من الواضح ان الخطوط التي ناقشناها، والتي هي اقرب الى عروق تحمل النسغ الى هذه المقدمة، التي شئناها موجزة، فإذا بها تطل من بين ايدينا متطاولة ضافية بأكثر مما قدرنا، لابد لها من أن تمضي بنا الى مناقشة رؤية منهجية نقدية للمساجد في السياق المعماري وأيضاً في السياق الاقتصادي الثقافي. لقد سبق لي، في غير هذا المقام، ان اشرت الى الأهمية الاستثنائية للدراسة القصيرة التي قدمها محمد أركون بعنوان «تحولات المقدس» والتي تشكل الفصل الختامي من كتاب «التاريخ المعماري والتطور والتنوع الاقليمي» الصادر باشراف مارتن فريشمان وحسن الدين خان عن دار تيمز اند هدسون في عام 1997. حيث يقترح علينا منهجية محددة تشمل دراسة المجالات المتداخلة المتتالية: التقويم التاريخي. المنهاج الانثروبولوجي. التحليل السيميولوجي. تقويم كيفية اكتساب السلطة لشرعيتها. على الرغم من انني سبق لي ان ناقشت بعض جوانب هذه الدراسة الموجزة، والمدهشة في قدرتها على اثراء النقاش في موضوع بالغ الأهمية، وربما أعود الى الاشارة الى جوانب اخرى منها في غير هذا المقام، الا ان من شأن تبني اقتراحها الأساسي ان يدخلنا في تفريعات تبتعد عن صميم هذا الكتاب الماثل بين يدي القاريء، والذي يتركز على دراسة المساجد كواحات لجماليات المكان. التحدي الكبير دعنا، اذن، نقترح على القاريء منهجية نقدية اقل تعقيداً، وان لم ينقصها الغنى ولا الثراء، ولكنها أكثر تركيزاً على جوهر موضوع كتابنا. هذا الذي قلناه، حالاً، لن يمنعنا من قبول فكرة مهمة طرحها اركون في السطور الاخيرة من دراسته، فهو يرى ان التحدي الكبير الذي تواجهه المساجد هو أنها كيانات بؤرية في مجتمعات تتعرض لدفق لا ينتهي من تيارات التغيير، بينما احدى وظائفها الأساسية الافصاح عن صميم هوية هذه المجتمعات نفسها، التي لا تفتأ تتعرض للتغيير، ومن جوانب هذا التحدي تحديد الكيفية التي تصمم بها هذه المساجد وتبنى الكيفية التي يمكن بها استخدام الحداثة في عمارة جديدة ومناسبة. جوهر فكرة اركون، وهو ما دفعني لترجمة دراسته ومحاولة نشرها وإثارة النقاش حولها، يستدرج المهتم بدراسته الى الهم الانثروبولوجي والى الهم السياسي ـ الاقتصادي بالضرورة. ولست اريد ان اذهب الى هذا الهم، على الأقل هنا، وإنما أريد أن أجعل بؤرة التركيز هي ظاهرة التمزق والتهميش التي تفرزها المدينة الكبيرة الحديثة وما تفرضه من ضغوط على المعماريين والمصممين، لبذل جهود أكبر للمساهمة في ايجاد روابط مجتمعية أكبر، تشكل اللغة المعمارية المشتركة جانباً مهماً منها. لا يعني ما أقوله أنني أفصل بين المساهمات الجمالية للمعماريين والمصممين والوسط او النسيج السياسي والاقتصادي والاجتماعي الذي تطل من خلاله، فالعمارة لا تنشأ في الفراغ، وانما هي التجلي الاكثر وضوحاً لمجتمعها. وأحسب ان هذا بديهي ومنطقي وعقلي، وليس بحاجة الى أن أشدد عليه مجدداً في هذه السطور. إنه يعني انه لابد لي ـ وللقاريء معي ـ من التسليم بأن المتطلبات الوظيفية للمساجد، بأوسع