«كنتم خير أمة أخرجت للناس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر وتؤمنون بالله» آل عمران 110، إن كل انسان في هذه الحياة يبحث عن أسباب السعادة والاستقرار، وينشد الحياة المليئة بالبهجة والسرور والأمن والأمان وحسن المظهر والحياة الطيبة، هدف جعله الله جزاء الايمان الصادق مع المحافظة على استمرارية العمل الصالح، فقال سبحانه وتعالى: «من عمل صالحاً من ذكر أو أنثى وهو مؤمن فلنحيينه حياة طيبة ولنجزينهم أجرهم بأحسن ما كانوا يعملون» «النحل 97» ولا يمكن ان يتوفر هذا الجو الذي نأمله جميعاً إلا إذا أدى كل واحد واجبه نحو أخيه ونحو الجماعة التي يحيا فيها ونحو الأمة التي ينتسب إليها ويعيش على خيراتها ونحو الانسانية التي هو جزء منها، فالعدل نفتقده عند وجود الظلم والأمن لا يهنأ به من يصدر الخوف ولا يشعر بالاستقرار والرضا من يمنع الحقوق ويتلهى برؤية المعذبين والتعساء والمحتاجين والمساكين فما أعظم المجتمع الاسلامي عندما يسوده الحب في الله عز وجل ويكون أساسا للحياة الاسلامية وان تكون الرحمة عماد التعامل الانساني ودعامة من دعائمه وان يكون العدل ظلاً يستظل به كل حي ولو كان غير الانسان من حيوان أو حشرات ان ذلك هو الاسلام، فالأمة الإسلامية بروابطها الوثيقة وعلاقتها الوطيدة وتمسكها بسلامة العقيدة والحرص على العمل الصالح والسلوك الطاهر النقي هي شامة في وجه هذا الكون، هي نور يهتدي به من انغمس في بحر الظلمات، فإذا كانت كذلك كانت في أمس الحاجة إلى مقومات تحفظ وحدتها وتجعلها متماسكة قوية ويعطيها أسباب السعادة والاطمئنان كما انها في حاجة كبرى إلى قوة ذاتية تحميها من غدر اعدائها ومن أنياب الذئاب التي حولها وصد كل من يطمع في النيل منها وإن لم تكن من داخلها متماسكة قوية فلن تكون أمام عدوها صلبة عنيفة، لذلك كان البناء للمجتمع الاسلامي عن طريق منهج الإسلام والحفاظ على تعاليمه والتمسك بقيمه وأخلاقه هو البناء الأمثل حتى تتحقق للأمة السعادة في الداخل وتحرص على مكانتها وهيبتها أمام المجتمع الخارجي ويوم ان نتهاون في واجباتنا الاجتماعية وعلاقتنا الانسانية القائمة على كتاب الله وسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم فإننا لن نجد من أنفسنا غناء ولن نجد من الله نصيراً، وصدق الله العظيم حيث يقول «ان الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم» فالمسلم يحرص على الواجبات والآداب الاجتماعية تجاه كل مسلم ومسلمة فلا يتصور ان نرى مسلماً معتدل الخلق ويحمل في نفسه الحقد والغل والحسد لأخيه في العقيدة حتى ولو كان مقصراً أو مذنباً والقرآن يبين ذلك في قول الله عز وجل «إنما المؤمنون أخوة فأصلحوا بين أخويكم واتقوا الله لعلكم ترحمون» الحجرات 10. ولا يتصور أيضاً ان نرى مسلماً يظلم أخاه المسلم أو يدخل عليه الشقاء والغم ثم يبيت سعيداً غير مضطرب بسبب جنايته على أخ له في الإسلام أو في الانسانية فالذين يأكلون أموال اليتامى ظلماً والذين يسيئون إلى الجار أو القريب أو الزوجة أو البنت والذين يكذبون ويخدعون ويغشون في المعاملات والذين يبيتون شبعانين وجيرانهم جياع ويمرضون من كثرة الترف وهم يعلمون بمرض الكثير من قلة ما يجدون هؤلاء حكم عليهم الاسلام بالهوان والعذاب إلا ان يتوب الله عليهم فهو الذي سمى نفسه «الرحمن الرحيم». وليعلم كل مسلم ان عدم الاهتمام بالواجبات الاجتماعية وعدم رعاية حقوق الآخرين وعدم تهذيب النفس تهذيباً يوقفها عند حدود الله ويؤدبها حتى تلين وتتواضع وتتعود ان تعطي من منع وتصل من قطع وتشكر من أحسن وتتجاوز عمن أساء. إن عدم الاهتمام بالمجتمع المسلم وما له من حقوق وعدم الحرص على ازدياد الأخوة بين المسلمين كل ذلك من شأنه ان يمزق الصلات ويقطع روابط الأسرة ويورث نار العداوة ويحطم كل خصال الخير في المجتمع الاسلامي وعلى الذين يتهاونون في القيام بحقوق الآخرين ان يتحملوا تبعات ضياع هذا المجتمع المسلم وسقوطه وشقائه ثم بعد ذلك عليهم ان يتحملوا معه ضياع كل شيء نتيجة ضياع الالتزام بواجبات العدل والرحمة والاحسان والتسامح والصفح «واعتصموا بحبل الله جميعاً ولا تفرقوا واذكروا نعمة الله عليكم إذ كنتم أعداءً فألف بين قلوبكم فأصبحتم بنعمته إخوانا وكنتم على شفا حفرة من النار فأنقذكم منها كذلك يبين الله لكم آياته لعلكم تهتدون» آل عمران 103. وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ألا أخبركم بأفضل من درجة الصيام والصلاة والصدقة، قالوا: بلى، قال: اصلاح ذات البين فإن فساد ذات البين هي الحالقة » رواه أبو داود، وقال سبحانه وتعالى: «ولا تنازعوا فتفشلوا وتذهب ريحكم واصبروا إن الله مع الصابرين» الأنفال: 46. فالمسلم الصادق في إسلامه يقيم العدل ويبذل الجهد في رعاية حقوق الضعفاء والمحتاجين ويحكم دين الله في القول والعمل وفي المال والاجتماع فطبول الخطر تدق في كل بقعة من بقاع أرض الإسلام، فلا نضع رؤوسنا في التراب ونغلق الأذان حتى لا نسمع، فأمة الاسلام تحتاج إلى تطبيق حقيقي للعلاقات الانسانية حتى يتحقق الأمن والرخاء «يا أيها الذين آمنوا استجيبوا لله وللرسول إذا دعاكم لما يحييكم واعلموا ان الله يحول بين المرء وقلبه وأنه إليه تحشرون» الأنفال: 24 أحمد اسماعيل علي