أشرف وليم رايتر على تحرير سلسلة من الكتب التي تقدم توصيفا واضحا لبعض المصطلحات المطروحة في النقاشات الادبية مثل «الرمزية» و«الواقعية» و«الأسلوب والأسلوبية». ومن تلك السلسلة كتاب «الأدب المقارن» لمؤلفه هنري غيفورد الذي يعد من رواد مدرسة الأدب المقارن الانجليزية التقليدية، وقد عمل استاذا للأدب الانجليزي في جامعة «بريستول». أما مترجم الكتاب الدكتور فؤاد عبدالمطلب فهو استاذ في الأدب المقارن يحاضر حاليا في جامعة الامام محمد بن سعود في الرياض. يتألف الكتاب من مقدمة وستة فصول وبيبلوجرافيا وملحق قدّم فيه المؤلف مشروع منهاج للدراسات العليا في الأدب المقارن. قدّم هنري غيفورد كتابه هذا على انه مقدمة لدراسة الادب المقارن، وهو يرى في هذه المقدمة انه لا يمكن للأدب المقارن ان يدعي انه نظام قائم بحد ذاته، ويذكرنا هنا بقول «جوته» الذي تنبأ بالأدب العالمي الذي سيكون لجميع الأمم صوت فيه. يتحدث الفصل الأول من الكتاب عن ثقافة الشاعر الحديث، ويشير فيه المؤلف الى تلك الفئة من الادباء الذين لا يكتفون بالاطلاع على آداب أمتهم، بل تراهم تواقين الى آداب الأمم الأخرى ويرون ان اكتشافها عمل حتمي وضروري بالنسبة اليهم، ويستأنس المؤلف هنا بقول ماثيو ارنولد: على كل ناقد ان يحاول امتلاك أدب عظيم واحد على الأقل بالاضافة الى أدبه، وكلما اختلف هذا الأدب عن أدبه كان ذلك أفضل. ويستشهد المؤلف بالشاعر الامريكي ازرا باوند ويراه نموذجا مثاليا لدراسة الادب المقارن لثلاثة أسباب: الأول حجم انجازاته، والثاني قوة تأثيره، والثالث كونه امريكيا. ويفصل المؤلف القول في السبب الأخير ويرى ان ازرا باوند كاتب امريكي نصفه داخل الثقافة الاوروبية ونصفه خارجها، فهو يكتب باللغة التي تحتضن واحدا من أغنى الآداب في العالم، وهو في الوقت نفسه غير معني بتقاليد ذلك الأدب. كما ان باوند قد تحول في اهتماماته من الشعر الفكتوري الى الكتّاب الايطاليين في العصور الوسطى، واهتم كذلك بالأدب الياباني والصيني، وقد استطاع ان يتمثل تلك الآداب جميعا لتظهر في كتاباته بأشكال مختلفة. فقد أسهم الفكر الصيني حول الاخلاق والتاريخ، والشكل الياباني في الشعر في تطوير باوند فكريا وفنيا إذ استفاد باوند من تقنيات شعر الهايكو الياباني، ومن مسرحيات النوّ اليابانية وتجلّى ذلك عنده في «وحدة الصورة». وبعد ان يستعرض المؤلف نماذج اخرى تؤيد فكرته يبيّن أهمية امتلاك الناقد المعاصر ثقافة واسعة تؤهله لتحليل أدب أولئك الشعراء والكتاب، وهو يرى ان دارس الادب المقارن المثالي يحتاج الى الوقت والصبر والاطلاع على المحلي والخصوصي كما يحتاج الى وعي بالاطار التاريخي لكل المراحل الادبية لأن الادب غير قابل للتجزئة. وتحدث المؤلف في الفصل الثاني عن النبرة القومية والتراث، وفيه يخلص المؤلف للقول: ان لغات العالم تتعلم اليوم من بعضها وتتلاقى في خبرة مشتركة، ولكنها في الوقت نفسه تصر على تفردها، فاللغة الانجليزية وان قبلت بأبناء من زوج آخر على حد تعبير المؤلف تنظر الى أولئك الابناء من امثال جوزيف كونراد نظرة خاصة، وترى ان عليها مهمة الحفاظ على ذاتها وانه ليس هناك أجنبي قادر على التغلغل الى أعماق اللغة وفهم ايقاعاتها كما يفعل الابن الأصيل. وجاء الفصل الثالث من الكتاب بعنوان «ذاكرة أوروبا» وفيه يرى المؤلف ان الأدب لا يقف وحده أو لا يأتي من فراغ، بل ان هناك تراثا كبيرا نراه وراء كل أدب على حدة. ويتحدث المؤلف هنا عن الذاكرة الاوروبية فيرى ان في داخلها كثيرا من التناقضات وان حاولت أوروبا ان تحتضن على الدوام حضارة واحدة من حيث الأساس، ولكن الباحث يمكن ان يلحظ الاختلاف الواضح بين الاشكال الغربية والاشكال الشرقية من تلك الحضارة. ويرى المؤلف ان أي عمل يبحث عن الاستمرار لابد له ان يستند الى كيان كبير من الافكار والمواقف التي لا خلاف حولها، ويستشهد المؤلف هنا بكتّاب انطلقوا من هذه النظرة مثل «ارنولد» الذي يؤمن ان الآداب ذات النزعة الانسانية تخفي وراءها أدبا كلاسيكيا واغريقيا ترسخ عبر قرون عديدة. ويلاحظ المؤلف في الفصل نفسه ان اهتمام الاوروبيين بالتراث يتراجع في الوقت الحاضر، فأكثر الناس لديهم فكرة عن الكتاب المقدس ناهيك عن الأعمال الادبية الكلاسيكية، ويمكن القول ان الدراسات