بيان الكتب: هذا الكتاب جزء من مشروع معرفي طموح ينبغي تشجيعه ومؤازرته لكي يجد طريقه إلى النور كما يريد له القائمون على تنفيذه. فحسبما يقول محمد أحمد خليفة السويدي في كلمة تمهيدية في مقدمة الكتاب فإن الكتاب جزء من سلسلة قد تبلغ المئة كتاب، تهدف إلى بعث واحد من أعرق ألوان الكتابة في ثقافتنا العربية من خلال تقديم كلاسيكيات أدب الرحلة إلى جانب الكشف عن نصوص مجهولة لكتاب ورحالة عرب ومسلمين جابوا العالم ودونوا يومياتهم وانطباعاتهم ونقلوا صورا لما شاهدوه وخبروه في أقاليمه قريبة وبعيدة بما يحقق هدف الكشف عن طبيعة الوعي بالآخر الذي تشكل عن طريق الرحلة والانتباهات التي ميزت نظرتهم إلى الدول والناس والأفكار.. فأدب الرحلة على هذا الصعيد يشكل ثروة معرفية كبيرة ومخزنا للقصص والظواهر والأفكار فضلا عن كونه مادة سردية مشوقة تحتوي على الطريف والغريب والمدهش مما التقطته عيون تتجول وأنفس تنفعل بما ترى ووعي يلم بالأشياء ويحللها ويراقب الظواهر ويتفكر بها وهو ما يمكننا من التأسيس للمرة الأولى لمكتبة عربية مستقلة مؤلفة نصوصاً ثرية تكشف عن همة العربي في ارتياد الآفاق. وتنبع أهمية النص الذي يرد بين صفحات الكتاب من أنه أقدم نص عربي عن القارة الأمريكية وضعه الرحالة العراقي إلياس حنا الموصلي صاحب أول سياحة في الأمريكتين الجنوبية والوسطى ليكون بذلك أول رحالة شرقي يغامر في الوصول إلى العالم الجديد آنذاك في النصف الثاني من القرن السابع عشر مما يجعل من مادة الكتاب وثيقة فريدة من نوعها عن أوضاع القارة الأمريكية في فترة من أهم فتراتها. لقد جاءت رحلة الموصلي في فترة ثرية شهدت فيها القارة الأمريكية حمى بناء المستوطنات والبحث عن الذهب والفضة وانتشار العبودية ونشاط ديوان التفتيش الكاثوليكي وعمليات التنصير والتعذيب والإبادة التي مارسها المستعمرون الأسبان ضد أبناء القارة الأمريكية غير أن صاحبنا للأسف لم يقدم لنا سوى لمحات جد قليلة من هذه الجوانب وقد يكون لهذا أسبابه وهو ما سنعرض له في سياق تناولنا للوثيقة موضوع الكتاب. ومما يشار إليه هنا أن الوثيقة سبق أن نشرت في دورية (المشرق) والتي كان يحررها أب يسمى رباط في أوائل القرن الماضي. وحسبما يذكر الأب رباط الذي يورد نوري الجراح المحرر للكتاب كلامه في المقدمة فإن الوثيقة عبارة عن مخطوطة مجلدة تجليدا تشمل إلى جانب نصها الذي نعرض له تاريخ أمريكا والغزو الأسباني لها وضعها الموصلي استنادا إلى مؤرخي الحملات الأسبانية وأهملها رباط لكونها ليست من أصل الرحلة. وإزاء عدم تحقيق الغرض منها جراء صدورها في دورية حسبما يشير نوري الجراح فقد كان الاتجاه إلى صدورها في كتاب. وأما عن شخصية الرحالة صاحب الوثيقة فهو إلياس بن القسيس حنا الموصلي الكلداني، يذكر البعض أن له اخوة لعبوا أدوارا مهمة في الحياة الدينية والاجتماعية ما بين الموصل وحلب ويرجح أن يكون قد توفي ودفن في روما وهو ينتسب إلى عائلة قدمت للحياة الروحية عددا من البطاركة السناطرة وارتبط هذا البيت بصورة وثيقة مع الفاتيكان. ورغم تواضعه إلا أن نوري الجراح استطاع أن يقدم اضاءات كثيرة كان لها أثرها في تقديم الوثيقة بالشكل الذي ينبغي أن تقدم به للقاريء العادي. وقد عزز ذلك تزويده للوثيقة بملاحق هامة هي ما كتبه الأب رباط والمستشرق الروسي أغناطيوس كراتشكوفسكي. وقد قسم الجراح الرحلة إلى أربعة أجزاء بما يسهل على القارئ قراءتها حسب مراحلها الجغرافية.. الجزء الأول هو الرحلة الأوروبية من بغداد إلى لشبونة ثم الرحلة الأمريكية من مدريد إلى كاراكاس ثم الرحلة المكسيكية من تابوكا إلى مكسيكو ثم رحلة العودة من