السياسة يمكن ان تغير الثقافة وتحميها من نفسها». بحث في الثقافة وفي العلاقة مع العالم... وفي العالم