بيان الكتب: تحتل اعمال الكاتب والروائي والمسرحي التشكيلي ايفان كليما مكانة مرموقة بين اسماء عدد من اهم الكتاب التشكيليين العالميين المعاصرين ومنهم مواطنه الروائي العالمي «ميلان كونديرا» والمسرحي الشهير، «فاكلاف هافل» وفي الأوساط الثقافية والنقوية الغربية يوصف كليما بأنه «كاتب في قمة تكوينه الروائي ولا يستغرب القارئ هذا الوصف سواء أطلقه الغرب على كليما أو على غيره من الكتاب التشيك حيث يشكل أدب أوروبا الشرقية أهم ظاهرة شهدتها أوروبا على المستوى الابداعي خلال الثلاثين سنة الأخيرة. إلا ان كليما وبقدر ما تمثله أعماله من أهمية لدى القارئ الغربي المهتم بمتابعة الشئون الثقافية لمنطقة شرق أوروبا بقدر ما تجسده هذه الأعمال من عدم الاهتمام بها في الأوساط الثقافية في براغ على الرغم مما يمكن وصفه بتوفر هامش معقول من الحرية السياسية «منذ ايام الثورة المخملية سنة 1989» الذي أتيح معه لمواطنيه التعرف على أعماله الأخيرة ومنها رواية «لا قديسون ولا ملائكة» الصادرة باللغة الانجليزية في طبعتين أمريكية وبريطانية عن دار جروف اتلانتك الأمريكية ودار جرانتا البريطانية في شهر اكتوبر الماضي. ايفان كليما في روايته الأخيرة «لا قديسون ولا ملائكة» وهي اذا أمكن القول «مشهد الحياة في مدينة براغ» يبدو وكأنه يقوم بتفكيك هذا المشهد الحي الذي يرمز له بحالة التفكك والضياع العاطفي الذي تعيشه العائلة التشيكية والذي تظهر من خلاله شخصياته المثقفة غارقة في التشتت وهي تحاول ان تزيح عن كاهلها عبء التفكير في تاريخها الشيوعي السابق على نحو يقترب من حالة الانسلاخ. من هذا المنظور تطرح أعمال كليما تلك الاشكالية التي يعاني منها عدد كبير من كتاب ومثقفي دول أوروبا الشرقية الذين يطاردهم الماضي الضارب بجذوره في الحقبة الشيوعية السوفييتية والواقع الذي ينظر إليهم بلا مبالاة بينما يبحث أغلب هؤلاء عن حل وسط لتلك المعادلة الصعبة هو ما يعتبره كليما المصالحة مع الذات الكبرى. في مقابلة له أجرتها صحيفة نيويورك تايمز عبر ايفان كليما عن استيائه مما يسميه بخيبة الأمل التي يشعر بها كمثقف هو وغيره من الكتاب والنقاد التشيكيين تجاه ما كانوا يعتقدون انه حالة الانفراج التي توقعوا لها ان تجتاح الحياة الثقافية بمجرد افول نجم الحقبة السوفييتية وهو مالم يتحقق بالفعل كما عبر عن موقفه ممايسميه بظهور حالة التفاؤل الذي روجت له التوقعات القائمة على الأساس الضعيف غير المنطقي للمثقفين الغربيين التي دأبت على المبالغة في تصوير حجم الانفراج بعد ثورة 1989 لاعتقادها بأنه النتيجة الحتمية. وإذا كانت آراء كليما تبدو فلسفية في تصويرها للواقع أكثر من ميلها إلى التشاؤم فإن جزءاً من ذلك ربما كان يتعلق بعدم قدرته على الافلات من السؤال عما إذا كان هذا الانسان الذي عاش في المجتمع التشيكي كجزء من النظام السياسي السابق قادر على التعاطي مع واقع شديد الاختلاف كهذا الواقع الذي تعيشه شخصيات روايته التي يستعرض حياتها على مدى ثلاث مراحل تاريخية هي مرحلة الحرب العالمية الثانية والمرحلة الشيوعية ومرحلة ما بعد انهيار المد الشيوعي السوفييتي. وإذا كان هذا التداعي هو مما يهم قارئ الرواية التاريخية التي يمثل كليما أحد أقطابها