مكسيكو. انطلق الموصلي إلى روما قاصدا أولا زيارة الأماكن المقدسة في رحلته من بغداد سنة 1669 فمضي في اتجاه دمشق برفقة الطوبجي باشي القبرصي ميخائيل كوندوليو مدبر الطوبخانات الشاهانية (المدفعية) في السلطنة العثمانية ومعهما جماعة من المرافقين ومن هناك اتجه إلى القدس ووصلها في نهار عيد القيامة وعاد إلى حلب ومنها نزل إلى ميناء اسكندرونة ومن هناك أبحر إلى قبرص على ظهر مركب انجليزي فزار قبر اليعازر في مدينة لارناكا ثم أبحر متجها إلى البندقية فعرج في طريقه على جزيرة كريت وجزر أخرى في المتوسط. وقد طالت رحلته فلم يدخل ميناء البندقية إلا بعد مرور سبعين يوما على مغادرة ميناء اسكندرونة وهناك أودع قيد الحجز الصحي مدة أربعين يوما ومن البندقية سافر إلى روما والتقى البابا ثم غادر في اتجاه فرنسا فتجول في مدنها وزار باريس وأقام في العاصمة الفرنسية نحو ثمانية أشهر وقام بأعمال الترجمة لدى الملك لصالح موفد السلطنة العثمانية وفي إيطاليا التقى شخصيات كبرى وحمل إلى البلاط الأسباني رسائل من البابا اكليمونس التاسع وسلمها إلى ملكة العرش الإسباني وتسلم منها خطابين إلى وزيرين لها في نابولي وصقلية بصرف مبالغ من المال فمضى في جولات مكوكية بين المقاطعات الإيطالية وجزيرتها باءت كلها بالفشل وفي مدريد استقبلته الملكة ثانية وأبلغها برفض وزيريها الانصياع لأوامرها ثم ينتقل الموصلي إلى لشبونة وهناك يحل ضيفا على الأمير دون بيدوا لسبعة أشهر ويلتقي أم الملك كارلوس الرابع والوصية على العرش ثم يعود إلى مدريد ويقيم في ضيافة الأمير الدوق ده اوبرو وفي قصره يتعرف إلى مربية الملك التي استخرجت له تصريحا للقيام بأعمال القداس للملك في كنيسة فيعجب الملك به. وفي هذه الأثناء يلتقي رئيس ديوان التفتيش وفي الفترة نفسها وتقديرا له على أعماله تأمر الملكة مربية الملك بأن تسأل الموصلي إن كان يطلب شيئا تنعم به عليه فيستمهلها الوقت ويستشير أصدقاءه وعلى رأسهم رسول البابا في مدريد الكاردينال ماريسكوتي فينصحونه بأن يطلب من الملكة الحصول على تصريح هو بمثابة أمر قاطع يجيز له العبور إلى أمريكا أو بلاد هند الغرب وفي القصر يكون له ما أراد أما الأمير الذي استضاف الموصلي في مدريد فقد جهزه بكل ما يحتاجه في السفر وسلمه رسائل توصية إلى بعض أصدقائه هناك. وفي اليوم الثاني عشر من شهر فبراير سنة 1675 أي بعد مرور سبع سنوات على مغادرته بغداد وصل الموصلي إلى قادش والتقي دون نيقلاوس ده كوردووا جنرال السفن الذي أفرد له غرفة خاصة في السفينة الملكية التي تبحر إلى أمريكا مرة كل ثلاث سنوات وتحضر من هناك خزينة الملك من المال الذي يجني للعرش من ثروات المستعمرات. في طريقه إلى أمريكا مر الموصلي بجزر الكناري وصولا إلى كاراكاس فجزيرة مرجريتا فكرتاخينا وبورتوبيلو في فنزويلا ثم إلى بنما مرورا بمئات المدن والقرى والجزر وتجول في البيرو وجواتيمالا وكولومبيا وتشيلي وبوليفيا ووصل إلى مناطق خط الاستواء وزار مناجم الفضة والذهب والزئبق في المستعمرات... وحسبما يشير الجراح وسياق الوثيقة فإن الرحلة تحفل بالأخبار والقصص الواقعية منها والعجيبة وتكشف عن التقاطات ذكية وتمتع صاحبها بشيء غير قليل من الموضوعية غير أن المحرر يحملها أكثر مما تحمله بخصوص الكشف عما يسميه الوجه البشع للتحالف غير المقدس بين الاستغلالين الاقتصادي والديني الذي خضع له سكان القارة وما أسسه هذا الاستغلال من تمييز باسم الدين والعرق واللون. وقراءة الوثيقة ترجح وصف كراتشوفسكي له فهو يعرض لنا وقائعه دون أن يعكس أية انفعالات عاطفية إزاء ما يسرده وفي هذا بالذات تكمن أهميته كمصدر تاريخي جغرافي