دائما وأبدا هناك صغار يصرون على الصيام وتقليد الكبار.. بينما الكبار لاسيما الوالدين يمنعونهم خوفا على صحتهم دون جدوى.. بل من المدهش نرى أحيانا الأطفال يعاقبون ذويهم بالصوم رغما عنهم دون سحور، في البداية لإجبارهم على وضع رغبتهم في الصيام في الحسبان بل والرضوخ لها.. هذا في الوقت الذي نرى فيه بعضا من الفتيان بل والشباب وأحيانا الكبار يتعرضون لضغوط شديدة من الأهل لأجل المواظبة على فريضة الصوم!! وهنا يطمئن المتخصصون الأهل لاسيما الأمهات على أهمية تشجيع أطفالهم للإقدام على الصوم خلال شهر رمضان من كل عام باعتبار الصيام علاجا للعديد من الأمراض من جهة وتأكيدا على أهمية القيم والأخلاقيات التي سيتعلمها الأطفال من مواظبتهم على الصوم فضلا عن القيم الإيمانية والتعبدية التي تجعل منهم مواطنين جيدين وصالحين بما يساعد في بناء مجتمع قوي مستقيم وجاد في الوقت نفسه.. حول هذه القضية يقول وكيل وزارة الأوقاف الأسبق في مصر منصور الرفاعي عبيد: مما لا شك فيه أن العبادات لها تأثير عظيم في تكوين الشخصية المهذبة لان العبادات الدينية والتي فرضها الله علينا هي تهذيب للنفس وتنمية للأحاسيس وإيقاظ للمشاعر مع عوامل الضبط على القيم السلوكية والعادات الحسنة التي تسمو بنفس الإنسان ويأتي الصيام في مقدمة ترقيق العواطف وإحساس الإنسان بعوامل الضبط والالتزام أثناء الصيام ومن طبيعة الصيام انه يجعل عند الإنسان صحوة الإرادة خاصة عند الأطفال فتجد عندهم تصميما على الاستيقاظ في السحور لتناوله مع الكبار وتزداد فرحتهم بذلك خاصة عندما يصطحبهم الوالد ويذهب بهم إلى المسجد لصلاة الفجر في سكون الليل. وأضاف وهنا يتنبه إحساس الطفل وتستيقظ مشاعره على هذا الجمال الموجود في الكون الذي لا يشعر أثناء نومه ولا يستمتع به لأنه في غفلة عن هذا الجمال ثم طول النهار هو يسأل أصحابه: أأنت صائم أم لا ؟ وبعض الأطفال يقول لبعضهم: أنا جوعان.. أنا عطشان، وثالث يقول لبعضهم: أنا مرتاح جدا لأنني تسحرت وصليت الفجر وهنا يتنبه الجميع لأهمية السحور ويرتبط الأطفال بمشاعر طيبة وتجد الطفل لا يكذب لان الصيام غرس فيه حتمية الصدق وهو قيمة عظيمة وخلق نبيل لو تعود الطفل من الصغر عليه لكان اقصر طريق للوصول إلى النجاح وهكذا فالصيام طريق ضبط النفس للوصول الى النجاح الحقيقي. ويوضح الشيخ منصور: إننا نجد الطفل الذي يصوم طفلا أمينا على نفسه حيث اعتبر الصيام فرضا فأداه في أمانة وغرس فيه خلق الأمانة وصار أمينا لان الأمانة قيمة وخلق نبيل وحين ننظر إلى الصيام نجد انه ينمي في الطفل قيم السلوك الاجتماعية ليشب عليها ويكبر عليها والتي يحرص المجتمع الفاضل على غرسها في نفوس الأطفال ليشبوا عليها وعلى هذا النمط الرفيع من الأخلاق والقيم الإيمانية والتربوية التي يغرسها الصوم لاسيما في عمر الأطفال الصغار تؤسس المجتمعات الناجحة. كما يؤكد الدكتور محمد المسير الداعية المعروف والأستاذ بجامعة الأزهر على أهمية الصيام في حياة الأطفال الصغار والذي يعتبر نوعا من التدريب والتعويد على العبادة والطاعة لله شأنه في ذلك شأن الصلاة بحيث يتعلم الصغير الصبر والانتظام والالتزام بمواعيد السحور والإفطار حيث كان الصحابة رضوان الله عليهم يصوّمون صبيانهم الصغار بحيث يمتنعون عن الأكل من الفجر حتى آخر النهار وكانوا يشغلونهم باللعبة من «القش» حتى لا يفكروا في الطعام والشراب ويتموا صومهم إلى نهاية اليوم. وأضاف: أن الأسرة لها دور كبير في تعويد أطفالها وتدريب أبنائها الصغار على القيم والأخلاق والالتزام بالشعائر الدينية الصحيحة وعلى الأم أن تراعي حالة الطفل الصحية وقدرته