هى زوجة خليل الله عليه السلام وابنة عمه كانت تصغره بعشر سنوات وكانت أحب الناس إليه بعد أمه وأول من آمن به من النساء بعد أمه ولزمته فى محنته مع الكهنة وأثناء إلقائه فى النار. كانت المعين له فى الدفاع عنه وعن دعوته بعقيدة التوحيد بين نساء أهله وقومه. عندما رحل سيدنا «إبراهيم» من بابل إلى حاران بشمال العراق رحلت معه ومعها ابن أخيه لوط ومنها رحلوا مع إبراهيم إلى أرض كنعان أرض الشام ليبشر برسالته هناك أيضاً كما جاء فى التوراة حتى وصل هو وأهله إلى دمشق ومنها كانت الرحلة الأخيرة إلى حبرون (مدينة الخليل الآن) حيث استقر بها. وقد عانت الكثير من الصراع الذى لا تتحمله إلا الصابرات واختبرت فى أكثر من موضوع من حياتها اختبارات لا تجتمع إلا للمؤمنات ومن ذلك عقمها وتصرفها لدى فرعون مصر أو جبارها وإهداؤها جاريتها «هاجر» لزوجها والصبر على الحياة بمولود ليس منها حتى بشرها الله بإسحاق بعد أن كلمت ملائكة الله وكلمتها الملائكة فى بشرى جعلتها تضحك سروراً لما حباها عز وجل من إكرام رأته بعينيها وإكرام طل بعدها مباركاً إلى ما شاء الله. ذكر ابن كثير رحمه الله أن سارة كانت عاقراً لا تلد وكانت قد رزقت حظاً كبيراً من الجمال وحسن الهيئة ويبدو أنها كانت صاحبة ماشية كثيرة وأرض واسعة وقد وهبت ما كانت تملكه لزوجها «إبراهيم» عليه السلام ليقوم بإصلاحه وتنميته وسار الحال لسيدنا «إبراهيم» إلى الهجرة إلى مصر نظراً للجدب الذى أصاب البلاد. وعلم فى مصر أن جبارها يطمع فى النساء فخاف «إبراهيم» عليه السلام على زوجته «سارة» فقال لها: إن هذا سألنى عنك فأخبرته أنك أختى حتى لا تكذبينى عنده فإنه ليس في الأرض مسلم غيرى وغيرك وإنك أختى فى كتاب الله وقد كان أخذها الجبار عنده فى مقره العظيم وحياته الرغدة الشديدة ولكن قلب سارة كان موصولاً بالله يغمره يقين أنها فى رعاية رب العالمين فكانت نفسها تسبح فى ذكر الله وكان الجبار كلما حاول أن يقربها تعتريه رعدة شديدة حتى ينام، أعلمه الله أنها زوجة «إبراهيم» فأطلقها ومعها هدايا منها «هاجر» جاريته فى هذا الوقت وقد كان من ملوك العمالقة الذين يسمون بالهكسوس. غادر «إبراهيم» وأهله مصر بعد فترة ومعهم «هاجر» وبعد أن استقر بهما المقام فى فلسطين وهدأت الأمور وشعرت سارة برغبة «إبراهيم» أن يكون له ولد يتطلع إليه ويسعده ولقد امتد بها العمر وأعجزتها الشيخوخة من تحقيق هذا الحلم رأت أن الدعوة محتاجة إلى ولد يشرب مبادئها ويشب فى جوها ويسير على قواعدها ثم يتابع الرسالة بعد أبيه وطاف بذهنها صورة جاريتها «هاجر القبطية» وتساءلت لماذا لا يتزوجها «إبراهيم» فإذا حدث ستكون الكلمة الأولى والأخيرة لها وستظل سيادتها عليها لا تنفك قائمة فهى صاحبة البيت وربته وهى المتكرمة بتزويج «إبراهيم» وهى المتفضلة على «هاجر» بهذا الشرف، وتم الزواج وحملت «هاجر» وشعرت «سارة» أن ثمة وضعاً جديداً قد طرأ على البيت وأن «إبراهيم» عليه السلام قد تغير تجاه «هاجر» فأصبح يعاملها كزوجة وليس كجارية ولقد كان كعادته