المعاني، لا تملي على المعماريين اي مخطط معماري بعينه، وبالتالي فان هذا المعماري لا يقيده حقاً الا خياله فيما يمكن ان يقدمه كاقتراح معماري لمساجد المستقبل. هكذا، فإنه اذا اختار بعض المعماريين العودة الى رحاب الماضي، ليستلهموا من الأشكال الكلاسيكية مفردات اللغة المعمارية التي يقترحونها أساساً لمساهماتهم المعمارية، فان ذلك يمثل اختياراً شاءوا ان يختاروه بملء ارادتهم، وليس ضوابط خضعوا لها فيما يقترحونه. بالمقابل، اذا اختار بعض المعماريين ان تشكل مقترحاتهم المعمارية في مجال تصميم المساجد وانشائها قطيعة بصرية مع الماضي، مطلقة في بعض الأحيان، فإن هذا أيضاً يظل خياراً اختاروه بأنفسهم، ولأنفسهم، من دون ان يعني هذا الاختيار، بأي شكل من الأشكال، تخلياً عن كل المتطلبات المتعلقة بالوضوء والصلاة وسائر وظائف المسجد. أصل الحكاية الواقع انه من أكثر الأمور إثارة للجدل والنقاش ما يتعلق بالصلة المناسبة والملائمة بين الجوانب الروحية والدنيوية في العمارة الدينية في المجتمعات الاسلامية. كيف؟ ما هي أطراف هذا الجدل؟ ما هي المسارات المستقبلية المتوقعة لهذا الجدل؟ كيف يمكن حسمه بما يحقق التوصل الى اللغة المعمارية الأكثر كمالاً في العمارة الدينية في المجتمعات الاسلامية؟ يمكن القول ان هناك، بأوسع المعاني، طرفين لهذا النقاش المحتدم. الطرف الأول يشمل تحت عباءته من يقولون بقصر المفردات المعمارية التي ينبغي ان تسود في عالم العمارة الدينية في المجتمعات الاسلامية على نطاق مختار من الأشكال التقليدية التي يسهل التعرف عليها. الطرف الثاني يضم من يعتقدون ان الطريقة الوحيدة الكفيلة بالتعبير بشكل حقيقي عن الدور الجوهري للمسجد في الثقافة المعاصرة هي تحطيم الأشكال والصور والتصميمات التقليدية وتجاوزها تماماً واستخدام النطاق الكامل من المواد الصناعية والتقنيات المتوافرة، وذلك في غمار مشروع متكامل للبحث عن لغة معمارية جديدة. على الفور، لابد من ان نضيف انه بين هذين الموقفين اللذين يشكلان الحدود القصوى يوجد حشد من الاقتراحات التي ينبغي اولا الوعي بوجودها والاقرار بامكانياتها وقدراتها، ومن ثم العكوف على التحليل النقدي لها، اذا اردنا ان نصل الى توصيف اكثر دقة للساحة المعمارية كما تتجلى في المجتمعات الاسلامية اليوم، وهي ـ بالطبع ـ اكثر تعقيدا بكثير مما يوحي به هذا التصور الاولي، الذي حاولنا القاء الضوء على بعض جوانبه. على الرغم من الفائدة العملية لهذا التصور، فان له مضاره، من ناحية، كما انه معيب فنياً، من ناحية اخرى، فلو اننا دققنا النظر فيه لوجدنا ان قوامه موقف محدد، هو أن التقاليد او العرف، وهو ما يقدم على انه استحضار مؤسلب ومثالي للماضي، والحداثة، وهي تربط بما هو عصري، يشكلان البديلين الوحيدين المتاحين للمعماري المسلم اليوم، والضرر الحقيقي في طرح هذا الموقف على هذا النحو من التبسيط المخل يتمثل في أنه يميل الى استقطاب المواقف، وجعل الخطاب النقدي في مواجهتها شيئاً يتعذر