ذي قيمة بالنسبة لذلك العصر بأجمعه.. وروايته تتميز بالدقة والتفصيل فهو يسجل باهتمام كل ما يقع أثناء الرحلة بما في ذلك الظواهر الطبيعية. ففي وصفه لجانب من الرحلة يقول: ومن بعد ثلاثة أيام أشرفنا على جزيرة أسمها كنارياس (الكناري) من حكم اسبانيا ومازلنا مسافرين والأرياح (الرياح) تلعب بنا ونحن في نصف الدرب فصادفنا مركب انجليزيا موسوقا من العبيد عددهم سبعمئة نفس قد جاءوا بهم من بلاد برازيل من حكم البورتغال (البرتغال) حتى يبيعوهم في بعض جزائر الهند. وفي طريقهم أيضا وفيما هم في جزيرة تدعي ترتوكا وتكثر فيها السلاحف تعرض لهم مركب قراصنة فرنسيين وإزاء كثرة عدد المراكب فر القراصنة هاربين. ويحكي الموصلي أنه لما عرف أن هناك رجلا عمره 150 عاما وبصحة جيدة طلب أن يزوره فوجده صحيح الجسم عتيق الأيام وحكى له هذا المسن عن أناس من الجبابرة وأصر صاحبنا على تتبع قصة هؤلاء فأخذ رفقة من الهنود إلى مغارة لهؤلاء الجبابرة ونزع ضرس إحدى الجماجم واحتفظ بها. وفي سرده لتفاصيل رحلته يحكي لنا عن مصارعة الثيران وعن مشاهدته لظواهر البراكين والزلازل وعن طرق استخراج الفضة وهو يفصل في هذا الجانب بشكل دقيق.. ويشير إلى أن الهنود في ذلك الزمان لم يكونوا يتعاملون بالنقود وإنما بالمبادلة وهو في وصفه لهم دائما ما يسمهم بالهنود الكفرة ويقول - والعهدة عليه - أن الهنود كانوا إذا أمسكوا بأحد من السبنيولية «الاسبان» فإنهم كانوا يشوونه ويأكلون لحمه وأما الرأس فيطلعون جمجمته ويعملونها طاسه ويشربون بها نبيذا من نبيذ بلادهم وهو يقسو في وصفهم فيقول انهم عصاه و(شديدين) وقساة القلب. ويبدو من سياق حكيه أنه من المؤمنين بما يعتبره البعض دورا تنويريا للاستعمار حيث يشير إلى أن للسبنيولية دورا كبيرا في التأثير الإيجابي على حياة الهنود. وضمن رحلته لم يخل الأمر من تعرضه لمحاولة قتل ومحاولات سرقة حيث تبعه في إحدى المرات أربعة لصوص ليسرقوه وفشلوا. وبعد نحو ست سنوات وبالتحديد في سنة 1681 ينتقل الموصلي إلى بلاد ينكي دنيا (الدنيا الجديدة حسب التسمية التركية) وهي المكسيك عارضا جانبا من أيامه هناك ثم يشير إلى أنه مع وصول رحلات من الصين والفلبين فكر أن يعود إلى بلاده عن هذا لطريق غير أن الحائل كان بعدا ماليا.. وهنا فإنه مما يجدر الإشارة إليه حرص الموصلي على المال وهو ما يتبدى في اكثر من مجال يذكرها في مذكراته ويصفها كراتشكوفسكي بأنها تعبر عن سذاجة مذهلة. بقي ان نشير إلى أنه دون التقليل من قيمة هذه الرحلة فإن الهدف منها يظل غامضا وهو أمر لم يتعرض له الموصلي نفسه.. غير أنه يبدو من سياق عرضه أن على رأس الأهداف مهمة تبشيرية في إطار المهام التي حرصت عليها الكنيسة الكاثوليكية في تلك الفترة وهو ما يتضح من قيامه بالوعظ في كل مكان يحط فيه ومن طبيعة ارتباطاته والأماكن التي أقام بها حيث اقتصر الوسط الذي عاش فيه على محيط رجال الدين وكذا ممثلي السلطات الأسبانية. وإزاء هذا الغموض يرجح كراتشكوفسكي أنه قد ذهب في مهمة خاصة من المحتمل انه قصد عدم الإشارة إليها. وهو أمر يذهب إليه أيضا الجراح حيث يشير إلى أن الزيارة قد تكون بتكليف كنسي من البابا أو من ديوان التفتيش وهو ما يرجعه إلى الارتباط المصيري لأسرته بالفاتيكان وشخصيته التوفيقية الملتزمة بالمؤسسة الدينية الكاثوليكية التي تعتبر نفسها مؤسسة جامعة مانعة فوق الأقوام والجنسيات والجغرافيات. وفي كل الأحوال فإن الكتاب يعد بحق كما يقول الجراح وثيقة فريدة من نوعها عن أوضاع القارة الأمريكية في النصف الثاني من القرن السابع عشر فضلا عن قيمته كأثر أدبي لا يخلو من طرافة. مصطفى عبد الرازق