بيان الكتب: صدر حديثاً كتاب «الرومانسية الأوروبية» للكاتبة د. لليان فرست أستاذة الأدب في جامعة تكساس في دلس، وهي إحدى الشخصيات البارزة في الدراسات المقارنة. والكتاب عبارة عن نصوص نقدية مختارة جمعتها وحررتها وقدمتها د. فرست. وقام بترجمتها عن الانجليزية وقدم لها: د. عيسى علي العاكوب رئيس قسم اللغة العربية بجامعة حلب. يفهم النقاد من الرومانسية في الأدب ثلاث مدارس متشابهة قيض لها ان تظهر في بلدان اوروبية مختلفة، وفي اوقات متقاربة. فقد أريد بها أولا مدرسة «الكتاب الألمان» اواخر القرن الثامن عشر، التي كان رائدها فريدريتش شليجل. وتتمثل خاصيات هذه المدرسة في الثورة على المباديء والقوانين الجمالية الارسطية، واستبدال الوجدان والانفعال الشخصي بها، واعتداد الرواية النثرية أظهر الأجناس الأدبية تعبيرا عن عصر هذه المدرسة. ويلحق بهذه المدرسة مدرسة «الشعر والنقد الانجليزي» التي ظهرت في العقد الأخير من القرن الثامن عشر، وقادها كولريدج ووردزورث. وأبرز خاصيات هذه المدرسة: الثورة على القواعد الارسطية، وتحرير الشعر من القوافي الجامدة، والاسراف في استعمال الزخارف البلاغية، وتصوير الأدب لداخلية الأديب، والاهتمام بالطبيعة الخارجية في الوصف الشعري. وينضم الى هاتين المدرستين مدرسة الرومانسيين الفرنسيين بين عامي 1820 ـ 1850. وأوضح ملامح هذه المدرسة: الاهتمام بالذات المبدعة، والتعبير عن الشعور بالوحدة والحزن الناشيء عن القلق. ينطوي الكتاب على ثلاثة أجزاء رئيسية: الجزء الأول ويعالج مفهومات وتعريفات عامة. اما الجزء الثاني فمكرس للمباديء الرئيسية للفن الرومانسي، وهو مقسم على أربعة عناوين: وظيفة الفن، دور الفنان، الخيال المبدع، ومظاهر الجمال، وهذه الأقسام الثانوية انبثقت في الأساس من طبيعة المادة نفسها، حيث تعكس هذه الموضوعات الاهتمامات الرئيسية للرومانسيين. ويعرض القسم الأخير للأشكال والأجناس الفعلية للفن الرومانسي، ضمن اطار زمني يتحدد ما بين 1797 ـ 1836 التي تشكل نقطة الأوج في تاريخ الحركة الرومانسية، وتمثل الآداب التي يشملها الكتاب، ـ وهي الادب الانجليزي، والفرنسي والألماني ـ نواة الرومانسية. يقول نوفالس الشاعر الألماني المبدع: ينبغي ان يصور العالم بطريقة رومانسية، وعلى هذا النحو سيولد مغزاه الاصلي من جديد. ويتم تصوير العالم رومانسياً بإضفاء مغزى الشيء النبيل على المبتذل، ومظهر الغامض على العادي وسمت غير المألوف على المألوف، ومظهر المطلق على المحدد. أما أثر الشعر في الإنسان فيشبه ـ بحسب نوفالس ـ في كثير من الوجوه اثر التصوف في المتأمل، ذلك أنه احساس بالخاص والشخصي والمجهول والسرّي والإلهامي والعارض الذي تمليه الظروف. وهو ما يصور ما لا يصور، ويرى ما ليس بمرئي، ويحسّ بما لا يُحسّ. ويعتقد الرومانسيون بأنهم مرسلون في مهمة، فهم مدعوون الى أن يضفوا على الارض مظهراً جديداً.. ففي البدء كان الشعراء والكهنة شيئاً واحداً، والعصور المتأخرة فصلت فيما بينهم، لكن الشاعر الصادق يبقى كاهناً ابداً، مثلما يبقى الكاهن الصادق شاعراً أبداً. أفلا يعيد المستقبل ما سلف من عهد المودة هذا؟! اما «شلي» الشاعر الانجليزي الأكثر عذوبة فيرى أن الشعر شيء الهي.. إنه وجه الأشياء ورونقها، انه كعبير الزهرة ولونها في جملة العناصر التي تكونها، انه كصورة واشراقة لجمال لا يأتي عليه تعاقب السنين، كما تنبه الى ذلك اسرار علم التشريح والتحلل في بعض الكائنات. ما الفضيلة، والحب، والوطنية، والصداقة؟ وما مشهد هذا الكون البديع الذي نحيا فيه، وما تعازينا بهذا الجانب من القبر، وما طموحاتنا وراءه، لو لم يحلّق الشعر ليجتلب الضياء والألق من تلك الأصقاع الخالدة، حيث لا تجرؤ التقديرات المادية المهيضة الجناح ان تحلق هناك؟.. وأخيرا يأتي الجزء الرابع من الكتاب ليقدم لنا سرداً تاريخياً لأعلام الرومانسية، ومعلومات في السير والمراجع. وتجدر الاشارة الى ان الكتاب الذي بين يديك ـ عزيزي القاريء ـ يعرض للملامح الأساسية المميزة للمذهب الرومانسي عند أعلام المدارس الثلاث السابقة، ويجعلك على بنية من تصور أعلام الرومانسية الأدبية لهذا المذهب الفني من خلال التعاريف والبيانات الرسمية والكتب، كما يحدد لك التطور التاريخي لفهم الرومانسيين انفسهم لمذهبهم الجديد. صباح فاروق كيالي