بيان الكتب: فلورنس امالو، هي صحفية في جريدة «لوموند» الباريسية. وهي تكرس هذا الكتاب لـ «عالم الاعلانات» حيث «تذهب» وسائل الاعلام «أبعد مما ينبغي»، كما جاء في العنوان الفرعي لهذا العمل. ان عنوان الكتاب بحد ذاته يحمل «حكماً قيمة» وذلك على غرار الكتب الاخرى التي تحمل صفة «الاسود» مثل «كتاب الشيوعية الاسود» و«كتاب النازية الاسود». ومن اهم المواضيع التي تتعرض لها المؤلفة استغلال جسد المرأة في الدعاية والاعلان. تقول: «ان صورة المرأة الغبية المهذبة او الجميلة السهلة هي الصورة المطلوب منا ان نصحبها جماعياً. وهذا امر مؤذ بالنسبة للمرأة. «...». وتحت غطاء تطور الذهنيات لقد اصبحنا بمثابة حيوانات اعلانية ودعائية للعرض... او لاظهارنا بصورة نساء متسلطات يسيطرن على الرجال». والمرأة اصبحت بمثابة سلعة اعلانية حتى بالنسبة لابسط الاشياء مثل اقراص السكر التي لا تحتوي على حريرات «كانداريل» حيث تبدو امرأة جميلة مع شعار: «انا لم اخترع البودرة لكنني اعرف كيف استخدمها». وبالاعتماد على احصائيات نشرتها مؤسسة «كريستيان ديور» الباريسية بدا ان مبيعاتها قد ازدادت بنسبة 35% منذ ان اعتمدت تبني السياسات الاعلانية والدعائية. هذا ان دل على شيء، فإنما يدل على ان الامور تسير على افضل ما يرام في مجال «صناعة» الازياء الراقية الفرنسية الشهيرة.. لكن مثل هذا التفاؤل يخبو بعد عدة صفحات فقط عندما نقرأ: «يشير الخبراء على ان العنف والتحرش والعدوانية قد اصبحت بمثابة ممارسات تتعرض لها الفتيات المراهقات الى درجة لم تكن معهودة من قبل». لكن بكل الحالات بقي استخدام آليات عرض الجسد بمثابة الميدان المفضل لدى «المبدعين» في مختلف ميادين الدعايات والاعلانات، وحتى الاكثر حيادية منها. ومن الملاحظات التي تؤكد عليها المؤلفة هناك «قلة» بل «ندرة» استخدام ابناء العرق الاسود، رجالاً ونساء، في الدعاية والاعلان الا باستثناء الحالات التي يراد بها توجيه النقد لمخلفات الثقافة الاستعمارية او في بعض الدعايات حيث يتم البحث عن اعطاء بعض «الطعم الغريب» لقهوة او لأحد العطور مثلا. وتروي المؤلفة «فلورنس امالو» في هذا السياق حكاية ذات دلالات كبيرة وهي ان احد المعلنين كان يشاهد الدعايات التي كانت تحضرها وكالته المعتادة للدعاية فما كان منه الا ان صرخ فجأة «لكن من الذي وضع لي كل هؤلاء السود». واذا كانت مؤلفة هذا الكتاب تنتقد بشكل لاذع مضمون الاعلانات الدعائية، خاصة من حيث استغلالها لكل «تقنيات الاستعراض»، فإنها توجه نقدها ايضا لـ «الطرق» المتبعة في الاعلان ولاسيما ما يتعلق منها بالعمل على «تقليد» الامريكيين. وأخطر ما في هذا الامر محاولة المعلنين ادخال دعاياتهم الى صفوف الدراسة، بل والى الكتب المدرسية المساعدة، الامر الذي اصبح واقعاً في الولايات المتحدة الامريكية.. ثم ان احد المستفيدين الرئيسيين من زيادة حجم الدعايات واتساع طيفها يتمثل، اي المستفيد، في مصلحة البريد حيث يتم «اغراق» السوق بالكتيبات والدعايات من كل صنف ولون. وتشرح المؤلفة في احد فصول هذا الكتاب الآليات التي تتبعها الشركات الكبرى من اجل جني اكبر ما يمكن من المكاسب بأية وسيلة. وهكذا قام مختبر «بفيزر» المعروف لصناعة الادوية بـ «اختراع» مرض من اجل فرض منتوج دوائي كان قد انتجه ويباع باسم «فياجرا» خارقة بذلك وبطريقة ملتوية، على قوانين منع القيام باية دعايات للادوية. ولا تتردد المؤلفة ضمن هذا السياق في تقديم ارباب صناعة التبغ كمهربين دعائيين. وفضلاً عن هذا كله تشارك الدعايات في صناعة الخيارات الايديولوجية اذ انها تدفع العديد من المشتركين الى اختيار هذه المطبوعة او تلك تبعاً ل«الهدية» التي يتم اقتراحها بحيث ان عدد الذين يشترون صحيفتهم او مجلتهم من امكنة البيع المخصصة لذلك يتقلص اكثر فأكثر. لكن العالم يتبدل ولابد لاصحاب وكالات الدعاية ان يأخذوا ذلك في اعتبارهم عندما يقومون بصياغة سياساتهم التجارية بحيث يجددوا دعاياتهم كي تتماشى مع روح العصر. فهذا الميدان من النشاط الاقتصادي لا يقبل تبني موقف محافظ فالتجديد مطلوب بشكل مستمر. بل وليس المطلوب فقط في الدعايات التأقلم بالسهولة، التي تتأقلم فيها الحرباء مع محيطها وانما ينبغي ايضاً استشراف المستقبل والمساهمة في