بيان الكتب: عمل فيليب فرنانديز ارمستو لسنوات طويلة أستاذاً للتاريخ الحديث في جامعة اكسفورد وكان عضواً لمعهد الدراسات العليا في هولندا، خلال عامي 1999 و 2000 ويعمل الآن استاذاً زائراً في جامعة مينسوتا في الولايات المتحدة الأمريكية، نال عام 1997 جائزة المعهد البحري القومي عن أعماله حول التاريخ البحري والتاريخ الاستعماري والعالمي له العديد من المؤلفات منها: «الألفية: تاريخ الألف عام الأخيرة» و «كولومبوس ونيل المستحيل» و «البحرية الاسبانية» و «ما قبل كولومبوس» و «برشلونة.. ألف عام من تاريخ مدينة» .. إلخ.. وساهم المؤلف في العديد من «الأطالس» والمؤلفات الجماعية. يدرس المؤلف في هذا الكتاب الحضارات الانسانية منذ حالاتها الجنينية الأولى وحتى اشكالها الراهنة الأكثر تقدماً. ويتبنى المؤلف دراسة الحضارات الانسانية عبر تسلسل ظهورها التاريخي، وقد بدأ بالحديث عن حضارات «العوالم الصحراوية والمناطق القطبية حيث يتعرض لـ «العصر الجليدي في أوروبا» وفي «المناطق القطبية الآسيوية» وغيرها من مناطق «العالم القديم» أي بتعبير آخر يعتمد مؤلف هذا الكتاب دراسة تطور الحضارات الانسانية على أساس العلاقة مع البيئة حيث يتحدث باسهاب عن تأثيرات الصحراء والرمال والعشب والرياح والأمطار والعواصف والطمي.. إلخ.. وهذا لابد وان يستدعي للذاكرة مؤرخ آخر للحضارات وهو فرناند برودويل صاحب كتاب «قواعد الحضارات» واحد مؤسسي مدرسة الحوليات لكتابة التاريخ والتي لا تعطي الأولوية للأحداث التاريخية وإنما للسياق البيئوي والاقتصادي والسياسي التي انتجها، ويرى المؤلف ان الحضارات «تجتاز الزمن» لكنها وبكل الحالات تبقى «متجانسة» في مراكزها «بينما يمكن ان تعاني من بعض الانحرافات على الهوامش ـ المحيط. ويؤكد فرنانديز ارمستو على أهمية العصر الجليدي في ظهور أولى الحضارات الانسانية، وذلك من خلال الدور المتناقض الذي لعبه في «بناء» و«تخريب» المحيط البيئوي، حيث ان الحضارة هي بأحد تعبيراتها الرئيسية علاقة الانسان مع البيئة التي تحيط به وكان الاغريقي سوفوكليس قد وصف المسار التطوري الحضاري بأنه تهيئة الأرض وركوب الأمواج والسيطرة على البهائم بمعنى ترويضها وتدجينها، وانشاء المدن وبناء الملاجئ للحماية من الأحوال الجوية. ويبحث مؤلف هذا الكتاب أيضاً في الأنماط الحضارية ويرى بأنه من الصعب التمييز بين «الحضارة» و «الثقافة» كما انه من الصعب تحديد معايير دقيقة لـ «المتحضر» و «المتخلف» هذا إلى جانب التأكيد بأن النمط الحضاري القائل بأنه يقوم على الديمقراطية والمساواة والحرية والسلام، إنما أساء تاريخياً لهذه المقولات نفسها، لكن بكل الحالات تبقى التعبيرات الحضارية بمثابة نتاج لمسيرة تطويرية طويلة، وهي نفسها كانت موضوعاً للتطور باستمرار، ومن هنا يتم التأكيد على الخصوصية الحضارية تبعاً لـ «المنطقة» و «المجموعة» و «الحقبة التاريخية» كما يمكن الحديث في هذا السياق عن حضارة «غربية» و«حضارة اسلامية» و «حضارة صينية» و «حضارة تقليدية» ولكن بكل الحالات تبقى هناك أحكام ذاتية بعيدة