التحديات الكبرى التي يشهدها العالم خاصة المجتمعات الاسلامية التي لم تكن يوما بمنأى عن كل ما هو جديد بطرحه العالمي الذي يسعى بشكل من الأشكال للسيطرة ضمن مقولات النظام العالمي الجديد والعولمة، ولأن المسلمين هم جزء رئيسي من العالم فإن مجمل المقولات، والأفكار والطروحات وحتى الايديولوجيات تتداخل مع المجتمع في العالم الثالث سواء أكانت تلك الطروحات تناسب الحالة الاجتماعية ام تتقاطع معها، ومما ظهر مؤخرا وبشكل ملفت موضوع المجتمع المدني في العالمين العربي والاسلامي وهذا ما تناوله الرئيس الايراني محمد خاتمي في كتابه «المجتمع المدني، مقاربات في دور المرأة والشباب» الذي ترجمه عن الفارسية سرمد الطائي. وتكمن اهمية هذا الكتاب في انه يتناول قضايا المجتمع المدني بنظرة خاصة تتناسب مع العملية الاصلاحية للرئيس خاتمي ونظراته في هذا الموضوع اضافة الى ان الكتب الفارسية الحديثة المترجمة الى اللغة العربية هي قليلة جدا بالنسبة للنقل عن باقي اللغات. يبدأ كتاب خاتمي بمقدمة لمحمد علي ابطحي يتحدث فيها عن التحولات الاجتماعية العميقة التي مرت بها ايران خلال العقدين الماضيين اي منذ الثورة الاسلامية ثم يخصص الحديث عن التحولات التي تحققت على مستوى المرأة والشباب ليشير الى ارتفاع مستوى التعليم النسوي في المدينة والريف وتزايد حصة المرأة من المقاعد الدراسية في الجامعات وحركة المرأة في سوق العمل وكذلك يتحدث عن دور الشباب وأهميته. وفي فصول الكتاب التي قسمت الى خمسة فصول يبدأ خاتمي كتابه بفصل «المرأة» داخلاً مباشرة في موضوع المرأة وربطها بالعوامل التاريخية من خلال تناوله عنواناً مهما هو «المرأة: التراث والحداثة» ليكون مقدمة فكرية لطبيعة المرأة الايرانية حيث يطالب هنا بامتلاك وعي بالعصر يكون عاما ووعي خاص للمرأة في هذا العصر لنمد لها آفاقاً جديدة كما يقول خاتمي وهذه الآفاق تكون عبر الاستيعاب للتراث الديني والثقافي ويطالب بمبادرة على ثلاثة مستويات عبر الجهد الفاعل للمرأة اولها: الوعي بالعصر الراهن وثانيها تحديد شخصية المرأة التي يتطلبها العصر وثالث هذه الأفكار تقديم سبل مناسبة للانتقال من الوضع الحالي الى الوضع المطلوب، ثم يعرض في كتابه الرؤية السائدة للمرأة عبر العقلية التقليدية وحقائق العالم الحديث. وفي المفارقة الخاصة بموضوع المرأة يقول خاتمي: «نواجه ازمة تاريخية كبرى ومزمنة، اي ان المرأة لديها مشاكل عامة تتقاسمها مع الرجل... ولكن لديها في الوقت نفسه مشاكلها الخاصة الناشئة عن كونها امرأة، ولهذه المشاكل جذور تاريخية.. والمأساة اعتبار المرأة كائناً موجوداً من الدرجة الثانية لا جزءا من النوع الانساني ويقدم خاتمي حقيقة المرأة بنظره من خلال دورها في البناء الاجتماعي ليصل لموقف اصلاحي يتمثل في اعتماد المنهج النقدي دون منهج الرفض والرد «فلا ينبغي رفض كافة التقاليد القديمة او جميع الأفكار الحديثة». وهذه الدعوة تتوضح في دور المرأة في المجالين السياسي والاجتماعي الذي نقرأ من خلاله استنتاجات خاتمي الاصلاحية حين يؤكد «ان يكون للمرأة حق الاختيار وان لا يكون ثمة مانع من عملها السياسي والاجتماعي والثقافي وفي الوقت ذاته لا يسوغ لنا ان نتطرف كثيراً في الدعوة الى المساواة بين الجنسين الى الدرجة التي نطالب فيها بأن تترك كافة النساء بيوتهن حتى لو كرهن ذلك للعمل خارج المنزل من أجل تقدم البلاد». ولعل هذا الموقف يذكرنا