صناعة ملامحه.. هذا في وقت مطلوب فيه من الدعاية والاعلان المساهمة في ايجاد لغة تحمل قدراً اكبر من اللين في هذا العالم القاسي الزاخر بالعنف والحروب. ولعل من اهم فصول هذا الكتاب هو الذي تتحدث فيه عن حرية الصحافة: المساومة الدعائية، كما جاء في عنوانه ـ وتفتح المؤلفة في بداية تحليلاتها قوسين للحديث عن مطبوعة فرنسية اسبوعية فاق عمرها النصف قرن من الزمن وهي لوكانا اتشينيه، اي البطة المصفّدة التي تشكل استثناء في فرنسا. اذ ان هذه المجلة الاسبوعية الساخرة رفضت بشكل قاطع تخصيص اية مساحة من صفحاتها للدعاية والاعلان. ثم ان غياب الصفحات الاعلانية ارغم الصحيفة على ان تصدر بثماني صفحات فقط لكن هذا لم يمنعها من ان تحتفظ بمكانة خاصة متميزة لدى شريحة من القراء ثابرت دائماً على وفائها لها. ان رفض هذه المطبوعة للدعاية والاعلان منحها بالمقابل هامشاً في التعبير عن مدى الضغط الذي تمارسه الشركات الكبرى، او مسئولوها في سياق معيّن، على الصحف والدوريات. هكذا كتبت لوكانا اتشينيه في عددها لاسبوع 20 ـ 25 اكتوبر من عام 2000 بان برنار ارنو حرم مجلة لونوفيل اوبسرفاتور الاسبوعية من حصتها في الحلوى ـ الجاتو الاعلانية. وبرنار ارنو هذا هو رئيس ومدير عام مجموعة تجارية كبيرة تحتل المرتبة السادسة في صفوف المعلنين بالصحافة ـ انفقت هذه المجموعة عام 1998 مبلغ 387 مليون فرنك فرنسي على الاعلانات ـ تجدر الاشارة هنا الى ان حرمان مجلة لونوفيل اوبسرفاتور من الدعايات كان سببه انتقادها لاستراتيجية برنار ارنو في عالم الاعمال. بلغت خسارة المجلة مليون ونصف فرنك فرنسي. هذا يعني ان الدعايات التي تؤمن تمويل وسائل الاعلام تثقل بوزنها دائماً على حرية المعلومات، كما تقول المؤلفة، وذلك ليس فقط عبر حجب الدعايات وخلق ضغط مالي كبير على وسيلة اعلام معينة وانما ايضاً عبر حملات دعائية موجهة.. باختصار اصبحت المؤسسات الاعلامية من صحف وتلفزة واذاعة بمثابة مشاريع كغيرها، تعود ملكيتها لمجموعات صناعية تفتقر لاية ثقافة صحفية. وتبيّن مؤلفة هذا الكتاب مدى اهمية الدعايات الاعلانية بالنسبة للصحافة حيث دلّت احصائيات الادارة القانونية والتقنية في فرنسا الحكومية بأن العائدات الاعلانية للصحافة تقارب 40% من مجمل حصيلة الحركة المالية للصحافة في منتصف عقد التسعينيات الماضي. هذا وتختلف هذه النسبة من وسيلة اعلام الى اخرى، هكذا نجد مثلاً ان صحيفة «لوموند» ارتبطت عام 2000 في مجال تسييرها المالي بنسبة 40% تقريباً بالدعايات الاعلانية التي نشرتها بينما وصلت هذه النسبة الى حوالي 70% بالنسبة لصحيفة لوفيجارو.. وفي الوقت نفسه ليس امراً نادراً ان تمثل العائدات الاعلانية باستمرار حوالي 60% من تحويلات وسائل الاعلام المختصة. وبالتالي يستطيع كبار المعلنين ممارسة ضغطهم بالاتجاه الذي يريدونه، هذا لا سيما وان الصحافة التي تجتاز ازمة مالية في الفترة الراهنة، تجد معيناً لها في العائدات الاعلانية من اجل المقاومة وربما البقاء. وتتم في هذا الاطار مناقشة الآليات التي تحكم اختيار وسيلة الاعلام هذه او تلك من اجل الاعلان فيها ان المعيار الاول يتعلق بالهدف الذي يتم العمل للوصول اليه، كما يؤكد المعلنون عندما يتم سؤالهم عن المنطق الذي كان وراء اختيارهم لوسائل الاعلام التي ستضم حملتهم الدعائية. اي ان المعلنين لا يهتمون سوى بعدد ونوعية القرّاء، او المشاهدين، الذين يسعون للوصول اليهم وتعريفهم على منتوجاتهم، هذه هي القاعدة العامة، لكن مؤلفة هذا الكتاب تؤكد على وجود استثناءات في فرنسا لهذه القاعدة اذ ينبغي على وسائل الاعلام الفرنسية ان تأخذ باعتباراتها ايضاً معايير ايديولوجية. بتعبير اخر من الافضل تبني القيم الليبرالية للمعلنين اذا ارادت وسائل الاعلام ان ترى لون الاموال الاعلانية. وتفتح المؤلفة في هذا السياق قوسين لمناقشة تجربة مجلة ماريان الاسبوعية التي انطلقت عام 1997 والتي استطاعت ان تتواصل الى رقم مبيعات اسبوعي يقارب المئتي الف.. ولكنها لم تستطع ان تحظى الا بقسط ضئيل من الدعاية، الم تنتقد على احد اغلفتها مجموعة داسو ـ شركة صناعة طائرات الميراج ـ او مطاعم مكدونالد؟!. باختصار ان مثل هذا التوجه دفع نحو وضع هذه المطبوعة على هامش الخطط الاعلانية