احياناً عن «الموضوعية» لكن المهم هو النظر لأية حضارة ضمن اطار استمراريتها. أما معايير تقييم أية حضارة من الحضارات فإنها ترتبط بـ «طيف» كبير من العوامل له صلة بالمعتقدات الدينية والأيديولوجيات وبالنظم الزراعية والغذائية والتكنولوجيات المستخدمة ومفاهيم الدولة والفنون، ومعايير أخرى كثيرة قد تكون أحياناً ذات طبيعة تعسفية من حيث تبنيها من قبل مجموعات بشرية ورفضها من قبل أخرى قد تصفها بـ «البربرية» و«التوحش» أو «البدائية». لكن «البربرية والتوحش والبدائية» هي نفسها تعابير غائمة مشوشة ومتميزة وزاخرة بأحكام القيمة المسبقة وكان استخدامها قد بدأ فعلياً في أوروبا خلال القرن الثامن عشر خاصة من قبل نخبة أعلنت انتماءها لـ «العقلانية» في مواجهة «غرائز الطبيعة الانسانية» وبالتالي يغدو التقدم بمثابة التخلي عن الطبيعة الغريزية البدائية، وبحيث ان العودة نحو الحالة الهمجية ـ ما قبل التقدم ـ لا تكون إلا بمثابة استثناء للقواعد الحضارية، ويتحدث المؤلف ضمن هذا السياق عن دلالات حالة «الطفل المتوحش» مثل ذلك الذي قبض عليه في احدى الغابات الكبيرة بعد ان كان قد تم التخلي عنه عند ولادته فعاش بعيداً عن أية قيم حضارية. وقد اعتبر العديدون ان الحضارة تستخدم عامة للدلالة على «مرحلة تتجه فيها المسيرة التاريخية للمجتمعات المعنية بها نحو نقطة اكتمالها» ان مثل هذا التعريف يلغي مقولة أساسية يؤكد عليها مؤلف هذا الكتاب وهي ان المجتمعات هي في حالة تبدل طيلة الوقت وإنما يتم تبدلها في سبل متغايرة. كما ان معايير التبدل نفسها تتغير تبعاً لـ «تبدل الحقب التاريخية» ان مثل هذا الرأي يشكك بوضوح بأطروحة «الحضارة ـ النموذج» وبأن التاريخ لا يكرر نفسه، و المجتمعات لا يمكن نسخها الواحد عن الاخر. بتعبير آخر ان المؤلف يعارض بشدة مقولة «الأحكام المسبقة» وخاصة في ميدان التطبيقات و«الحلول الجاهزة» فالحضارات كلها تعرف أوج تطورها في لحظة ما ـ الذروة ـ ولكنهاتعرف أيضاً الأزمات، وتكون مسيرتها نحو التقدم أو نحو الانحطاط والاندحار، الحركة هي القاعدة وليست الثبات وكذلك الأحكام حيالها، هكذا يسوق المؤلف عدداً من الأمثلة التي شجب أصحابها حضارة التقدم، وفضلوا عليها الحضارة البدائية.. من هؤلاء البارون «لويس لاهونثان» الرحالة والكاتب الفرنسي الذي غادر باريس عام 1683 التي كانت آنذاك عاصمة الامبراطورية الفرنسية ليذهب إلى كندا، وألف كتاباً تحت عنوان «حوارات البارون دو لاهونثان وأحد متوحشي أمريكا» وكال فيه المديح للحياة البدائية موجهاً نقده اللاذع في الوقت نفسه للمجتمع وللحضارة الغربيين. التعريف الذي يقدمه المؤلف للحضارة يمكن تلخيصه بالقول انها نمط للعلاقة مع البيئة المحيطة بحيث تتم اعادة صياغة هذه العلاقة على ضوء الدافع الحضاري بقصد الاستجابة للمطالب الانسانية، وهو يقصد بذلك بالدرجة الأولى علاقات المجتمع المعني دون التأكيد على ان لهذه الحضارة أو تلك دلالة جيدة أو سيئة تبعاً للعلاقة الذاتية معها، ولعل أحد أهم الدروس الأساسية في هذا الكتاب يتمثل في القول بأن «الحضارات تستغل عامة الوسط البيئوي المحيط بها حتى درجة الافراط، بل غالباً حتى درجة التدمير الذاتي حسب تعبير المؤلف نفسه، وذلك على قاعدة تبني استراتيجيات خطيرة و لا عقلانية». وقد عاشت عدة مجتمعات بواسطة ما وفرته لها الطبيعة المحيطة من منتوجات ومن مأوى، وحاول بعضها ان يقوم ببعض «التحسينات» في محيطه البيئوي عبر القيام بـ «بعض التعديلات الطفيفة» وبالاعتماد على المواد التي توفرها الطبيعة ذاتها، لقد غير البشر في الطبيعة خدمة لـ «غاياتهم» وبهذا المعنى لا يقدم مؤلف هذا الكتاب «التاريخ الانساني» حصراً حيث يعتبر التاريخ بمثابة أحد «مشارب العلوم الانسانية» وإنما يدرس هذا التاريخ ضمن اطاره الطبيعي ذلك لأن «فهم الانسان يتطلب بالضرورة رؤيته ضمن باقي السياق الطبيعي الذي يعيش فيه»، كما ان أي تاريخ هو بمعنى ما بيئوية ـ ايكولوجية ـ تاريخية، ولكن هذا لا يعني رؤية مادية للتاريخ ذلك لأن المؤلف يعتبر بأن العديد من التداخلات بين الانسان والطبيعة إنما هي قائمة على مستوى الذهنية الانسانية نفسها، ثم ان الافكار هي التي اسست للحضارات، فالمدن تحقيق لشعار النظام والزراعة تترجم مفاهيم الوفرة والقوانين وليدة اليوتوبيا والكتابة تعبير عن المخيلة الرمزية، الأفكار اذن مهمة في صناعة التاريخ لكن التاريخ لا يمكن ان يكون بالتأكيد «تاريخ الفن» و «تاريخ الفكر» فقط والحضارات لايمكن الدلالة عليها تبعاً لافكارها فقط، وانما لابد من اجراء دراسات اثرية ايكولوجية وجغرافية وانثربولوجية، وهذا مافعله المؤلف بالتحديد، ذلك ان التاريخ الحضاري هو تاريخ شامل. ويؤكد المؤلف ضمن هذا السياق على أهمية الأعمال التي قدمها مؤرخان مهمان للحضارات وهما كنث كلارك ونوربرت الياس، الأول الذي أسس لمفهوم «الحضارة التي لا تقاوم»، والثاني صاحب مفهوم «الحضارة كموضوع للتاريخ الشامل» كذلك يناقش المؤلف ضمن هذا السياق أيضاً مقولات «صموئيل هنتنجتون» صاحب كتاب «صدام الحضارات»، ولا يرى بأن التباين بين الحضارات والذي قد يصل أحياناً إلى «التضاد» قد أصبح هو محرك النزاعات القادمة، بعد ان احتل في الموقع نفسه الذي كانت تحتله «الايديولوجيات» حتى نهاية الحرب الباردة. ان المؤلف يقدم في هذا العمل عدة أسباب جوهرية للربط بين الانسان والطبيعة في تصنيف الحضارات، وفي مقدمة هذه الأسباب كون ان «الطبيعة المحيطة تمثل واقعاًحقيقياً وموضوعياً». فالأمطار والرمال والجو الحار والبارد والغابات والمناطق المتجمدة، تشكل كلها عناصر فاعلة في أي تكون حضاري وفي طبيعته، ثم ان مفهوم الحضارة نفسه بالصيغة السائدة إنما هو نتاج القرن الثامن عشر في أوروبا أي الفترة التي حاول فيها المهتمون تفسير مسيرة التطور الانساني بعيداً عن أية علاقة مع باقي عناصر الطبيعة المحيطة بتلك المسيرة والخروج من حالة «التوحش» بواسطة أنواع السلوك الانساني. إن المؤلف يعود للتأكيد على أهمية الوسط المحيط في المسيرة الحضارية الانسانية ويجد لدى المؤرخ البريطاني الشهير «أرنولد توينبي» رائد «الأيكولوجية التاريخية» نقطة استناد أساسية في بحثه