بيان الكتب: المساهمون في هذا الكتاب هم مجموعة من الباحثين الاخصائيين في مختلف فروع العلم الاجتماعية من مؤرخين وباحثين اجتماعيين وانثروبولوجيين وجغرافيين ومهندسين معماريين.. وينتمون الى عدة جامعات ومراكز بحث فرنسية وعالمية وخاصة المركز القومي الفرنسي للبحث العلمي. يبحث المساهمون في هذا الكتاب العديد من المسائل المتعلقة بالتمدين، بمعنى العمران المديني في العديد من مناطق العالم ومدنه الممتدة من بيونس ايرس في الارجنتين وحتى طهران والقارة الافريقية، واذ كان الاهتمام بمسألة التمدين و«شغل المكان» وعلاقة مخططات البناء بالوسط البيئي المحيط قد برز خلال النصف الثاني من القرن العشرين، فإنه يمكن مع ذلك القول بأن القواسم المشتركة شبه معدومة بين مدن مثل مكسيكو وطوكيو ومدريد. وفي الوقت نفسه دفع التعاظم الكبير لظاهرة التوسع المديني والتوسع العمراني بالنخب الى البحث عن تسميات للدلالة على «المحيط المديني» الجديد. واثناء فترة التمدين الكبرى التي شهدها النصف الثاني من القرن التاسع عشر حاولت النخب، التي فاجأها التبدل الحاصل، ان تستمر في تسمية المدن على اساس «اللغة الادارية» الجارية فكيف تم الانتقال بعد ذلك من المدينة «التقليدية» الى المدينة ـ السوق؟ والتي عرفت قاموساً ولتسمية مجالات مدينية برزت مثل «المركز» و«المحيط» و«المجموعة المديني.. اي المدينة وضواحيها».. الخ، هذا وتتوزع مساهمات هذا الكتاب حسب فترات مختلفة تاريخيا للتوسع المديني الذي كان كثيفا في النصف الثاني للقرن التاسع عشر ثم في عقد الثلاثينيات من القرن العشرين حيث تم دراسة عدة نماذج من المدن هي مدريد وبيلباو والقاهرة وبيونس ايرس لكن اغلبية المساهمات تخص «المجالات المدينية الجديدة» الراهنة او تخص «سيرورة لم تنقطع لعملية التمدين منذ 40 سنة». ويتم التركيز في تحليلات هذا الكتاب على التباين بين الدلالات الاجتماعية والتاريخية لتسميات «المجالات المدينية الجديدة» وبين دلالاتها «التقنية» هكذا اصبحت كلمة «ضواحي» تعني سوسيولوجيا المناطق «الصعبة» حيث تتم ممارسة قدر كبير من العنف، والمحيطة بالمدن الفرنسية الكبرى؟ بينما يستخدم خبراء المجال المديني تسميات مشتقاتها من جذر لغوي يوناني او لاتيني، ان مثل هذا التمييز يتناظر مع تمييز آخر بين الشعبي و«التقني ـ العلمي». ومنذ نهاية القرن التاسع عشر حتى الفترة الراهنة اي خلال الفترة التي شهدت حركة عمرانية مدينية كبيرة تتم ملاحظة تعاقب مستمر بين فكرة اطلاق تسمية توحيدية للمجال المديني بأكمله وبين الاتجاه نحو استخدام تسميتين يمثلان قلب المدينة ومحيطها «الداخل والخارج» بالنسبة لكل مدينة.. هذا مع الميل نحو اعطاء مثل هذا التقسيم بعدا سوسيولوجيا كما يبدو عبر دراسة نماذج مدن مثل مدريد وبيونس ايرس وبيلباو والقاهرة التي تتناولها بالدراسة السيدة «نيللي حنا» الباحثة في ميدان التاريخ والاستاذة في الجامعة الامريكية وذلك من زاوية العلاقة بين «التسميات» و«المجال المديني في القاهرة عند نهاية القرن التاسع عشر وخلال القرن العشرين». تعتبر الباحثة نيللي حنا بأن القاهرة قد شهدت خلال القرن الماضي ـ العشرين وقبله خلال نهايات القرن التاسع عشر عدداً من التبدلات على صعيد التكون السكاني كما على صعيد البنية المدينية ـ العمرانية، وقد تركزت تلك التبدلات في نهاية القرن بشكل خاص، ذلك لان الاهتمام كان قد انصب في بداياته على الاسكندرية وايضا لانه باستثناء شق شارع «الموسكي» في عهد محمد علي باشا كانت جهود الدولة قد انصبت على ميادين اخرى. وكانت مدينة