من بين الدراسات الست المترجمة في كتاب «المرآة والخارطة... دراسات في نظرية الأدب والنقد الأدبي» الصادر عن دار نينوى بدمشق، وضمن سلسلتها النقدية، استوقفتني دراستا الناقد «و.ب ستانفورد» عن: أعداء الشعر ـ فلاسفة ضد الشعر، لما فيهما من متابعة تاريخية نقدياً للتيار المعادي، للشعر في الفكر الغربي خصوصاً، واستعرضهما للقارئ كمفارقة لمّا تزل قائمة في زمن ينحسر فيه الشعر عن دائرة التواصل والتلقي والتفاعل مع جمالياته الخاصة. ثمة مفارقة ثانية ـ طارئة ربما ! ـ ففي الوقت الذي ينحسر فيه الشعر نفاجأ بازدياد عدد الشعراء، خصوصاً في ساحتنا الثقافية السورية، وهو ما يؤكده عدد أعضاء جمعية الشعر في اتحاد كتّابنا وخارجه! فمن يتجاسر إذن ويعادي كل هؤلاء!؟ قبل الدخول في عوالم هاتين الدراستين، يحضرني الموقف النقدي الساخر الهجّاء لأبي العلاء المعري في «رسالة الغفران» من بعض الشعراء، خصوصاً شعراء عصره، فهل هذا الموقف ناتج عن الشاعر الذي فيه، أم.. عن الفيلسوف الذي فيه، أم في تداخلهما المدهش ـ الذي لا يتكرر كثيراً ـ في شخص شاعر الفلاسفة وفيلسوف الشعراء، أما «أعداء الشعر» عند الناقد «و. ستانفورد» فهم ورثة «أفلاطون» من نقاد وفلاسفة وعلماء، خصوصاً الفلاسفة الذين لم يُدركوا الطبيعة التخيليّة الخلاّقة للأدب والشعرخصوصاً، بل.. عدوها مثلبة نتيجة سوء فهمهم لمصطلحات كالمحاكاة والخيال والمرأة والعقل والجنون. حيث كان «فيثاغورث» قد رأى رؤية لهوميروس وهيسيود ـ الشاعران ـ يُعذبان في العالم السفلي لأكاذيبهما! بينما كان «هيراقليطس» أرحم قليلاً إذ أكد ان هوميروس يستحق الجلد فقط! وقد أخرج «أفلاطون» الشعر والشعراء من مدينته الفاضلة ودعا الى حظر الشعر في سبيل انشاء مجتمع مثالي. هكذا.. ومنذ القرن السادس قبل الميلاد، فإن نقاداً اخلاقيين وفلاسفة أدانوا الشعراء على انهم كذابون ولا يشعرون بالمسئولية، وكما أكد «أفلاطون» فإن على الشعراء ان يجعلوا الناس مواطنين صالحين، ان يكونوا معلمين، وليسوا جُلاّب تسلية. فيما أكد «أرسطو» في كتابه «فن الشعر» ان الهدف الأساسي للشعر هو ان يجلب المتعة والجمال والتنوير. ولما يزل هذا التعارض مستمراً بين ورثة العقلانية التي يُعتبر أرسطو فيلسوفها الأقدم، وبين ورثة المثالية التي يُعتبر أفلاطون فيلسوفها الأول. حتى أن عالماً كبيراً مثل «نيوتن» يعتبر الشعر مجرد «لعبة طفل» ونوعاً من الهراء البليد. ثمة أعداء حديثون ومعاصرون مثل «ريتشارد بنتلي ـ والترليف ـ جيلبرت موري»، وحتى العالم الانثروبولوجي «جيمس فريزر» يعتبر الشعر نتاجاً للبدائي، خصوصاً شعرية الاسطورة التي وجدت في عالم جاهل لم يفهم ما حوله، ولذلك فهي دائماً غير حقيقية، لأنها اذا كانت حقيقية فهي ليست بالأسطورة. كذلك يرى ناقد حديث هو «جيرمي بنثام» ان الشاعر يبقى دائماً بحاجة