كيف ينظر لاغتراب المرأة العربية من ذاتها وثقافتها بالمعنى الذي حدده فرويد لشفاء الوعي الخارج من رحمه؟ وكيف ينظر لظواهر مثل ظاهرة الختان والزواج العرفي والسياحي والمتعة والتسري وتعدد الزوجات ومنع الزوجات من العمل واجبارهن على الزواج، ضمن شرط اجتماعي وثقافي لا إنساني ولا عقلاني نابع من وعي ذكوري زائف وضبابي مؤداه ان المرأة ناقصة العقل. ثم كيف يمكن استئصال ذلك الوعي الزائف المتسرب من مفاهيم كلامية واستبداله بوعي حي مطابق لروح العصر؟ لتستنشق المرأة العربية من هذا الوعي أريج الحرية والكرامة الإنسانية والثقة بالنفس؟ في هذا الاطار يرى الدكتور برهان زريق في كتابه الجديد «المرأة في الإسلام ـ قراءة معاصرة» ان دراسة أية ظاهرة إنما تستهدف تلمس منطقها الداخلي وتقوي قوانينها الذاتية الخاصة وهو ما أطلق عليه العلامة ابن خلدون بنظام طبائع الأشياء أو النسب المركوزة في الظاهرة المبادئ الذاتية للظاهرة فهذا هو التعريف الذي قدمه مونتسكيو لها بأنها النسب الثابتة النابعة من طبائع الأشياء. وحقيقة الأمر ان كل منهج يصدر عن رؤية والوعي بأبعادها، الرؤية شرط ضروري لاستعمال المنهج استعمالا صحيحا فهي تؤطر المنهج المحددة أفقه وأبعاده والمنهج يغني الرؤية ويصوب مسكلها. فليس المقصود من هذه الدراسة الجديدة صياغة نظرية قانونية لحقوق والتزامات المرأة تتناول مسائل الحيض والعدة والنفقة وغير ذلك من المسائل التي تغص بها النظرية الفقهية بل المقصود معنية المرأة أي القبض على هذا المعنى العلوي السامق والقيمة التي تتبوأها بفعل الأدب القرآني وهذا ما يطلق عليه في الفكر الغربي بالانثربولوجيا الفلسفية وبالتالي فقد كان المؤمل اطلاق هذه التسمية على الكتاب لولا الحرج من اطلاق المفاهيم الغربية على معان مستمدة من القرآن الكريم. بصورة أكثر ايضاحا يؤكد الدكتور برهان زريق ان النظرية الفقهية تغيض في أعماق السكون والجمود وتتأبى امتياح أية جرعة من تشوفات الحركة والتطور وهذا ما حدا إلى تجنب العدمية والابتعاد عن الأمور التي قتلت بحثا ودفعنا إلى تشوف القيم الانسانية التي أسبغت بأحكام القرآن ـ على المرأة ثم معانقة التصور القرآني العام والشامل لها كمقولة فلسفية انسانية قائمة بذاتها وتتربع على أعلى ذرى الوجود سموا وتفوقا وان هذا الكائن القطب الجوهر تولى مبادرات وقام بفعاليات انطولوجية (وجودية) وكونية مثل مسألة خلقها ومسئوليتها ومعادها وارادتها الحرة وضميرها الحصون وعقيدتها والميثاقية مع الله وخلود نفسها وغير ذلك من القيم والمسائل الوجودية الكونية. وحقيقة الأمر فالفقه الاسلامي هو العلم الذي يصف أفعال الناس وسلوكهم في حين ان علم أصول الفقه هو العلم النظري العملي الذي يعطينا نظرية العمل ومنطلق السلوك ومناهج الفعل فعلم أصول الدين هو العلم النظري الخالص الذي يضع الأساس النظري للسلوك. فهو نظرية النظرية العملية أو علم العلم العملي وبتعبير أبسط فالمقابلة بين علم أصول الدين وعلم الفقه يكشف علامة النظرية بالعمل وعلم أصول الدين هو الفلسفات ومن المفروض بالسلوكيات «الفقه» أن تمتاح من معين الفلسفات وان تمد خطوط اتصال وشيجة مع تصوراتها العليا وهذا ما خلق هوة بين جلال صورة المرأة في القرآن وصورتها في النظرية الفقهية. ويشير الدكتور زريق الى ان مؤرخي الفقه المنهجية العلمية وضعوا لفكر حقوقي