فإن الدور الذي تلعبه شخصياته المثقفة من جانب آخر لا يقل أهمية في هذا السياق فبطلة روايته «كرسينا» هي شخصية المثقف الذي يلاحقه الماضي بظلاله الثقيلة بدءاً بتاريخ ميلادها في يوم يشكل في حد ذاته منعطفاً تاريخياً مهما في تشيكوسلوفاكيا وحدها، وإنما على مستوى القرن العشرين بأكمله هو اليوم الذي يرحل فيه الزعيم السوفييتي «ستالين» عن الحياة وليس ذلك فحسب، وإنما هي المرحلة التي يشعر فيها بالتمزق الحقيقي بين مشاعر الفرح ومشاعر الألم بين حياتها النزقة المتواضعة في مجتمع براغ في بيت تعيش فيه مع ابنتها «جانا» الفتاة المدمنة لتوازن بين حياتها السابقة في هذا المجتمع وبين حياتها الجديدة المترتبة على ذلك كنتيجة حتمية. ويظهر كليما في قمة ابداعه أيضاً عندما يرمز إلى تلك التحولات بالذكريات اليائسة المؤثرة التي تلعب دوراً مهماً في تكوين بطلته النفسي السيء خاصة بعد انفصالها عن زوجها ورحيل والدها الدكتاتور الستاليني السابق وبين شعور اليقظة الذي ينتابها فجأة، وبين هذا البعد الانساني الذي تجسده مأساتها كأم وكامرأة عاملة «طبيبة أسنان» يتجاذب القارئ شعور قوي بالتعاطف مع محنة المهنيين والمثقفين في مجتمع براغ الجديد. ان جزءاً مهماً من الواقع الحياتي التشيكي الجديد غير المتوازن في تعامله مع مخلفات المرحلة الشيوعية السابقة ومنها الانسان ذلك التهميش الذي يعيشه المثقفون والمهنيون يقول كليما: من الصعب على المرء ان يمسك بجوهر الحياة في المجتمع التشيكي في مرحلة ما بعد الثورة المخملية وبينما كان المتعاطون مع المسرح يحلمون على سبيل المثال بمسرح يعرض أعمال «أونسكو» مثلاً فإنهم وبعد ان تحقق لهم ذلك لا يجدون من بين المثقفين من يقدر على دفع ثمن تذكرة حضور العرض المسرحي. وفي صيف سنة 1998 حسب رواية كليما تنشأ بين كرسينا (45 عاما) وبين جان هونزا (30 عاما) علاقة عاطفية وهي على الرغم من انها علاقة غير متكافئة إلا ان كرسينا تبدو مشدودة إليها لمبررات كثيرة منها ان هونزا هو ابن مواطن اقدم النظام السابق على اغتياله في الخمسينيات في حين انه يعمل الآن لدى الحكومة التشيكية ضمن نخبة تم تشكيلها للتحقيق في جرائم النظام الشيوعي السابق وعلى الرغم من أهمية هذه المبادرة إلا ان أحداً لم يكد يشعر بالارتياح من اكتشافاته الجديدة إذ سرعان ما يتم حل اللجنة تحت ضغوط متزايدة من الحكومة التشيكية ويسرح أفرادها على نحو شديد البساطة شأنهم شأن غيرهم من المثقفين والمهنيين. تلك التحولات تزداد قتامة عندما يمتد الصراع لتتوسع جبهة المواجهة في المرحلة الجديدة رغم احاطتها باطار من الحرية على نحو لم يتوقع معه أحد ان يتحول إلى مرحلة صراع حقيقي على مستوى القيم الاخلاقية المادية الجديدة التي تهدد كيان الأسرة التشيكية الذي ظل متماسكا طوال العقود السابقة رغم كل شيء. ان مجتمع براغ كما تصوره رواية كليما وعلى الرغم من انه ليس «مجتمع باريس الجديدة» كما يصوره الغربيون إلا انه مجتمع ممزق وحتى كرسينا نفسها تعيش ممزقة بين تفكيرها في نفسها وتفكيرها في ابنتها وبيتها وبين معاقرتها الخمر وتعثرها العاطفي وبين تورط ابنتها في مشكلة الادمان على المخدرات وهو ما يعرفه القارئ من خلال الانتقال بالحوار من كرسينا «الرواية