«التجوية والتربة بين القرآن والعلم الحديث». موضوع البحث الذي أعده د. حمدان الدسوقي أستاذ الجيولوجيا بجامعة المنصورة.. والذي أكد في بدايته أنه قد يكون من الغريب على الانسان تصور صعوبة ـ بل واستحالة ـ الحياة بدون عمليات التجوية، ولكن الغرابة تزول اذا علمنا أنه بدونها لن تتكون التربة التي يستمد منها الانسان وغيره من الخلائق الغذاء ولو سأل أحد نفسه من أين أتت تربة دلتا نهر النيل أو من أين أتت رمال الشواطئ؟ لعلم أنها تأتي من تفتيت صخور جبال الحبشة ومنابع النيل، بعد ان حملتها مياه نهر النيل لآلاف الكيلو مترات خلال ملايين السنين. والعجيب ان الانسان يفتح عينيه فيرى الأرض الخضرة ولا يشكر الله على ذلك، أو يستلقى لاهيا على شواطئ البحار في أيام الحر الشديد ولا يشكر المنعم على نعمته التي أتى بها من بعيد وجعلها تحت قدميه. ترى لو لم يتكفل الله بنقل مواد التربة فهل كان بامكاننا ان نأتي بها من جبال الحبشة؟ مع ان نقل موادها ليس الا وجه واحد من أوجه تكونها. والتجوية هي تحلل وتفتت الصخور والمعادن بواسطة العمليات الميكانيكية والكيميائية. وتحدث بواسطة الجليد وتشقق الملح والنشاط الحيوي والصفرة ونقص الضغط والتمدد الحراري والتعرية تمثل لازالة الطبيعة لنواتج التجوية بواسطة الماء الجاري والريح والجليد والجاذبية. ويمكن ان تندفع نواتج التعرية لمسافات طويلة قبل ان ترسب في أماكنها. وتسود التجوية الكيميائية حينما تتحلل الصخور بواسطة التفاعلات الكيميائية، ويتم ذلك من خلال عملية الأكسدة والذوبان وصدق الله العظيم الذي يقول «أفرأيتم ما تحرثون أأنتم تزرعونه أم نحن الزارعون» أي أخبروني عما تحرثون من أرضكم. أنكم تحرثون التربة التي تلقون فيها البذور فتنبت باذن الله، فهل فكرتم كيف تكونت تلك التربة؟ يوضح البحث ان العلم يخبرنا ان التربة هي أديم الأرض الناتج من تجمع حطام الصخور والمعادن وبعض المواد العضوية التي ترتكز على القاعدة الصخرية. وتتكون التربة أساسا من الرمل والغرين والطين والمواد العضوية. واذا ما حفرنا في التربة الزراعية لوجدناها تتكون من عدة طبقات أو نطاقات تكون ما يسمى بقطاع التربة. ويمثل النطاق صفر القريب من السطح والغنى بالمواد العضوية أعلى طبقة من التربة ويليه لأسفل النطاق (أ) ويسمى نطاق التسرب ثم النطاق (ب) ويسمى نطاق التجمع ثم النطاق (ج) الذي يتكون من حطام القاهرة التي ترتكز عليها التربة وتتحد صفات التربة بناء على خمسة عوامل هي الصخر المصدر والمناخ والزمن والغطاء النباتي وزاوية الانحدار. ولقد عبر القرآن عن مفهوم التربة بقوله «صفوان عليها تراب». فالصفوان هو القاعدة التي ترتكز عليها التربة. والتراب هو التربة وقد أشار القرآن الكريم الى أنواع مختلفة من التربة.. فمنها تربة الوابي التي تمثل التربة المثالية للزراعة. ومنها الصعيد والصلد والزلق وغير ذلك.. وتقسم التربة حاليا الى رتب عديدة يبلغ عددها عشرا تضم حوالي 1200 نوع من التربة ومن أمثلتها التربة الصعيد التي لا تحتوي على طبقات والتربة الشابة وتربة الحشائش والتربة الحمضية وغيرها. ويعتقد ان حضارة الخمير الحمر قد انقرضت في كمبوديا بسبب تحول التربة الى التربة الأولومنية التي من الصعب زراعتها. الريح جند من جنود الله ومن عوامل التجوية في القرآن الكريم كما ورد في البحث الريح وهبوط الركام الصخري وقد وردت كلمة الريح في القرآن الكريم 18 مرة. وهي وسيلة عذاب على الكافرين والمشركين والمعاندين لله ورسله. فهي ترسل على الكافرين تغرقهم بما كفروا. ومن ألوان العذاب في الريح أنها ريح عاصف وصرصر وعاتيه ومصفرة وعقيم وفيها حر وعذاب ويومها نحس وأيامها نحسات. وهي تنقل المواد خفيفها كالرماد وكبيرها كالجلود. وتهوى بمن يشرك بالله في مكان سحيق. ومن فعلها أنها تدمر وتشتد وتغرق وتهوى وتجرى. وأن سكنت ظلت