روى الشيخان عن أبي هريرة رضي الله عنه ان رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «قال الله عز وجل: للصائم فرحتان يفرحهما، إذا أفطر فرح بفطره، وإذا لقي ربه فرح بصومه» في هذا الحديث إخبار من الحق تبارك وتعالى بأن للصائم الذي صام رمضان إيماناً واحتساباً فرحة في الدنيا، وفرحة في الآخرة، فأما فرحة الدنيا: فتكون في يوم عيد الفطر من رمضان وليلة العيد أيضاً، وسبب الفرحة في يوم العيد وليلته، فلما يناله الصائم من أجر وثواب لا يحصي عدده إلا المعطي المنان، الذي بيده سماء بالليل وبالنهار لا ينقصها نفقة، ففي ليلة عيد الفطر يفرح الصائم بالعفو الرباني عن جميع ما سلف من ذنوب من صام رمضان وعرف حدوده، وتحفظ ما ينبغي ان يتحفظ منه. جاء في الحديث الشريف الذي رواه البيهقي والبزار وأحمد من طرق متعددة ان رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «أعطيت أمتي في شهر رمضان خمساً لم يعطهن نبي قبلي: ثم قال: وأما الخامسة فإنه إذا كان آخر ليلة من رمضان غفر لهم جميعاً، فقال رجل من القوم: أهي ليلة القدر يا رسول الله؟ قال: لا،ألم تر إلى العمال يعملون فإذافرغوا من أعمالهم وفوا أجورهم» وأيضاً: لأنها ليلة العتق من النار، كما جاء في الحديث الشريف: «ولله في كل ليلة من رمضان ألف ألف عتيق من النار، فإذا كان آخر ليلة اعتق مثل ما أعتق في الشهر كله» ، وفي يوم العيد تكون الفرحة التي مابعدها فرحة، لأن الصائم يخرج في لقاء مع الله ليتلقى الجوائز والثواب والرضوان والمغفرة، والوعد بالستر يوم الدين والنجاة من الخزي والعار، كما جاء في الحديث الشريف الذي رواه أبو الشيخ ابن حبان والبيهقي عن ابن عباس رضي الله عنهما ان النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إذا كان غداة الفطر من رمضان بعث الله عز وجل الملائكة في كل بلاد فيهبطون إلى الأرض فيقفون على أفواه السكك ـ أي الأزقة ـ فينادون بصوت يسمع من خلق الله عز وجل إلا الجن والانس فيقولون يا أمة محمد أخرجوا إلى رب كريم يعطي الجزيل ويعفو عن العظيم، فإذابرزوا إلى مصلاهم يقول الله عز وجل للملائكة: ما جزاء الأجير إذا عمل عمله، فتقول الملائكة: إلهنا وسيدنا جزاؤه ان توفيه أجره، فقول: فإني أشهدكم ياملائكتي أني قد جعلت ثوابهم من صيامهم شهر رمضان وقيامهم رضاي ومغفرتي ويقول: يا عبادي سلوني فوعزتي وجلالي لا تسألوني اليوم شيئاً في جمعكم لآخرتكم إلا أعطيتكم، ولا لدنياكم إلا نظرت لكم، فوعزتي لأسترن عليكم عثراتكم ما راقبتموني، وعزتي لا أخزيكم ولا أفضحكم بين أصحاب الحدود، انصرفوا مغفوراً لكم، قد أرضيتموني ورضيت عنكم، فتفرح الملائكة وتستبشر بما يعطي الله عز وجل هذه الأمة إذا انصرفوا من شهر رمضان. وأما فرحة الآخرة فتكون في خمسة مواطن: أولها في الحشر، حيث يتمثل الصوم رجلاً ساقياً يحمل الماء لصاحبه، قال صلى الله عليه وسلم: «رأيت رجلاً من أمتي قد عطش عطشاً شديداً فجاءه صيامه فسقاه وأرواه» . والموطن الثاني: موطن الحساب حيث يتمثل الصيام شفيعاً لصاحبه، قال صلى الله عليه وسلم: «الصيام والقرآن يشفعان للعبد يوم القيامة، يقول الصيام: أي رب منعته الطعام والشراب والشهوة فشفعني فيه، ويقول القرآن: أي رب منعته النوم بالليل فشفعني فيه، قال: فيشفعان». والموطن الثالث: موطن العبور على الصراط: حيث يصير الصوم حصناً حصيناً لصاحبه يحميه من السقوط في النار، قال صلى الله عليه وسلم: «الصيام جنة وحصن حصين من النار». والموطن الرابع: موطن دخول الجنة، حيث يدخل الصائمون من باب مخصوص تكريماً لهم، قال صلى الله عليه وسلم «إن في الجنة باباً يقال له الريان، يدخل منه الصائمون يوم القيامة، لا يدخل منه أحد غيرهم، فإذا دخلوا أغلق فلم يدخل منه أحد» رواه الشيخان. والموطن الخامس: موطن الثواب في الجنة، قال صلى الله عليه وسلم: «فمن صان نفسه في شهر رمضان فلم يشرب فيه مسكراً أو لم يرم مؤمنا ببهتان ولم يعمل خطيئة، زوجه الله بكل ليلة حورية وبنى له قصراً في الجنة من ذهب وفضة وياقوت وزبرجد لو ان الدنيا جمعت فجعلت في ذلك القصر لم تكن إلا كمربط عنز في الدنيا»