القاهرة قد عرفت تبدلات كبيرة خلال فترة 1880 ـ 1920 وحيث كانت قد بدأت بالظهور «بنية مزدوجة» للمدينة والاخرى «اوروبية» بجانب المدينة القديمة وكانت كل مدينة منهما تعمل حسب منظومتها الخاصة وتتمتع بتركيبتها الاجتماعية الخاصة ايضاً. وترى الكاتبة بان مثل هذه الظاهرة قد تمت ملاحظتها ايضاً في مدن اخرى عاشت تجربة استعمارية مثل فاس في المغرب وحلب في سوريا والقدس في فلسطين. وكانت القاهرة قد شهدت في فترة نهاية القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين توسع مجالها المديني عبر بناء احياء جديدة، على الطريقة الغربية، مثل العباسية شمال المدينة وفيما بعد جاردن سيتي، والزمالك وهليوبوليس. لكن المظهر الاكثر جلاء في تطور القاهرة عند منعطف القرن المعني تمثل في تحديثها عبر قيام الدولة ببناء عدد من الصروح الكبرى مثل دار الاوبرا والمتحف والمكتبة الخديوية وحديقة الحيوان وشق شوارع بولاق والهرم ووصول الترومواي، واتساع حركة تعبيد الطرق.. ان الموديل الغربي في البناء لم يكن بعيداً عن هذه الانشاءات كلها. لكن بروز تقسيم المدينة الى احياء تقليدية، واحياء اوروبية لم يكن سوى احد جوانب التبديلات العميقة والمعقدة والتي تعمل عدة مستويات، وحيث كان قسم كبير من السكان قد تأثر بهذه التبدلات مثل تنامي الفرق بين الاحياء صاحبة الامتياز، والاحياء الفقيرة وبين الاحياء القديمة والاحياء التي تستقبل القادمين الجدد من المحافظات الى القاهرة، وشملت التبدلات ايضاً كل مظاهر المدينة باحيائها التقليدية او الجديدة، والطريقة التي تصوّرت فيها مختلف الشرائح الاجتماعية دلالاتها واستخدامها. هكذا تؤكد الباحثة بأن الشروط الاقتصادية والسياسية والثقافية والديموغرافية الجديدة لنهاية القرن ـ التاسع عشر /العشرين، تركت اثارها بطرق مختلفة على المدينتين. واذا كان ظهور أحياء جديدة ذات امتيازات له اثره على تطور المدينة ـ القاهرة ـ فإن ظهور احياء اخرى اقل امتيازاً كان له هو الاخر اثاره على المدينة خلال فترة 1880 ـ 1920 بشكل خاص. ثم ان القاموس المستخدم والكلمات والتسميات تعكس تعقيد الوضع وخاصة فيما يتعلق بالمجال المدني حيث تطور كثيراً مدلول تعابير مثل المجال العام ومركز المدينة، بل وتطور مدلول القاموس الخاص بتسيير شئون البلدية، اي ما يتعلق بالمصلحة العامة. هذا وقد تطور معنى تعبير الطريق العام حسب آليات معينة في الاحياء التقليدية والاحياء الحديثة وبطريقة متباينة بالنسبة للطريقة التي وعت فيها الشرائح الاجتماعية المختلفة المجالات المدينية، الجديدة، وبمعنى ما يمكن دراسة التحولات الاجتماعية في فترة معينة من خلال تطور الكلمات والتعابير المستخدمة في وصف المدينة. وفي القرن العشرين عرفت القاهرة تحولات اقتصادية وزيادة ديموغرافية معقولة، وفي عام 1798 قام خبراء الحملة الفرنسية باحصاء السكان الذين بلغوا آنذاك 263000 نسمة ووصل عددهم عام 1848 الى حوالي256000 نسمة، اي في نهاية حكم محمد علي باشا. لكن اعتباراً من نهاية القرن الثامن عشر تسارع ايقاع زيادة عدد السكان بشكل كبير ليصل عام 1917 الى حوالي 791000 نسمة. ولا شك ان احد الاسباب في مثل هذا التسارع يتمثل في تضاؤل انخفاض نسبة الوفيات. لكن هناك عامل اخر لا يقل اهمية وهو تدفق مجموعات سكانية نحو القاهرة من مصدرين مختلفين. المصدر الاول اوروبي الذين شجعتهم للقدوم السياسة التي انتهجها الخديوي اسماعيل ثم هناك الذين قدموا من بريطانيا اثناء الاحتلال الانجليزي حيث تواجد في مصر حوالي 80000 شخص بريطاني تمركزت اغلبيتهم الساحقة