تبنيه، ان لم نقل يستحيل اعتماده واللجوء اليه. اما من ناحية العيب الفني لهذا التصور فمن الجلي انه يكمن في نزعته الابتسارية التبسيطية، التي لا احسبها تخفى على العيان، التي تفترض ان تجربة تاريخية هائلة في بعديها الزمني والجغرافي يمكن ان تختزل في عرف واحد، او ان مفهوماً شديد النسبية والتعقيد، كمفهوم الحداثة على نحو ما يتجلى امام اعيننا الان، يمكن ان يعزى الى واقع واحد قابل للرصد وللتطبيق على المجتمعات الاسلامية جميعها. بديهي ان العمارة، كما سبق لنا القول مراراً وتكراراً، هي مرآة الواقع الاجتماعي ـ الاقتصادي، والثقافي، والتقني للمجتمع، وهكذا فان من المهم رصد الحقائق والوقائع المتطورة والجارية اليوم لا في المجتمعات الاسلامية فحسب، وإنما في الغرب كذلك. هنا بالضبط، كان يمكن ان تفيدنا الاستبصارات والاضاءات الثمينة التي يرفدنا بها محمد اركون في دراسته «تحولات المقدس» لولا مجموعة من النقاط التي تحول دون ذلك، والتي تمنيت طويلا ان تتاح لي الفرصة للقائه ومناقشته فيها: يتحدث اركون عن «انقطاع» تعرضت له المجتمعات الاسلامية، في وقت لم يحدده على وجه الدقة في القرن الثامن عشر، حدث في غماره تغير كبير في التوازن التقليدي بين العلماء والفقهاء من ناحية وبين الحكام من ناحية اخرى. ومع التسليم بالتغيرات الكبيرة التي تعرضت لها المجتمعات الاسلامية في القرن الثامن عشر، الا ان الكثير من الباحثين لا يمكنهم القبول بحدوث انقطاع، لا في الفكر ولا في الحركة، في المجتمعات الاسلامية في ذلك القرن. لا يتردد اركون في غمار حديثه عن مفهوم «المقدس» في سياق المسجد في الحديث عن ان المجتمعات الاسلامية لم تنتقل من حالة المعرفة الاسطورية برموزها المندمجة فيها الى حالة المعرفة المعقلنة التي يجعلها مرادفة للحداثة، وانما الى كتلة غير منتظمة من ما يدعى بالاصالة الاسلامية، على حد تعبيره، وشذرات منتزعة من سياقها من التطورات الحديثة في المجالات الاقتصادية والسياسية، وهو يشدد على الطبيعة غير المنتظمة للكتلة الايديولوجية التي كانت نظم الحزب الواحد في الستينيات هي القابلة التي ولدت على يديها. ونحن هنا لسنا في صدد الرد على ما يقوله اركون، فبوسع القاريء ان يجد مراجع ودراسات لا حصر لها تتصدى للرد على هذا الطرح بقوة. يسلم اركون بأن المسجد كان له دوره على الدوام على الصعيد السياسي، غير انه يصب اهتمامه على ان المساجد، في العديد من المجتمعات الاسلامية، اصبحت بشكل متزايد تميل الى ان تكون اماكن للجوء السياسي. وقد سبق لي ان تصديت بالمناقشة لهذه النقطة، على وجه التحديد، في غير هذا المقام الماثل بين ايدينا، ولعلى استميح القاريء عذراً، فلست ارغب في طرح ما سبق لي ان قلته في موضع اخر من كتاباتي بمزيد من التفصيل. يتصدى اركون للحديث عن جماليات المسجد، بايجاز بالغ، في سياق سيميولوجي، ويشدد على أنها لا يمكن ان تعزى الى رعاية ابداع هذه الجماليات ولا موهبة المعماري فحسب، وانما هناك عوامل اخرى يتعين امعان النظر