الأساسية» وبين جانا التي تعيش حالة الانسلاخ الحقيقي. على الرغم مما تتميز به كرواية تاريخية إلا ان هناك العديد من الموضوعات الأخرى التي لا تقل أهمية في مساهمتها في البناء القصصي لرواية «لا قديسون ولا ملائكة» منها ما يشير إلى جملة من التحولات المهمة في حياة المجتمع التشيكي كموضوع المرأة والاجهاض والعلاقة بين الرجل والمرأة والخواء العاطفي المترتب على عدم التزام الرجل تجاه المرأة إلى جانب الموضوعات الفلسفية الجانبية الأخرى المتعلقة بالوقت والعبثية ولا جدوى الحياة في هذا الزمن الذي يعتبره أبطال كليما قصيراً للغاية وغيرها من الأسئلة التي لايمكن الاجابة عليها. وبالوضوح نفسه تعبر جانا عن نفسها بلغتها كفتاة مراهقة لتزيد من اعجابنا بكليما العجوز فعلى الرغم من انه رجل طاعن في السن (71 عاما) إلا انه يقتحمها داخلياً بهذه اللغة المليئة بالطلاسم التي تعبر عن حالة الفوضى والخواء والانانية والكآبة التي تعيشها فتاة في الخامسة عشرة وتبدو من خلالها شديدة الاقناع بالنسبة لك كقارئ . ان ما يريد ان يقوله كليما في رواية «لا قديسون ولا ملائكة» لا يبدو شيئا سهلاً على الاطلاق لاسيما واننا ندرك جيداً انه يسعى في الاساس الى رسم صورة واقعية للمرحلة التي يعيش فيها ولمشكلات ميتافيزيقية عويصة. ان جمهورية التشيك كما يقول هي من اكثر دول اوروبا الشرقية معاناة من شبح الماضي كما ان سكانها هم الاكثر معاناة من مشكلة الافتقار الى الموهبة التي تجعلهم يتصالحون مع تاريخهم الطويل. بين عامي 1962 و1994 كتب كليما مجموعته القصصية «عشاق ليوم واحد» وهي مجموعة تتألف من 12 قصة قصيرة وعلى الرغم من ان المجموعة في مضمونها جزء من هاجس الموازنة بين براج الحقبة الشيوعية وبراج مرحلة ما بعد هذه الحقبة إلا انه كان قد كتب الجانب الاول منها وهو في الثلاثينيات من عمره في اثناء اقامته في جمهورية تشيكوسلوفاكيا قبل انفصال جمهوريتي التشيك وسلوفاكيا فيما كتب الجزء الثاني وهو في الستينيات من عمره في وقت كانت فيه كل من مصطلحات الكتلة الشرقية وجمهورية تشيكوسلوفاكيا قد انتهت ليقتصر وجودها على صفحات كتب التاريخ ليس إلا وهو ما يشكل فارقا حقيقيا في موضوعاتها المتنوعة المرتكزة حول هاجس التحول. تنقسم مجموعة عشاق ليوم واحد الى ثلاثة اجزاء الجزء الاول منها يحمل عنوان «عشاق لليلة واحدة» ويبدأ في سنة 1964 بقصة «اعدام حصان» وهي قصة يدور موضوعها الرئيسي حول فلسفة الموت لدى كليما الموت كواقع يهيمن على تصرفاتنا وكل تفاصيل تجربتنا الحياتية بما فيها تجربة الحب، وهي فلسفة ذكية ولو انها تبدو هزلية في بعض الاحيان ومثيرة للشهوة في بعضها الآخر. وبطلة القصة كاثرين امرأة شابة تخرج في نزهة الى الريف هي وصديقها تاجر الجلود وفي اثناء تجوالها معه تتكشف له مأساة الحيوانات التي يربيها لفترة قصيرة من اجل قتلها والمتاجرة في جلودها ومن بين تلك الحيوانات حصان عجوز تقدم له السكر وتتعاطف معه ثم تأتي لحظة اعدامه امام عينيها لتحملها على التفكير في تلك التجربة القاسية بقتامة تطفيء النور وتجلس على كرسي هزاز وفي تلك اللحظة تحس بالذعر من هذه الفكرة الحب في حقيقته كالحياة فأنت تعرف انه سيئول الى نهاية سيئة وانه سينتهي في وقت قريب وانه لا امل في استمراره ومع ذلك تواصل الحياة. وهكذا يستمر الناس في ممارسة الحب بنفس الطريقة التي يعيشون بها. وفي الجزء الثاني حتى بطلة كليما في قصة اخرى تبدو محاصرة بالاسئلة نفسها، يبدو ان شيئا لن يحدث على الاطلاق وعندما يسألها حبيبها.. وما هو هذا الشيء؟ تجيبه.. شييء مختلف يشعرك بالحركة، ألم يأن الوقت لحدوث ثورات مثلا؟ لكن الموعد الغرامي بين الموظفة الجامعية وبين حبيبها الطالب في جامعة براغ ينتهي بقبلة على خدها وهما يفترقان ليغادرا مخبأهما خلف العربة الصغيرة في الساعة الرابعة صباحا دون التوصل الى حل يذكر لمشكلة الحب تلك. في الجزء الثالث والاخير من مجموعة عشاق ليوم واحد الذي كان كليما قد كتبه في مرحلة متأخرة من الثمانينيات والتسعينيات يعود كليما ليحملنا على التفاؤل بأنه حتى تلك التجربة التي كنا ننظر اليها بتشاؤم «تجربة الحب» يمكن لها ان تدوم طويلا لانها تجربة لا يمكن الحكم عليها لمجرد كونها مولودة من الخوف. في رواية «الحميمية المطلقة» يتجلى مستوى كليما الابداعي في قمته على نحو تمكن مقارنته بجراهام جرين في روايته «نهاية علاقة غرامية» فبينما يمكن للكثير من الاعمال الروائية ان تلقي نظرة سريعة على اي من الموضوعات الهامة نجد ان كليما في هذه الرواية يتصدى وبشكل يدل على براعته الفنية والتقنية الى التركيز على اربعة موضوعات رئيسية هي الحب والسياسة والدين والاخلاق والقيم والعائلة. يطرح كليما وجهة نظره في هذه القضايا من خلال المأساة التي يعيشها بطلاه وهما قس وامرأة تنشأ بينهما علاقة غير مشروعة وفي هذه الاثناء يفسح للقاريء المجال للتعرف الى كل منهما بسرده تاريخا مؤلما للمرأة التي قبل حضورها القداس ذات يوم كانت تعيش حياة زوجية غير عادية مع زوجها القاسي الذي لم يكن ليتورع عن ايذائها بأي طريقة ليدفع بها الى الشعور بالوحدة وعدم الشعور بالاكتمال العاطفي والتورط في تلك العلاقة المحرمة، والشيء نفسه يفعله كليما مع القس المتزوج من امرأة اخرى غير زوجته الاولى والذي يمضي معظم اوقاته اما في البحث عن ابيه الذي اختطفه رجال الشرطة السريون ذات يوم واما في التعامل مع تجار ومدمني المخدرات، وبين هذا وذاك يتركنا للتفكير فيما يمكن ان يحدث بين العاشقين وهو ما نتعرف اليه من خلال قراءتنا لمذكرات القس ورسائله المتبادلة مع تلك المرأة ومع اصدقائه وافراد اسرته، وهناك الكثير مما نتعرف عليه في اثناء ملاحقتنا الجانب السردي على لسان هذا الرجل «الراوي». وروايات كليما وان كانت موضوعاتها تتمحور حول هاجس التحول السياسي في بلاده بوجه عام إلا انها تشتمل على خطاب اخر لا يقل اهمية هو خطاب الحياة بمعناه الواسع بما في ذلك الديكتاتورية والرقابة والحب وشعورك بأن روح كافكا الابداعية مازالت حاضرة لديه. ربما تذكر المرء ذلك بشكل اكبر لدى قراءة عمل كرواية «الحب والنفايات» قصة اكاديمي شهير يجبر على ترك مهنته ليقوم بوظيفة عامل نظافة يتنقل بمكنسته في شوارع براغ فيجد القاريء نفسه مشدوداً الى متابعته على الرغم من انعدام الحوار والتطور البطيء للاحداث في بداية هذا العمل مما يوحي بالفعل بأن رواية كليما رغم سهولة لغتها وبعدها الانساني إلا انها غير مصممة لان تكون سهلة القراءة