في تناولنا لقضية تجديد الفكر الإسلامي، لا يمكن إغفال مدرسة تجديد الفكر الإسلامي الحديثة، التي لا يزال تلاميذها او لنقل أجيالها يواصلون عطاءهم في هذا العصر، ونقصد بها المدرسة التي بدأت على يد جمال الدين الأفغاني ومحمد عبده في اواخر القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين، ثم استمرت بشكل أو بآخر حتى يومنا هذا. وعلى الرغم من ان اتباع المدرسة قد تفرعوا وتبنوا آراء وتوجهات متباينة، فإن تأثيرهم لايزال فاعلاً في ساحة الفكر الإسلامي اليوم. خاصة وأن القضايا التي واجهت رواد هذه المدرسة لا تزال تشكل محورا أساسيا في المشروع الفكري الإسلامي المعاصر.. نعم قد تختلف الدرجة والنسبة، وقد تستجد قضايا أخرى ولكن تظل مجموعة من المحاور الأساسية مطروحة ولم تحل بعد وبحاجة إلى إعمال العقل الإسلامي، بل أن الظروف التي أنتجت جمال الدين الأفغاني لا تزال مستمرة بشكل أو بآخر، نعم حدث الاستقلال السياسي في المجتمعات الإسلامية، ولكن ظلت التبعية الاقتصادية والثقافية والاعلامية فلا يزال الغرب هو «المركز المنتج» ولايزال الشرق الإسلامي هو «الهامش المستهلك»، وعلى المستوى الداخلي لايزال الاستبداد السياسي قائماً في العديد من المجتمعات الإسلامية المعاصرة وإن احتوت على أحزاب سياسية وأنشأت برلمانات، ولاتزال قضية الهوية مطروحة بل تزايدت أهميتها في ظل انتهاء الحواجز بين الدول، حيث نعيش عصر العولمة وتناقص سيادة الدولة لصالح الشركات المتعددة الجنسيات. ومن ثم فإن الدواعي العقدية والفكرية والسياسية التي حركت الأفغاني على المساحة الواسعة التي عمل لها، مازالت هي نفس الدواعي التي تحرك العاملين في مجال إيقاظ الوعي وإحياء الروح وتنوير العقل على نفس المساحة من بلاد الشرق. ومازالت المشكلات التي واجهت تلك المدرسة مستمرة، ومنها: سوء فهم العقائد والجنوح بها والتواكل وفصلها عن العمل والواقع، ومازال البحث عن الهوية وتحديد معالم الطريق بين تحديد الهوية وضياع الذات والبحث عن الخلاص من التسلط والقهر، والمواءمة بين الوحدة والتعددية، واستيراد العلم والتقنية وإنتاجهما. نتوقف هنا أمام الجذور والمكونات الأساسية لرواد هذه المدرسة، بخاصة جمال الدين الأفغاني «1838-1897م» ومحمد عبده «184-1905م» ورشيد رضا «1865-1935م» ولكن هذه المدرسة لم تبدأ من فراغ، وإنما سبقتها حركات إصلاحية وتجديدية في بعض البلدان العربية تركز على إصلاح العيوب الداخلية من منطلق الدين وتعاليمه، لكن روادها لم يلتفتوا إلى ما جد في العالم من تطورات، وما قطعه الغرب من اشواط في ميدان التقدم والمدنية. فظلت نظرتهم الإصلاحية أحادية الجانب مشغولة بالهموم الداخلية وحدها دون رؤية لما يحيط بالعالم الإسلامي من عوالم أخرى تشارك العالم الإسلامي في العيش على هذه الأرض. أما جمال الدين الأفغاني فقد كان بجانب معرفته بعيوب العالم الإسلامي وضعفه الداخلي، قد امتد بصره إلى خارج العالم الإسلامي فرأى رؤية مباشرة إيجابية العالم الغربي وقوته، ومكنته هذه الرؤية من عمق المعرفة بالازمة التي كان يعيشها المجتمع الإسلامي آنذاك ودقة التشخيص للأدوار التي أحاطت به. وقد ترك المشروع الفكري للأفغاني تأثيرا كبيرا على أجيال هذه المدرسة بدءا بالإمام محمد عبده وحتى الشيخ محمد الغزالي، وكانت إقامته في مصر بمثابة الشرارة التي اشعلت طاقات بعض المثقفين المصريين وجعلتهم يتحولون من الفرجة إلى المشاركة على حد قول الدكتور علي شلش في دراسته: «جمال الدين الأفغاني بين دارسيه» ومن ثم فمن اللازم أن نشير إلى ابرز ملامح المشروع الفكري للأفغاني الذي يمثل رؤيته التجديدية والاصلاحية، خاصة وأن المناخ الفكري السائد اليوم تتصاعد فيه جرأة المتغربين على ثوابت الاعتقاد الإسلامي فضلا عن محاولات تزييف وعي الأمة من خلال خلط اوراق التجديد الإسلامي ـ الذي ارتاد الأفغاني ميدانه في العصر الحديث ـ بالتنوير الغربي العلماني الذي يقيم قطيعة معرفية مع ثوابت الاعتقاد الديني ـ كما يقول الدكتور محمد عمارة في دراسته: «جمال الدين الأفغاني بين حقائق التاريخ وأكاذيب لويس عوض» فدعاة التزييف قد ذهبوا في الالتفاف حول الحقائق إلى الحد الذي يضعون فيه أعلام التجديد الإسلامي في «سلة التغريب» !! يتمحور المشروع الفكري للأفغاني الذي يمثل رؤيته التجديدية والإصلاحية حول قاعدتين هما العقل والمساواة. هذا ما يثبته الدكتور مجدي عبد الحافظ في دراسته «جمال الدين الأفغاني وإشكاليات العصر» وقد استقى الأفغاني هاتين القاعدتين من خلال النظر للواقع العربى المأزوم والفكر الغربى وايضا اعتماداً على قيم الاسلام الحضارية، ومحاولة اعتماد الأفغاني للعقل كنقطة بدء لم تكن تضع في اعتبارها هذه القطيعة التي تمت في الغرب بين العقل والدين، ولكنها كانت من باب أولى محاولة لتنقية الدين مما علق به من شوائب أصبحت تعيق حركة المجتمع ونموه وخروجه من كبوته، والأفغاني لم يفكر يوما بإحلال العقل محل الدين، بل كان غاية ما يود القيام به هو تنقية العقائد الدينية والنصوص الشرعية عن طريق العقل. ومن هنا نجد أن حركتي الإصلاح الديني والاجتهاد اللتين دعا لهما يعتمدان على العقل، كما أن دعوته في الاقتباس من الغرب اعتمدت أيضا على العقل. ومبدأ المساواة يترجم لدى الأفغاني في محيطين ـ يحددهما مجدي عبد الحافظ هما: محيط داخلي، ينبغي تحقيقه داخل البلدان الإسلامية بين أفراد المجتمع وحكامه من الولاة والسلاطين وهذا لن يتحقق إلا عن طريق الدستور. ومحيط آخر خارجي ينبغي تحقيقه بين الشعوب والأمم ولايمكن تحقيقه إلا بالقوة الإسلامية التي تستطيع أن تقف على قدم المساواة مع الغرب، ولكى تتحقق هذه المساواة الخارجية، ينبغي لشعوب الشرق مقاومة الاستعمار عن طريق فكرته في الجامعة الإسلامية. وتعمدت رؤية الأفغاني لهذا المشروع التجديدى أولا على إعمال العقل في حركتين متوازيتين الأولى ستؤدى إلى الاجتهاد في الدين والى إصلاح ديني ينقى العقلية الإسلامية مما يساهم في تهيئتها لقبول الاقتباس العلمي من الغرب للنهوض المادي وهذا فحوى الحركة الثانية، وينتج من كلا الحركتين توفيقية ما تستطيع تحقيق ما عجزت عنه المشاريع الأخرى وخاصة السلفية الكلاسيكية منها والتي اعتبرت أن علوم الغرب كفر لذا ينبغي تركها. هذه التوفيقية الأفغانية والتي لم تبرز مرة واحدة لديه، بل تحققت عبر سنوات عديدة فهمها الأفغاني على أنها الطريق الوحيد الذي يجعل من دول الشرق الإسلامي تقف على أرضية التقدم المادي مع الغرب، وفى نفس الوقت تحتفظ بتراثها الديني الذي يميزها عنه. وقد حدد الأفغاني ستة عوامل تمثل مقومات تحقيق النهضة في العالم الإسلامي هي: الاخذ بالعلم والعقل على المستوى الثقافى، وتحقيق الحرية والمساواة على المستوى الاجتماعى، والعدل والشورى على المستوى السياسي، واذا كانت هذه العوامل هي التي احدثت النهضة في الغرب، فإنها تعد عقيدة وشريعة في الإسلام. وقد آثر الشيخ محمد عبده أن تستمر الجهود التجديدية والإصلاحية على المستوى التعليمي والتربوى، وحدد هدفه من الإصلاح في تحرير الفكر من قيد التقليد، وفهم الدين على طريقة سلف هذه الأمة قبل ظهور الخلاف، والرجوع في كسب معارفه إلى ينابيعها الأولى، واعتباره ضمن موازين العقل البشرى التي وضعها الله لترد من شططه، وتقلل من خلطه وخبطه، لتتم حكمة الله في حفظ نظام العالم الإنساني، وانه على هذا الوجه يعد صديقا للعلم، باعثا على البحث في أسرار الكون، داعيا إلى احترام الحقائق الثابتة، مطالبا بالتعويل عليها في أدب النفس وإصلاح العمل. وقد عكف رشيد رضا على دراسة منهج الأفغاني ومنهج محمد عبده في الإصلاح والتجديد، فرغم انهما ينتميان إلى مدرسة واحدة إلا ان هناك نوعاً من التمايز بينهما، فالأفغاني لم ير سبيلا للإصلاح سوى السياسة، في حين نادى محمد عبده بالإصلاح والتجديد عبر التربية والتعليم، وخرج رشيد رضا بحقيقة واضحة وهي أن الإصلاح عن طريق السياسة أدنى اتسرع، وأن الإصلاح عن التعليم اثبت وأدوم، وان كلاً منها يفضي إلى الآخر، لذا مزج رشيد رضا بين المنهجين. فهذه المدرسة الإصلاحية قد بدت بوجه سياسي على يد الأفغاني، ثم اتخذت منهجاً تربويا تعليمياً تكوينياً متأنياً على يد محمد عبده، ثم عادت على يد رشيد رضا ومدرسة المنار لتشتغل في إطار العلوم الشرعية مع الاهتمام بقضايا العالم الإسلامي السياسية. وقد كان لمدرسة المنار فضل تعميق الخطين معاً: الخط السياسي للأفغاني، والخط التربوي التكويني لمحمد عبده، وذلك مع تصحيح أطر التفكير التي أرساها كل من هذين الرائدين. ثم أخذت هذه المدرسة جانبا تنظيما وتجديدا على مستوى التعليم بالأزهر الشريف على يد مصطفى المراغى والشيخ محمد احمد الظواهري «1887ـ 1944م» الذي تولى مشيخة الأزهر عام 1929 وتم في عهده تنظيم الدراسة في الأزهر في ثلاث كليات هي: الشريعة، وأصول الدين، واللغة العربية. د. محمد يونس