فيها، في غمار تقويم بناء بعينه، وهي عوامل يقول انها تشمل الاسئلة المتعلقة بما اذا كانت الادوار الالهامية للايمان الديني والمقدس قد قللها البناء نفسه ام قواها. ومن المحزن حقا ان جماليات المسجد لم تحظ من اركون بمناقشة تفصيلية حقيقية في دراسته تلك. يهمني هنا ان اشدد على ان حرصي على القاء الضوء على دراسة اركون هذه لا يعني انني أقبلها على علاتها، او اوافق على ما جاء فيها جملة وتفصيلا، فإضافة الى النقاط السابقة لا حصر للنقاط التي أقف عندها موقف المتأمل والمتسائل والمتحفظ، لكن هذا في واقع الامر لا يقلل شيئاً من أهميتها. الرمزية وعمارة المساجد كما سبق لنا ان أشرنا، فان المسجد قام بدور محوري في المجتمعات الاسلامية، تقليديا، باعتباره منظماً للمجتمع وللفضاء الذي يقوم فيه معا، كما انه اضطلع بعملية شديدة الاهمية هي تحديد هوية المجتمع، كما انها تشكل النقطة البؤرية التي ينصب عليها اهتمام المارة والرحالة وأبناء البلاد. وكل من قرأ، بحب وتعاطف، ترجمتنا لكتاب.. «امبراطوريات الرياح الموسمية» الذي يروى، على امتداد قرابة الف صفحة، قصة الف عام من تاريخ المحيط الهندي يدرك ان كل من ضربوا في ارجاء هذا المحيط كانت المنارات والقباب التي يطلون عليها من قلب العباب لتكون اول ما يصافح ابصارهم لدى اقترابهم من الشاطيء هي رسالة لا سبيل الى الخطأ بشأنها، قوامها انهم بازاء مدينة اسلامية. وكل من قدرت لهم رؤية اطلال مسجد كلوة العظيم يدركون ان تحطيم هذا المسجد، على وجه التحديد، كان السر في فتح البرتغاليين لنيران مدافعهم بمزيد من الوحشية على هذه المدينة الاسلامية في مستهل اندياحهم عبر المجاري الملاحية للمحيط الهندي وصولا الى المعاقل التقليدية لتجارة البهارات، تمهيداً لانتزاع تجارتها من أيدي المسلمين. هكذا، فنحن نقرر ما هو بديهي، وما لا ينبغي ان يغيب عن أذهاننا لحظة واحدة، وهو ان الرمزية الآسرة، شديدة القوة، بالغة الوضوح، الخاصة بالمفردات المعمارية التقليدية للمسجد هي شيء فريد ومقتصر حقا على الثقافة الاسلامية ومرتبط بها الى حد التطابق. اننا نتحدث هنا عن المنارة، القبة، المدخل، وغيرها من العناصر المكونة للمسجد، التي سنتعرض لبعضها بمزيد من التفصيل في غمار دراستنا هذه، نتحدث عن المقرنصات، عن الابلق، عن العقود التي تشكل العناصر الرئيسة التي تخاطب المسلمين، وغيرهم كذلك، برمزية قوية تتجاوز الزمان والمكان. غير ان مأساة هذه الرموز، او بالأحرى مأساتنا معها، هي انها جرى التدني بها، بفعل عوامل عديدة سنتطرق الى ايضاح جوانب منها، الى حد لم تعد معه اكثر من علامات وإشارات، بكل ما يواكب ذلك من فقدان لروح التعبير المعماري وجوهره. في غمار محاولة التعامل مع هذه المشكلة، تطرح الأمثلة والنماذج التاريخية المعمارية معضلة اخرى، فهذه الامثلة عمالقة صرحية تملأ على الناظر والمتأمل نفسه، وتأخذ بمجامع قلبه، خاصة وأنها طالما اتاحت الشعور بالهوية للمجتمعات التي تنهض في وسطها، لكن هذه العمالقة قائمة اليوم