الفلك رواكد على ظهر البحر. وهنا الريح الطيبة.. مثل ريح الصالحين التي وجدها نبي الله يعقوب في قميص يوسف ـ عليهما السلام ـ وقد سخرها الله لنبيه سليمان تجرى بأمره رخاء حيث اصاب، في دورة غدوها شهر ورواحها شهر. وهي جند من جنود ربك يبعثها الله في الحرب على أعدائه هلاكا ودمارا. وبصفة عامة تذكر كلمة الريح في القرآن الكريم في حالات العذاب والخطب والأمور الجلل. بينما تقترن كلمة الرياح بالبشرى. ويؤكد الباحث ان هناك عدة عوامل تعمل على تسيير الرياح وهي الشمس ودوران الأرض حول نفسها والخواص الحرارية للماء فثلاثة أرباع سطح الكرة ماء ومن خواصه أنه يسخن ببطء ويبرد ببطء بعكس اليابسة التي تسخن بسرعة وتبرد بسرعة. ومن يجلس على الشاطئ أو يعيش في مدينة ساحلية فانه يلاحظ ان هناك نسيم البر ونسيم البحر وهما يحدثان في نفس اليوم.. في الصباح يأتي النسيم من البحر للبر. وفي الليل يهب النسيم من البر الى البحر. والهواء ينتقل من البارد الى الحار لأن الضغط عند الأبرد أكبر منه عند الحار. فكلما برد الغاز قلت كثافته وتخلخل ويكون ضغطه أقل..ويكون ضغط الهواء الجوي على سطح الماء أعلى من ضغطه على اليابسة فيهب الهواء من البر الى البحر وفي الليل لا يبرد الماء بسرعة بينما اليابسة تبرد بسرعة فيهب الهواء من البر الى البحر وآخر ما توصل اليه العلم الحديث أنه قسم الرياح الى تسعة أنواع ونحن نجد آية أو أكثر في القرآن لكل من هذه الأنواع وهي الساكنة والطيبة والشديدة والحاصب والصرصر والقاصف والعاتية والأعصار والعاصفة المكتملة. الحجارة تهبط من خشية الله وعن هبوط الركام الصخري يقول الله تعالى «ثم قست قلوبكم من بعد ذلك فهي كالحجارة أو أشد قسوة وان من الحجارة لما يتفجر منه الأنهار وان منها لما يشقق فيخرج منه الماء وان منها لما يهبط من خشية الله وما الله بغافل عما تعملون». وفي الآية ما يدل على هبوط الحجارة من رأس الجبل من خشية الله..وقد زعم البعض ان خشية الحجارة من باب المجاز ولكن ورد في الحديث الصحيح قول الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم «هذا جبل يحبنا ونحبه». وفي الحديث الآخر «اني لأعرف حجرا بمكة كان يسلم علي قبل ان أبعث اني لأعرفه الآن».. فما علينا الا ان نسلم بأن السبب في هبوط ركام الصخور من عل سببه خشية الله.. ويشمل ذلك هبوط الكتل السريان والانزلاق والسقوط ويمثل السريان حركة خليط الصخور والتربة والماء على هيئة سائل لزج، والزحف نوع من السريان البطئ يحدث بمعدل سنتيمتر واحد كل عام. ويتكون سريان الحطاميات من حطاميات حجمها أكبر من حجم حبات الرمل. وتمثل الفيضانات الترابية والطينية حركة الحبات الناعمة والماء.. والتزحلق يمثل حركة الكتل المتماسكة المتحركة كوحدة واحدة.والسقوط هو الهبوط المباشر تحت قاعدة الجرف. وتفوق الأخطار الناشئة من هبوط ركام الصخور أخطار الزلازل.. فما يحدثه هبوط الحطام الصخري في عام واحد يفوق الأضرار الناتجة عن الزلازل في عشرين سنة. لم تنج الا المقابر ويقول الباحث عن مدى هبوط الركام الصخري ان مدينة يونجي كانت آمنة تحتل موقعا رائعا في أعالي جبال الأنديز في بيرو على نهر سانتا. وقد بدأت مأساة القرية اثر حدوث زلزال في شهر مايو عام 1970 يبعد مركزه مئة كيلو متر عن المدينة.. فتحركت على أثره كتلة جليدية عرضها 800 متر عبر المنحدرات الحادة محطمة الكتل الصخرية الكبيرة.. وتحرك ما يزيد كتلته عن 50 ألف متر مكعب من الصخور بسرعة تتراوح بين 200 الى 430 كيلو متراً في الساعة لمسافة 140 كيلو متراً في أرض منبسطة فملأ الركام الصخري النهر. ودفنت المدينة حتى أنه لم يظهر منها الا أعالي أشجار النخيل. ودفن 1800 شخص تحت الركام. ولم تنج من المدينة سوى المقابر التي كانت تحتل ربوة عالية ومعها القلة الناجية التي هرعت الى تلك المقابر. د. حمدان الدسوقي