على تحمل الصيام دون أن تجبره على إكمال الصيام حتى أن الأمهات يمكن أن يسمحن للصغار المبتدئين بالصيام بان يصوموا نصف يوم أو يشربوا مرة في وسط اليوم ويكملوا الصيام حرصا على قدرتهم لاسيما في أوقات الحر الشديد ويوم الصيف الطويل حيث انه من الأفضل التدرج مع الصغار في الصيام حتى يستطيع إكمال الصيام لاخر النهار وحده دون مخاطر على صحته. وقال: إن خطر إجبار الصغار على الصيام عظيم للغاية لأنه سيجعل الطفل يجني أخلاقا سلبية وعكسية لما يريده الأبوان إذ أن الطفل يمكن أن يكذب عليهم ويخون ويتعلم عدم الأمانة لأنه اجبر على شئ لا يطيقه ويريد أن يأمن غضب والديه فيكذب عليهم لإيهامهما بصيامه في حين يأكل ويشرب في الخفاء بسبب عدم قدرته او عدم رغبته حال إجباره على الصوم. ومن جانبها أكدت أديبة الأطفال منال عزام على أن الطفل بلا شك يتعرف من خلال إصراره على الصوم على مشاكل وهموم الآخرين عندما يشعر بالجوع وتقول: عندما كنت صغيرة كنت أصر على الصيام وأقاوم أهلي الذين يحاولون إجباري على الإفطار خوفا عليّ إلا أنني كنت أصوم دون سحور كنوع من عقابهم إذ يتحايلون علي طوال اليوم وأنا ارفض الأكل لأثبت لهم أنني كطفلة قادرة على الصوم وعليهم أن يحترموا رغبتي ويوقظونني في السحور وبالفعل تم لي ذلك. وتضيف أن الطفل الذي يصوم يتعلم التحدي والصبر وعدم الأنانية حيث أن صيام الطفل يعوده على تحمل المسئولية وإدراك أن هناك الكثير من الفقراء الذين يعانون من الجوع في غير رمضان بسبب الفقر كما أن الصيام يحميهم من الكذب ويعلمهم خلق الصدق وأيضا خلق المراقبة لله تعالى لأنه يدرك أن الذي يراه في كل مكان هو الله وعليه أن يخاف أن يراه وهو يأكل أو يشرب قبل المغرب وكل هذه القيم والمعاني بلا شك سوف تخرج للمجتمع شخصية غاية في الاعتدال والاستقامة. وتحدثنا أخصائية طب الأطفال زينب إسماعيل عن بداية الصوم للأطفال بأن سن السادسة مناسب تماما لصيام الطفل بالتدريج حيث تراعي الأم طفلها فيصوم من 4-6 ساعات حسب قدرته البدنية على الصيام حيث انه إذا بدأ الصيام قبل هذه السن فقد يصاب الطفل بنقص الكالسيوم من جسده وكذلك نقص بعض المعادن وسوء التغذية.. كما انه من الممكن أن يتأثر الطفل نفسيا إذا اجبر على الصيام فيظن انه عقاب له من أمه على خطأ ارتكبه لأنه لا يدرك معنى فريضة الصيام ويجب على الأمهات أن تحذرن من الإجبار على الصوم مؤكدة أن الطفل يميل إلى تقليد اخوته وأفراد أسرته الكبار من حوله في الصيام في سن سبع سنوات. وتقول أحدى الأمهات حول صيام أطفالها: لدي ثلاثة أطفال اثنان منهم في المرحلة الابتدائية وقد حرصت على أن أعودهما على الصوم برغبتها ودون ضغط مني عليهم، وحببت إليهم الصوم فبدأت ابنتي في سن السادسة وهي في الصف الأول الابتدائي بالصيام وقد استجبنا لطلبها أنا ووالدها لكي تتناول معنا طعام السحور وبدأت معنا من أول يوم صيام وهي في شدة الفرح أنها تفعل مثل الكبار تماما وكان أخوها الصغير بعد ذلك يقلدها في الصيام فبدأ وسنه خمس سنوات يصوم فترات متقطعة في أجزاء من اليوم حتى إذا ما دخل المدرسة في سن السادسة صام الشهر كاملا دون أدنى ضغط اللهم إلا ثلاثة أو أربعة أيام اخطرها بمزاجه الشخصي ودون عذر ولم يتعرض لأي لون من العتاب أو العقاب حتى لا ينفر من الصوم. وتضيف: لقد غرست في ابنائي مراقبة الله ومحاسبة أنفسهم وكنت أعلمهم كلمات تعلمناها من صحابة رسول الله «ص» وهي ترديد: الله شاهد عليّ.. الله ناظر اليّ.. الله يراني وانا صائم وفي كل أحوالي..، وهذا بلا أدنى شك ساعدني على تربيتهم تربية إسلامية سليمة بفضل فريضة الصيام. القاهرة ـ أنس المليجي