وسط ثقافة الفقر الجماعي والشامل. من شأن القدرة على إعادة ابداع هذه العمالقة المعمارية وإعادة انتاجها والارتباط بنزعة صرحية معمارية تنعكس في المقام الاول في الضخامة والتألق ان تطرح بقوة مسألة اعادة تحديد ما نريده، وذلك بالتوازي مع المناقشات المحتدمة التي تشهدها مجتمعات اسلامية عديدة اليوم حول قضية الهوية. طبيعي ان هذه المشكلة وغيرها من نقاط التوتر والتمزق في المجتمعات الاسلامية تشكل قضايا مؤرقة لكل المعماريين، بل وللمثقفين جميعاً، في الاجتماعات الاسلامية. هكذا، فان اسماعيل سراج الدين لا يتردد في كتاب «العمارة والمسجد المعاصر» الذي أشرف على تحريره مع جيمس ستيل والصادر عن دار اكاديمي في عام 1996 في التأكيد على ان المرء بحاجة اليوم الى الاقرار بضرورة اعادة ترميز البيئة القائمة حاليا في المجتمعات الاسلامية كمهمة اساسية للمثقفين المعاصرين في العالم الاسلامي، وانه ما من تعبير معماري يحتمل ان يعيد ترميز البيئة المبنية للمجتمعات الاسلامية قدر عمارة المساجد. من منظور اسماعيل سراج الدين، فان هناك العديد من المشكلات التي تواجهنا، لدى التعامل مع مشكلات تصميم مسجد لجماعة اسلامية، فاستمرارية العناصر الرمزية الأساسية، كالمنارة والقبة والمدخل والمقرنصات يمكن تحويرها وتعديلها، من دون الاطاحة بالتصوير الكامن فيها. ومهارة المعماري ودرجة الاقتراب من الجماعة التي سيشيد المسجد بين ظهرانيها هما اللتان توجدان الفارق بين الابتذال والابداع. وهو يرى ان هناك العديد من الطرق التي يمكن من خلالها الوصول الى مساجد افضل تستجيب لحاجة المجتمعات الاسلامية لابراز هويتها الذاتية في صروح معمارية تشيد اليوم والتي تخاطب ابناء هذه المجتمعات، تماماً كما كانت رموز سابقة تخاطب اجيال الماضي. ويطالب بالسماح للمعماريين بتحرير خيالهم بحيث تستفيد من مساهمتهم الثقافات الاسلامية المتطورة بصورة مستمرة والقادرة على استيعاب الجديد وتحقيق اندماجه في مقوماتها. نوعان من القضايا في ضوء هذا يبرز نوعان من القضايا التي لابد من التعامل التحليلي النقدي معها، اولها على مستوى شكل المساجد التي تسعى المجتمعات الاسلامية الى تشييدها، وثانيها على مستوى النسيج الاجتماعي الثقافي الذي ستخرج هذه المساجد من تحت عباءته. فيما يتعلق بالنوع الاول من القضايا، الذي يتركز حول اشكال المساجد، من المؤكد ان من الضروري التعامل مع قضايا من أبرزها ما يلي: بروز مسجد الدولة ونشأة القطيعة ما بين الأعمال الصرحية العامة وبين محيطها الاجتماعي. وأهمية هذه القضية تبدو واضحة اشد الوضوح في ضوء ما سبق ان قلناه عن المدن المعسكرات والمدن الملكية، فالمسجد الجامع في المدينة الاسلامية هو تقليدياً قلبها الحقيقي وبؤرتها الاشارية، ومن هنا ارتباطه العضوي بمقر الحاكم وبالأسواق وبيوت النخبة، غير ان مسجد الدولة كما يشيد اليوم يأتي بمثابة انكسار في استمرارية دامت ما يزيد على ألف عام من العمارة. فاذا اخذنا مسجد الدولة في الكويت لرأيناه صرحا