قال الله تعالى: (الطيبات للطيبين والطيبون للطيبات) صدق الله العظيم، ومعنى هذا ايضا انه لا يبحث عن ذات الدين إلا صاحب الدين، وصاحب الدين الصحيح دائما يكون عاقلا ينظر إلى عواقب الامور، ويبسط الرسول صلى الله عليه وسلم المسألة ويضع ايدينا على المطلوب فيقول: «تنكح المرأة لمالها وجمالها وحسبها ولدينها،فاظفر بذات الدين تربت يداك» فهذه الامور الاربعة يدور الناس حولها، كل حسب مستواه من العقل والذوق، فالذي يحب المال ولا ينظر إلى غيره يختار ذات المال ويظن ان المال هو الذي يأتي بكل شيء، يأتي بالوفاق ويأتي بالسعادة ويشتري به كل متطلباته، ولا ينظر إلى أى شيء اخر، الا عرضا، وكذا من اعجبه جمال امرأة وفتن بها أو بحث عن امرأة جميلة فوجدها ولم ينظر إلا لجمالها، ويدفع في مهرها ما طلب دون تأخر، ويظن انه سيعيش معها سعيداً، وكذا الذي يبحث عن ذات الحسب والجاه وبنات الكبراء، يظن انه يصل عن طريقها إلى مآربه، وانه بعلاقته مع اهلها يحمي نفسه من عدو أو من تسلط الحكام أو الامراء، وكل هؤلاء أعرض عنهم رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقال: «فاظفر بذات الدين تربت يداك»، لأن المرأة الصالحة ذات الدين هي كنز من كنور الدنيا، فقد لا يفيد المال ولا يفيد الجمال ولا يفيد الحسب، وقد تكون لحظة واحدة مع امرأة صالحة تساوي الدنيا وما فيها، وقد تكون لحظة واحدة مع امرأة سيئة أسوأ من سجن الحياة كلها، فالرجل اذا كانت زوجته صالحة، اذا دخل البيت وجدها تنتظره بابتسامة جميلة، وقد اعدت له لقمة طيبة وفراشا مريحاً، إذا سألها عن شيء أجابته بلباقة، وان طلب منها شيئا اسرعت في اجابته، واذا خرج من بيته خرج مطمئنا على بيته وماله وأولاده، لا يتعب نفسه في اخفاء شيء، لأنه يعلم انها حريصة على هذا الشيء مثله، ولا يحمل هم الاولاد لانها تحمل عنه هذا العبء، فتسهر على راحة الاولاد وتعتني بشئونهم، ليست ثرثارة مع الجارات، وليس لها علاقة بالزيارات، وهذه هي المرأة التي يرضى عنها الله سبحانه وتعالى، ويرضى عنها رسول الله صلى الله عليه وسلم ويرضى عنها زوجها، وهي التي أشار إليها النبي صلى الله عليه وسلم بقوله: «من رزقه الله زوجة صالحة فقد ملك شطر دينه فليتق الله في الشطر الثانى» اخرجه الحاكم في المستدرك، وقال عنها ايضا: «ما استفاد المؤمن بعد تقوى الله عز وجل خيراً من امرأة صالحة إن امرها اطاعته وان نظر إليها سرته وان اقسم عليها أبرته وان غاب عنها حفظته في نفسها وماله»، اخرجه ابن ماجه. اما الرجل الذي يتزوج المرأة لمالها فكثيراً ما تستخدمه لأجل ذلك وتتسلط عليه، ويعيش ذليلاً تحت سلطتها دون احترام ولا اعتبار لكيانه كزوج، وكذلك قد يشعر بأنه مستخدم ولم يتحصل على شيء من مالها، فيعيشان حياة لا ثقة فيها، هو يحاول ان يكسب منها ما يستطيع وهي تحاول ان تحافظ على مالها بقدر ما تستطيع، وهكذا يظلان بين شد وجذب طيلة حياتهما إن طالت، وان مل احدهما الآخر فإنهما لاشك سينفصلان، لأنه قد لا يحصل منها على مراده فيمل ويبحث عن غيرها. وتشعر هي الأخرى بهذا فتمله، ثم بعد ان تمله تريد ان تنتقم لنفسها، وهي هنا غنية تستطيع ان تنتقم بمالها منه أو تسلط عليه من ينتقم منه، وتنقلب الحياة الزوجية إلى عداوة خطيرة، لا يعلم احد كيف تنتهي هذه المأساة. وكذلك اذا تزوجها لجمالها، والمعروف ان الجمال لا يدوم، كما ان الجمال في كل شيء اعتباري، فهو بمجرد ان يعيش معها شهوراً حتى يشعر بأن جمالها عادي جداً وتبرد احاسيسه تجاهها، بينما هي لا ترضى بذلك، بل تريد ان تكون احاسيسه تجاهها مشتعلة، لانها دائما تشعر بجمال نفسها، وكذلك قد يقودها جمالها إلى الكبر والبطر، فتتكبر على زوجها وتتعالى عليه، وغالبا ما تصعب عليه رجولته فلا يتحمل كبرياءها وغطرستها، وتبتديء المشاكل والمناحرات والمنكرات، فإما ان يستمر كذلك وإما ان ينفصلان، وكل ذلك جحيم، هذا في احسن الظروف، وفي بعض الاحيان يكون حسنها سببا لمشاكل اخرى خاصة في المدن المزدحمة، حيث يكثر فيها اولاد الحرام ويكثر فيها التبرج فيراها الرجال ويبدون اعجابهم بها ويلاحقونها بنظراتهم وربما بكلماتهم، ولابد ان تصلها كلمة تصدقها فتقع في حبائل الشيطان، وتقع في مشكلة اخرى لو رأها زوجها فيها لعله يقتلها، أو يفضحها، وتبدأ سلسلة مشاكل لا تنتهي، وكلها جحيم في جحيم. وكذلك الرجل اذا تزوج امرأة لحسبها وجاه اهلها ليتباهى امام الناس بأن يلوذ بالكبير الفلاني أو الامير الفلاني، وينسى ان اول ضحية سيكون هو، لانها سوف تتعالى عليه بحسبها، وحتى لو لم تتعالى عليه في البداية، لكنها ستهدده بأبيها أو اخيها في أول غضبة تغضبها أو خصام يتخاصمان، وتنقلب المسألة ويقع في شر اعماله، ان عاش معها عاش ذليلا مهددا كلما تخاصما، ولا يخلو بيت من خصام، وكم يتخاصم الزوجان وقد كانا حبيبين عاشقين. والكارثة اكبر لو فكر ان يطلقها، لانها سوف تذيقه ألوان العذاب، وتجرجره في المحاكم وتسلط عليه اهلها وأقرباءها، وربما كانوا ذوي نفوذ ولكنهم لا يخافون الله فيكون مصيره السجن ذليلا مهينا، وكل ذلك لأنه خرج عن منهج الله تعالى، وفي هذا يقول الرسول صلى الله عليه وسلم: «لا تنكحوا النساء لحسنهن فعسى حسنهن أن يرديهن، ولا تنكحوهن لأموالهن فعسى أموالهن ان تطغيهن، وانكحوهن على الدين» وصدق رسول الله صلى الله عليه وسلم. د. حمزة الزين