الى شيء كاذب، لكنه يضيف: «عندما يدعي الشاعر انه يضع أولوياته الحقيقية، تكون التخيلات تزويقات لبنائه، بينما الحقيقة والدقة حاسمتان في الشعر». انطلاقاً من اللبس الذي في مقولة «بنثام» آنفة الذكر، يسعى الناقد «ستانفورد» في مقالته الثانية «فلاسفة ضد الشعر» لكشف الالتباس في المصطلحات اليونانية خصوصاً: (Pseudea) التي تعني: لا حقائق الشعر، كما في توكيد «سولون»: الشعراء يُطلقون الكثير من اللاحقائق. بينما يمكن ان تصطف في المعنى مع كلمة «أكاذيب» في مقابل «تخيلات»، فيما ميز الرومان بين «الأكاذيب المدروسة Mendacia وبين «الحقائق ـ Falsa» والابتكارات المتخيلة Ficta، يعود الناقد الى ادانة افلاطون للشعر بوصفه (Pseudea) بما يوحي باحتمال ان يكون «خيالياً» وليس «كاذباً»، ذلك لأن افلاطون اشار الى ان السياسيين قد أهّلوا ليقولوا gennaion Psedeos من أجل الدولة، أي ان يقولوا: خيالاً جريئاً من أجل بناء الدولة، وليس «كذباً جريئاً» حسب الاحتمال الثاني لهذا المصطلح الملتبس، لأنه من غير الوارد ان يكون افلاطون ـ وغيره كثيرون ـ قد اعتبر السياسيين مجرد كذابين.. لا سمح الله! ويعني مصطلح «المحاكاة» عند افلاطون: صورة طبق الاصل، بينما يقترح سقراط وجهة نظر مختلفة عن الفن حين يقول: «من الممكن ان نجمع اجزاء مختلفة من الموجودات لتكون كياناً جديداً، ومن الممكن رسم اشخاص لا وجود لهم، وهذا العمل يمكن ان يُحاكي مثالاً إلهياً». يلتقط الناقد ستانفورد ببراعة ان المرآة في العالم القديم كانت تُصنع من معدن يتم صقله، وليس من زجاج مطلي بالزئبق، وبالتالي فقد كانت تُعطي انعكاساً أقل وضوحاً، ولهذا فإن عبارة «كما في المرآة» كانت تستخدم من قبل بعض الكتّاب الكلاسيكيين كمرادف للمغالطة والخداع وعدم الوضوح. أو انها وهم بلا اسم، كما عند شكسبير في «حلم منتصف ليلة صيف»: «عين الشاعر في استدارة مجنونة رائعة تُحدّق من السماء إلى الأرض ومن الأرض إلى السماء وحالما يتجسّد الخيال عميقاً يُحوّل قلم الشعر أشكال الأشياء المجهولة إلى أشباح ولا يمنح الوهم سكناً، ولا اسماً» مع ذلك، يشير الناقد ستانفورد الى المثير للجدل في أدب شكسبير ـ رغم هذا الرأي ـ هو ان الجنون الشعري والخيال أساسيان في ابداعاته، حيث جمع شكسبير وبشكل استثنائي بين حدّين ينوس بينهما الشعر، حيث يستخدم عين الشاعر الجنونية، وحيث في أحيان أخرى، وكما أشار «كوليرج» «يدخل شكسبير في طبيائع شخصياته، وفي الوقت نفسه يبقى نفسه، ويغير هيئته، لكنه لا يُغير هويته». ربما ستظل الآراء حول الشعر مُلتبسة ومتناقشة كما قد عرضنا، فإذا كان أرسطو يقول إن الشاعر: «يُعمّم ويُقدّم نماذج ولا يقدم شخصيات». فإن ديموقريطس قد قال: «الشعر يهذي كالمجنون» والافلاطونيون الجدد قد قالوا: «الشاعر يرتفع فوق الظاهرة الطبيعية». نجم الدين سمّان