هائلاً في حالة قطيعة فيزيقية لا موضع للتشكيك فيها عن كل ما حوله، واذا نظرنا الى الجناح المقابل من العالم العربي لوجدنا ان مسجد الحسن الثاني الموغل في مياه المحيط الاطلسي هو في حقيقة امره بيان سياسي اكتسى حلة معمارية قشيبة، لكنه يظل في كل الاحوال في حالة قطيعة عن الوسط الاجتماعي المحيط به. درجة نجاح الاشكال المعمارية الجديدة ومدى قبول السكان الذين تنهض بين ظهرانيهم لها. ولقد سبق لي في هذا الصدد ان ضربت مثلا محددا، هو مسجد بن مدية في قلب منطقة السبخة في ديرة بدبي، حيث نجد ان المنطقة التي يقوم فيها المسجد هي منطقة اسواق تجارية تقليدية، ومع ذلك فانها ترحب ترحيبا حقيقياً بهذا المسجد، الذي لا مجال لانكار ان تصميمه يحقق قطيعة بصرية حقيقية مع الماضي. ولكن الى اي مدى تشكل مساجد اخرى عناصر توحد مع الذات وتطابق معها بالنسبة للمجتمعات التي تقوم بين ظهرانيها؟ والى اي مدى تساهم في تطوير رمزية جديدة يقرأ السكان مفرداتها ويتفهمونها بوضوح وجلاء؟ وضوح المساجد وبروزها بصرياً في بيئة المباني المعاصرة في المجتمعات الاسلامية، على الرغم من بروز اعمال صرحية كبرى اخرى، يواصلان تأكيد اهميتها وتأثيرها باعتبارها من المباني التي تمنح ما حولها شكلا محددا في اطار اللغة المعمارية المعاصرة. ولكن هل تؤدي هذه المساجد الجديدة الدور المطلوب منها في تطوير اشكال جديدة ولغات معمارية جديدة قادرة على اثراء عمارة الانماط الاخرى من البناء؟ مكان الاشكال التقليدية في المساجد المعاصرة. وقد سبق لي في هذا الصدد ايضا ان ضربت مثلا محدداً، هو مجموعة اعمال المهندس عبد الواحد الوكيل، في اطار المخطط الشامل للحداثة والتقليد في عمارة المساجد الحديثة. فأين يمكننا بالضبط ان نضع هذه الأعمال؟ اذا انتقلنا من هذه القضايا المتعلقة بالشكل، لوجدنا ان من البديهي انه دراسة العمارة هي مهمة يستحيل القيام بها من دون فهم معمق للمجتمع الذي ينتجها، ومن هنا يبرز حشد من الاعتبارات الاجتماعية ـ الثقافية والمتعلقة بوظائف المسجد في مجتمع متغير، الامر الذي يفرض التصدي بمحاولة الاجابة على مجموعة من الاسئلة، ابرزها ما يلي: الى اي حد ينبغي للتغيرات الوظيفية ان تنعكس في الشكل المعماري والى اي مدى يتعين على العمارة ان تستجيب لرسائل رمزية اخرى اكثر دقة بينما هي تعكس نطاقاً لا يفتأ يتسع ويتزايد من تقنية البناء؟ هل تطور الابنية ونقاط التقاء الانشطة الاخرى قاموسها المعماري الخاص بها؟ على سبيل المثال، فان الجامعات الحديثة، خلافا للجامعات الاسلامية القديمة، قد اختارت ان تبنى مراكز طلابية منفصلة ومناطق للتجمع وللانشطة بينما احالت المسجد ليتخذ الوضع الوظيفي الخاص بقاعة للصلاة. فهل لايزال بالامكان ان تصنف وظائف هذه الابنية المختلفة داخل الصروح المعمارية لمسجد حديث؟ ايا كان الرد على هذا السؤال، فان من المحقق ان تجربة الجامع الأزهر وامتداداته في الجامعة التي تحمل اسمه تقدم لنا اضاءات بالغة الأهمية. هل بالامكان اعادة تحديد المجمعات الحديثة متعددة الأغراض كوظائف جديدة لمبنى المسجد ام ان من المحتم ان يرتبط المسجد بأداء الصلاة فحسب بحكم ضروريات الاستجابة لمتطلبات وظيفية محددة لا تفتأ تتزايد؟ من الواضح ان التصدي لهذين النوعين كليهما من القضايا ليس بالمهمة السهلة ولا اليسيرة، لكننا حتى لا نجد انفسنا في غمار استعراض نماذج مفردة من مباني المساجد على امتداد التاريخ الاسلامي وبعرض جغرافيا دار الاسلام يمكن ان نعمد الى التعامل مع منظور يتركز في آن على أنماط البناء وعلى المناهج المعمارية. لكن ما نقترحه هنا ليس، ايضا، بالأمر الهين ولا اليسير، فأنت اذا شئت تبنى منظور انماط البناء لوجدت ان عليك التعامل مع انماط عديدة، منها مساجد الدولة الصرحية الضخمة، والتي تستهدف في المقام الاول الافصاح في هيئة معمارية شامخة عن مدى عمق التزام الدولة بالاسلام. وهناك المساجد الصرحية الكبرى التي يراد لها ان تكون معالم بارزة، ومن هنا فاننا غالبا ما نجدها تهيمن على خط الافق في المدينة وتؤثر بعمق في نظام الفضاءات في البيئة الحضرية. وهناك كذلك المجمعات التي تشكل مراكز للجماعات، وهي تتمتع بالعديد من خصائص سابقاتها، ولكنها يراد بها على وجه التحديد الاضطلاع بمجموعة من الوظائف ذات الاهمية البالغة للجماعة، فإضافة الى هويتها كأماكن لاقامة الصلاة تؤدي وظائف المكتبة، المدرسة، قاعة الاجتماعات، والمستوصف، وغير ذلك كثير. وهناك ايضا المساجد الصغيرة والمحلية التي تخدم الاحياء والقرى والتي قد تجمع بين صغر الأبعاد وتعدد الوظائف التي تقوم بها، لنأتي في نهاية المطاف الى الزوايا، وهي مساحة مفردة للصلاة في مجمعات كبرى او حتى في الاماكن المفتوحة ومن الملاحظ انه تعددها وانتشارها اصبحا من الظواهر الملحوظة في بعض الدول الاسلامية. فيما يتعلق بالمناهج المعمارية، نجد ان هناك العديد منها، ابرزها المنهج الاهلي او الشعبي، وأبرز ملامحه استخدام اللغة المعمارية الاصلية التقليدية الشائعة في البلاد مع قيام البناء المحلي وأفراد الجماعة بعملية البناء وبالتالي غياب المعماري بالمعنى الحديث للكلمة. وهناك ايضا التقليدي الذي يتبناه معماريون متدربون ومحترفون يختارون العمل اما وفقاً للمنهج السابق او باستلهام لغة معمارية تقليدية لها أهميتها التاريخية. وهناك المنهج الشعبوي، وهو منهج مقارب للمنهج الاهلي او البلدي ولكنه يتبنى نطاقا اوسع من التصورات والاحالات الشعبية، وهو منهاج ناجح مع من يخدمهم ويثير الكثير من النقاش في الدوائر المعمارية الاسلامية. ويبرز المنهج الحداثي الذي يركز على عناصر الاصالة واستخدام المفردات الحديثة والتقنية. هكذا نجد انفسنا، في نهاية المطاف، امام منهاج نقدي يجمع بين الصعوبة والصرامة ولا يخلو من التشابك والتعقيد، ويعد في الوقت نفسه بنتائج لا يستهان بها. فاذا وجدنا من يتردد في التشمير عن ساعديه لاعمال هذا المنهاج لبادرناه بالقول: من الذي قال ان عاشق العمارة يؤثر السهولة ويركن الى الدعة ويختار من السبل اقصرها؟