في القاهرة. وقد كان لهذا الواقع الجديد تأثيراته القوية على تطور المدينة.. واضيفت الهجرة الداخلية، اي امن الارياف نحو المدن وخاصة نحو العاصمة، القاهرة، كعامل اخر في سبيل التغيير. وقد قامت الباحثة بتمييز المناطق المدينية، تبعاً لنمط الاقتصاد الذي تتسم به هذه المناطق، اولاً هناك القطاع الاقتصادي المديني الاكثر قوة حيث تنتشر المؤسسات الاقتصادية ذات العلاقة بالخارج مثل الشركات والبنوك والفنادق والمطاعم الكبرى. وهذا قطاع يتمتع بدعم الدولة والنخب والذي يجر التمويلات والخبرات. وداخل هذا المجال المديني تحديداً توجد المنشآت التي تعطي للقاهرة صورتها الحديثة.. وحيث تسكن الشرائح الاكثر ثراء في المجتمع القاهري، وهي شرائح تجمع الاوروبيين والمصريين وتقوم بتسيير امور الاقتصاد كما تساهم بدرجة كبيرة في ادارة شئون البلاد. المنطقة الثانية المدينية في القاهرة تضم ممثلي الاقتصاد الحرفي وصغار التجار الذين يعملون في الورش والمتاجر الصغيرة. وترتبط الدورة الاقتصادية في هذه المنطقة بوجود متعاملين من اهل البلاد عامة يشكلون دعامة نشاطها الاقتصادي. ويحاول سكان هذا المجال المديني ان يحافظوا على نمط جماعي تسود فيه روح المساعدة على الرغم من اشكال القطيعة المختلفة في البنى التقليدية الاجتماعية. تجدر الاشارة هنا الى ان العديد من ممارسي الحرف لهم جذورهم التاريخية، في نفس الاحياء التي يمارسون فيها حرفتهم. لكن عدداً من الحرفيين عملوا على الاقامة والعمل في الاحياء الجديدة الحديثة.. وهكذا انشأوا فيها محلات تجارية صغيرة، سوبر ماركت او ورش للتجارة وادوات البناء. وهناك منطقة مدينية اخرى تتواجد عامة في المناطق المحيطة بالمدينة ويسكنها اناس يقدّمون خدماتهم على الطلب ويؤمنون معيشتهم بواسطة ما يكسبونه لدى الاخرين. ويعملون، بأغلبيتهم الساحقة على مبدأ «المياومة»، اي العمل وتقاضي الاجر يوماً بيوم. بكل الاحوال يعيشون حالة من الهشاشة المستمرة. واذا كانت القاهرة قد عرفت وجود مثل هذه النماذج منذ زمن طويل فإنه من الملاحظ تعاظم الظاهرة بوفود مجموعات جديدة كبيرة العدد قدمت من الارياف دون ان يكون لها اي جذر ثابت بالمدينة. ان ابناء هذه المنطقة المحيطة يعملون في واقع الامر لحساب المنطقتين، اي الحديثة (الغنية) والحرفية، ولكنهم يمارسون دورة اقتصادية خاصة بهم بعيداً عن مصالح الدولة التي لا توليهم الكثير من اهتمامها. ان الدولة، وشرطتها، تولي بالاحرى اهتمامها لـ «المنطقة المركزية» في المدينة والتي تتمتع بتواجد اكبر للمؤسسات ولاجراءات الحماية فما هو بالنسبة للمناطق الاخرى «اي الحارات القديمة والاحياء المحيطة» التي تقوم بتسيير مسائل الحياة العامة للناس الذين يقطنونها في ظل شروط اكثر فأكثر صعوبة، ولا يمكن ابداً قراءة التاريخ انطلاقاً من القوانين والتشريعات التي يجري سنّها من فوق، ولا يعرف الاخرون سوى القليل عن الاحياء المحيطة، وظروف حياة الشرائح الاجتماعية فيها ومدى الهامشية التي تعاني منها بحيث انها يمكن ان تندفع نحو مختلف انواع الجماعات والتنظيمات، لك لا شك ايضاً بأن عملية التحديث قد ساعدت على انتشار المنشآت ذات النفع الجماعي مثل وسائل النقل والمواصلات العامة والمستشفيات ومختلف المؤسسات التعليمية. وكما هو الامر بالنسبة للقاهرة تتم في هذا الكتاب دراسة المجالات المدينية الجديدة في مدن اخرى مثل طهران وبيونس ايرس ومكسيكوسيتي ومدريد وبعض المدن الموريتانية.. الخ. كتاب عن المدينة.. ومحاولاتها ومنشآتها ورموزها.. وقواعدها بمعنى النحو والصرف، قبل اي شيء