بحركة الاصلاح العربي التي قادها ادباء النهضة العربية ومفكروها كالكواكبي ثم احمد شوقي وحافظ ابراهيم حين يقول: أنا لا أقول دعوا النساء سوافراً بين الرجال يجلن في الأسواق كلا، ولا أدعوكم، ان تسرفوا في الحجب والتضييق والإرهاق فتوسطوا في الحالتين وأنصفوا فالشر في التقييد والاطلاق ويتناول الكتاب في فصله الثاني الشباب والتعليم حيث يبدأ خاتمي بالتساؤلات والمتطلبات ليتكلم مباشرة عن التنمية التي يصفها بأنها ليست عملية ذات طرف واحد.. بل هي عملية معقدة وتتطلب ان يكون لموضوعها اي الانسان نفسه دور فاعل وبناء فيها فالطفل ليس مجرد منفعل ومتأثر في ذلك الاطار بل لابد ان يمتلك دوراً في عملية تقدمه وتكامله الى جانب دور المعلم والمدرب والاب الذي يتولى ذلك. ثم يربط خاتمي بين ذلك وبين النظام التربوي للنشاط الشبابي وينحو الى ربط كل ذلك النشاط بالعملية التربوية التي يرى هدفها جعل الابناء أشخاصاً يتحلون بالالتزام الديني والأخلاق ويمتلكون ثقة بأنفسهم ويتمسكون بالارث الديني والوطني، ويتطلب ذلك لتحقيق الهدف ان يتوفر في الكبار الوعي والكفاية اللازمة من جهة، وان تنتقل انماط الوعي هذه الى الاطفال واليافعين والشباب في أجواء انسانية تقوم على التفاهم والاسهام المشترك من جهة أخرى. ولا ينسى خاتمي ان يتطرق الى الخصخصة والعدالة في القطاع التعليمي وتجديد النظام التربوي ليصل الى تيار التجديد الشبابي ويتساءل هنا عن طبيعة التجديد والغزو الثقافي ليقول: «لو اتيح لجيل الشباب العثور على هدفه الحقيقي فما الذي يدعوه الى تقليد المظاهر التي تعكس ما تعانيه المدنية الغربية من الفراغات ونقاط الضعف؟! ولولا ذلك فان بوسعه ان يختار بوعي. لماذا لم نوفر للشباب فرصة ان يتواجدوا في مجالات العمل السياسي والاجتماعي والثقافي، الأمر الذي اضطرهم الى اللجوء لتلك التقليعات الخاصة لتأكيد ذواتهم والاستجابة الى نزوعهم للمتعة؟. وبالتأكيد فان خاتمي يربط الشباب بالجامعة ويفرد فصلا كاملا لهذا الموضوع يؤكد فيه على رعاية اصحاب المواهب والاهتمام بالبحوث العلمية وهنا يدعو الى دور التكنولوجيا ويرى انه علينا تلافي القدر الكبير من تخلفنا عن العالم في مجال العلوم التجريبية والأساسية، سواء على مستوى التخلف التاريخي، او على نطاق تقليص الهوة بيننا وبين مستوى التعليم والعلم والوعي في العالم مما يتنامى بسرعة مذهلة تصيب المرء بالدوار. وبالطبع فان خاتمي يثير هنا موضوع موازنة البحث العلمي كونها اصبحت مقياساً للتطور ويرى في هذا المجال ان ايران متخلفة للغاية في مجال العلوم التجريبية والأساسية قياساً الى البلدان الصناعية بل حتى قياساً الى بعض البلدان النامية. ثم ينتقل الى الحديث عن العلم والتقدم وأهمية الكتاب وربطه بالسياسة والثقافة ليأخذ في فصله الاخير موضوع الشباب والرياضة ويعرض بحثا عن البنية المريضة للحركة الرياضية في ايران وعلاقة الرياضة بالوحدة الوطنية وبذلك فان كتاب خاتمي يتضمن مشروعا جديدا للاصلاح ترتسم من خلاله اسس مجتمع مدني له خصوصية ايران ضمن المفاهيم الجديدة المتعلقة بالحرية والديمقراطية والتي بطبيعة الحال تعتبر المشروع الاول لتبلور مجتمع مدني خاص فيه الكثير من التجديد على مستوى الثورة الاسلامية في ايران رأينا بوادرها مؤخرا بمؤشرات الانتخابات الرئاسية في ايران التي حصل فيها خاتمي على نتيجة ايجابية اكدت اهمية رؤيته الاصلاحية. محمد احمد يوسف