عملي أسس عملية ووضعية ولقد انحرفت عقلانية الفقهاء والفلاسفة عن المهمة التعميقية العقائدية انجرافا وراء مقتضيات المنازعات الايديولوجية. لذلك يرى الدكتور زريق في كتابه الجديد ان الفصل بين العملين قد أدى إلى الفصل بين القصيدة والاستدلال فتحولت العقائد إلى عواطف ايمانية خالصة في دائرة الوجدان بدلا من انفتاحها على العالم مما أدى إلى توقف الاجتهاد في العقيدة وانحصاره في الشريعة. فقد حدث فصل آخر بين العقيدة والمصلحة فتحولت العقائد إلى بدائل عن المصالح وهذا ما قاد إلى بقاء العقيدة دون شريعة فضاعت الشريعة ولم تغن عنها العقيدة وبالتالي فقد انتشر في عقيدتنا الفكر اللاهوتي وغاب الفكر الانساني المصلحي فتأكدت محورية الله وهامشية الانسان. وعن الأسس الفلسفية لحقوق الإنسان المسلم ومسألة الأصول الإسلامية لحقوق المرأة المسلمة حيث يقرر الاسلام الصلة الوشيجة بين البعد الروحي والجسدي بحيث لا يمكن للبعد الأول أن يتم أحيانا إلا بآلية البعد الثاني كما في الصلاة والصوم وهذا هو مغزى وسيطة الاسلام التي تحقق التوازن الدقيق بين ثنائية الجسد والروح دون افراط أو تفريط في كل متحد ومركب متداخل متواشج فالانسان لا يملك حرية الانصراف الكلي عن الدنيا بل عليه وهو انسان مكلف تأدية واجباته نحوها تلك الواجبات التي تنصب في اطار الفعل الموحد الذي يجعل الدنيا خضراء فالدنيا تحتوي الفعل الانساني سواء أكان لتحصيل الرزق الحلال أم لتنفيذ متطلبات الخلافة كل ذلك في اطار الرقابة الالهية الشاملة والمطلقة للانسان فهذه العلاقة المنسجمة بين الجسد والروح مصدرها وحدة السبب والاصل المنشئ لها فالارادة الالهية التي خلقت جسد الانسان من التراب ثم قامت بالنفخ في هذا الجسد فهذه النظرة في الخلق تختلف كليا عن النظرة الافلاطونية التي ترى ان الروح تسقط إلى الجسد بعد ان كان يعيش في عالم الحقائق المثالية لذنب اقترفه مما جعلها ترى في الجسد سجنا تسعى للتخلص منه. في اطار هذه المنظومة المتناغمة بين الروح والجسد يؤكد الدكتور برهان زريق نهوض دور العمل في حياة الانسان باعتباره مقوما أساسيا جوهريا ينفذ منه الانسان إلى الدنيا وفي الوقت نفسه فقد أحيط هذا الفعل برقابة تقتحم كل خلية في الانسان فتمنح العمل المادي روحه وضميره وبالتالي فان قيمة الدنيا وأهميتها ترتبط مباشرة بقيمة العمل المبذول لاحيائها فالعلاقة بين الانسان والدنيا علاقة جوهرية وايجابية ففيها يجد الانسان الشروط الضرورية لوجوده واستمراره وعليه ان يقوم فيها بدور فاعل خلاق من أجل احيائها. وعن تاريخية الفقه الاسلامي ومسألة انسداد الأفق أمام بعض الاجتهادات الفقهية المتعلقة بالمرأة يتناول الفصل الرابع من كتاب «المرأة في الاسلام ـ قراءة معاصرة» للدكتور برهان زريق هذا الجاني حيث يرى ان الفقه الاسلامي ذو نزعة سلوكية تجريبية بالغت في ابتعادها عن الجذر الفلسفي الوجودي فالنظرية الفقهية استشرقت آفاقا رحبة لفلسفة القانون ومظهر ذلك على سبيل المثال السياسة الشرعية وعالمية العدل وناموس الفطرة. وفي نهاية كتابه الجديد يؤكد الباحث ان فكرة النظام العام الاسلامي تتجسد في تناغم دقيق بين حق المرأة في العمل وحقوقها السياسية وغير ذلك من الحقوق والواجبات العامة فهذا التناغم يأخذ شكلا ونماذج ومنظومات لا حصر لها بحيث تختلف من عصر لآخر. محمد عبدالعال