الكلاسيكية قد تراجعت لتصبح مجرد فرع من فروع التعلم، ولهذا يدعو المؤلف الى الدفاع عن اللغة الانجليزية الكلاسيكية لأنها القاعدة التي سيخرج منها نقد جاد رصين كالنقد الذي دعا اليه ارنولد. ويرى المؤلف اننا لن نستطيع التعمق في الدراسة المقارنة دون الشعور بالحاجة الى اعادة ذلك البعد الضائع، أي الاهتمام بالأدب واللغة الكلاسيكيين، لأن كلا من الماضي الاوروبي وماضي البحر المتوسط والاسطورة والفلسفة الاغريقية قد اكسب العقل الاوروبي نسيجا خاصا ساهم في ابراز نماذح رائعة مثل ارنولد وصاموئيل جونسون. أما الفصل الرابع من الكتاب فيتحدث المؤلف فيه عن محور مهم من محاور الأدب المقارن، وهو الترجمة، فمعظم الدراسات المقارنة تتطرق اليها، وعلى الرغم من كثرة الأخطاء التي يقع فيها المترجمون فإنها تبقى وسيلة مهمة للدراسات المقارنة لأننا بدونها سنفقد مجالات واسعة من الأدب العالمي. ويرى المؤلف هنا انه لا يمكن لأكثر من لغة واحدة ان تكون حية بالنسبة للانسان، وهي اللغة التي يعيش ويفكر بها. أما اللغات الاخرى التي يتعلمها فإن ثمة حواجز معرفية أو نفسية تحول دون التمكن المطلق منها، فالكلمات المشحونة بالمعاني لا يمكن استبدالها لأن المضامين التي تحويها دقيقة جدا والمعنى الدقيق يكون مخفيا في ثناياه تلك الكلمات ومن خلال الانغام المرافقة والحركة الدرامية، كما ان لأذن المستمع أثرا في تلقي تلك الكلمات، ومهما تكن رؤية المترجم للنص الأصلي واضحة فإنه سيخضع لضغوط لغته الخاصة وسماتها. ثم يتساءل المؤلف في هذا الفصل: ما الأمور التي نطلبها من المترجم؟ ويجيب عن ذلك بقوله: ثمة قوانين للترجمة، فلا شيء يمكن ان يعتبر نهائيا، وكل عصر يصور الأدب انطلاقا من نظرته الخاصة، ومهما كانت الترجمة مؤثرة فهي لا تستطيع ان تمتد زمانا ومكانا مع الأصل. ويجب ان نطلب من الترجمة ان تعير الاهمية للحركة ومن ثم للكثافة في النص الأصلي. وتكون الترجمة في أحسن حالاتها عندما يكون للمترجم علاقة حقيقية بالنص الأصلي، كما يطلب من المترجم احيانا شيء من التقليد أو الخضوع المنضبط لأسلوب شاعر آخر، فالقصيدة التي يترجمها ينبغي ان تكون اكتشافا جديدا بالنسبة اليه، ولكن عليه في الوقت نفسه ان يحترم النسق والوحدة والنسيج في النص الأصلي. أما الفصل الخامس من الكتاب فيتحدث فيه المؤلف عن دراسة الأدب المقارن في الجامعة. وهو في هذا الفصل يقدم رؤية خاصة يحاول من خلالها ان يذلل الصعوبات التي تواجه الدراسات المقارنة، ولاسيما ما يتعلق منها بضعف ثقافة من يتصدى للدراسات المقارنة احيانا، ويرى اننا بحاجة الى تشكيل مقاييس موحدة تبين الاعمال الكلاسيكية المهمة التي ينبغي الاطلاع عليها في آداب كل أمة، والا فإن الباحث قد يغرق في المحلية. ونلاحظ هنا ان المؤلف يؤكد ضرورة الثقافة الشمولية على مستوى الأدب الانجليزي من جهة وعلى مستوى الآداب الاخرى، وهو يضع تصورا لذلك يبدأ مع الطالب من المرحلة التي تسبق دخوله للجامعة، ثم في المرحلة الجامعية الأولى، ثم في مرحلة ما بعد التخرج ثم مرحلة الدراسات العليا على اختلاف درجاتها، وهو يرى ضرورة استثمار وسائل البحث الحديثة المزودة بكل التقنيات الجديدة في ميدان الدراسات المقارنة. أما الفصل الأخير من الكتاب فيتحدث عن الأدب الأمريكي الذي يشكل بنظر المؤلف حالة خاصة، فهو يختلف عن الأدب الانجليزي لأنه يسير غالبا نحو المغالاة في مقاطعة الآداب الاخرى، كما ان الأدب الامريكي يظهر سمة الاستعجال التي يتمتع بها الامريكي على عكس الانجليزي الذي يبدي التحفظ دائما، ويمكن للمرء ان يلاحظ الخطوات التي سعى بها الادب الامريكي للوصول الى العالمية. وظاهرة الادب الامريكي الذي يكتب باللغة الانجليزية ينبغي النظر اليها بدقة وعناية لأنها تجمع بين سمات من الادب الانجليزي وسمات اخرى تمليها ظروف مختلفة مثل طبيعة الشعب نفسه والمناخ الاجتماعي والفكري والسياسي السائد فيها. وقد ذيّل المؤلف كتابه بملحق صمّم فيه مشروع منهاج لدراسة الادب المقارن يدرس في سنة واحدة من سنوات الدراسات العليا. والكتاب بعد ذلك كله يثير في طياته نقاطا كثيرة كانت ومازالت موضع نقاش طويل في أروقة الأدب المقارن، وهو يحاول تقديم رؤية تنطلق من تجربة واقعية لمؤلف الكتاب. حسان فلاح أوغلي ـ العين