رفيقاً «بسارة» محبا لها. إن انفعال الغيرة مركب يحمل فى طياته أخلاطاً من الخوف والقلق والأثرة وهو انفعال يؤلم صاحبه وحيث يتأكد الشعور بالخوف من ضياع شيء ما أو افتقار الاهتمام أو التوجس ممن يؤثر على المكانة والمنزلة. والغيرة دافع مكبوت يحدث صراعاً مستمراً فى أعماق النفس ويستمر فى الطاقات النفسية والغيرة بين النساء مظهر سلوكى فالمرأة التى حرمت من الولد تغار من المرأة الولود فإذا اجتمعا فى بيت واحد تحت قوامة رجل واحد بلغت الغيرة حداً يصعب معه التوافق والتكيف. كل هذه الانفعالات كانت تمهيداً من الله واختبارا لسارة فقد أوحى إليها أن تضحى وتختبر أولاً بأن تهب «هاجر» «إبراهيم» وتحملت هذا الموقف بشجاعة وثانياً عندما حملت هاجر بدأ هذا الشعور بالغيرة يدب فى نفسيتها وحين جاء «إسماعيل» وفرح الكل به كانت تتمنى أن يكون منها وربما حدث تغير فى جسدها تابع للتغيير النفسى المطيع لإرادة الله والصبر على محنته فتهيأ جسدها لاستقبال مولود منها ومعجزة من ربها مكافأة لها على إيمانها وصبرها وكانت البشرى «إسحاق ويعقوب». وكان سيدنا «إبراهيم» عليه السلام يكرم الضيفان واشتهر بذلك ولقب بأبى الضيفان وفى يوم جاءه ثلاثة من الضيفان وكانوا ملائكة فى هيئة بشر وفى ذلك يقول القرآن الكريم (هل أتاك حديث ضيف إبراهيم المكرمين إذ دخلوا عليه فقالوا سلاماً قال سلام قوم منكرون فراغ إلى أهله فجاء بعجل سمين فقربه إليهم قال ألا تأكلون فأوجس منهم خيفة قالوا لا تخف وبشروه بغلام عليم)(الذاريات: 24-28). لقد جاءت البشارة من الملائكة الذين نزلوا «بإبراهيم وسارة» فى طريقهم إلى قوم لوط الذين حلت عليهم لعنة الله لما كانوا يفعلونه من موبقات لم يسبقهم إليها أحد من العالمين وقد حمل الملائكة معهم بشرى «لإبراهيم» بولد تنجبه زوجته «سارة» العجوز العقيم وبولادته تتحطم السنون والنواميس وتتأكد المعجزة عندما يشاء الله ولحكمة يريدها يقع ما يخالف العادة فمشيئة الله طليقة وراء ما قدره الله من نواميس وعندما تكلمت الملائكة مع «إبراهيم» عليه السلام بولادة «سارة» استحت «سارة» وأعرضت عنهم وصاحت صيحة تعجب لما جرت عادة النساء حين يسمعن شيئاً من أحوالهن يثير الاستحياء والتعجب. واستبعدت سارة أن تلد لسببين أحدهما كبر السن والثانى العقم فأجابتها الملائكة قائلين قول الله عز وجل (كذلك قال ربك إنه هو الحكيم العليم). ثم أكدوا لها ذلك بالتبشير بإسحاق ويعقوب وذلك قوله تعالى: (فبشرناها بإسحاق ومن وراء إسحاق يعقوب) وهذا دليل على أنها تستمتع بوجود ولدها إسحاق ومن بعده يعقوب حفيدها قال «القرطبى: إنه كان بين البشارة والولادة سنة وهى بنت تسع وتسعين سنة ». وتحققت البشارة وجاء إسحاق وأصبحت سارة ضاحكة السن منذ ولد إسحاق ومنذ بشرها رسل الرحمن وهل هناك ما هو أشد سعادة للقلب وأنعم النفس من أن تلد عجوز عقيم بعد اليأس؟ لقد قص القرآن لتكون سيرتها إمتاعاً للأسماع وقدوة فى كل الصفات الخيرة التى تجعل الحياة الزوجية رمزاً للسعادة فى طاعة رب العالمين.