روى الإمام مسلم بسنده عن النعمان بن بشير قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «إن الحلال بيّن وإن الحرام بيّن وبينهما مشتبهات لايعلمهن كثير من الناس فمن اتقى الشبهات استبرأ لدينه وعرضه، ومن وقع في الشبهات وقع في الحرام كالراعي يرعى حول الحمى يوشك أن يرتع فيه، إلا وإن لكل ملك حمى، ألا وإن حمى الله محارمه، ألا وإن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله، وإذا فسدت فسد الجسد كله، ألا وهي القلب». الإسلام هو دين العلم والعمل، يدعو أتباعه لمعرفة أصوله وفروعه ، والوقوف على الظاهر منها والخفي ، حتى إذا ماجاء دور العمل كان منبعثا من نور، وسائرا على هدى... كما ينبه إلى مستقر العقيدة في الإنسان، ومصدر أعماله كلها، وهو«القلب» فبصلاحه يتم صلاح سائر الجسد، وبفساده يكون فساد سائر الجسد. وهذا الحديث يوضح بيان الحلال والحرام وما بينهما، ويضع الضوابط الدقيقة لمنع أية شبهة تتسرب إلى المال وغيره، فالمال يمثل أقصى شهوات النفس البشرية، ولهذا يأمر الله بتناول الحلال الطيب قبل أن يأمر بعمل الصالحات. قال تعالى: (كلوا من الطيبات واعملوا صالحا)، إذ كيف تقبل عبادة، أو يستجاب دعاء والمال من حرام؟! قال صلى الله عليه وسلم « إن الله طيب لايقبل إلا طيبا، وإن الله أمر المؤمنين بما أمر به المرسلين فقال: ( يا أيها الذين آمنوا كلوا من طيبات مارزقناكم) ثم ذكر الرجل يطيل السفر أشعث أغبر يمد يديه إلى السماء: يارب يارب ، ومطعمه حرام، ومشربه حرام، وملبسه حرام، وغذي بالحرام فأنى يستجاب لذلك»؟. والحديث الذي معنا يقطع طريق الريبة إلى النفوس، ويحد من أطماع المتلاعبين بالكسب والعمل، أو العابثين بشتى الوظائف الاجتماعية : فيقرر حقيقة هي من الوضوح بمكان بحيث لايفغلها أحد، ولاتغيب عن ذهن عاقل. «الحلال بين والحرام بين» انه واضح للخاصة والعامة معلوم من الدين بالضرورة أي لا يجهله أحد ما بداهة، فلا شبهة فيه ولاغموض. ومن أمثلة الحلال: أكل الطيب المباح ، وشرب الطيب المباح، ولبس الأثواب المباحة... ومن أمثلة الحرام أكل الربا ، وشرب الخمر، والسرقة وما إلى ذلك... ومن رحمة الله بالإنسان أنه بين له الحلال من الحرام، والطيب من الخبيث وتكفل سبحانه بشأن التحليل والتحريم عن طريق الوحي الإلهي المعصوم، فقال سبحانه: ( ونزلنا عليك الكتاب تبيانا لكل شيء) وقامت السنة الشريفة كمصدر ثان للتشريع بجوار القرآن في تفصيل ما أجمل، وبيان مايحتاج إلى توضيح، قال تعالى: ( وأنزلنا إليك الذكر لتبين للناس ما نزل إليهم) قال العباس: (والله ما مات رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى ترك السبيل نهجا واضحا وأحل الحلال وحرم الحرام). قال تعالى (اليوم أكملت لكن دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام دينا). ثم ينتقل الحديث بعد ذلك إلى بيان أمر ثالث: وهي الأمور المشتبهة «وبينهما مشتبهات لا يعلمها كثير من الناس» أي بين الحلال والحرام أمور مشتبه على كثير من الناس حكمها فلا يقطعون فيها برأي ولايقفون على حكمها بالتعيين أتكون من الحلال أم لا؟ والسبب في هذا، أنه يتنازعها دليل الحل فيظن أنها حلال، ودليل الحرمة فيظن أنها حرام من جهة عموم الأدلة. ولكن ما حكم مثل هذه الأمور؟. ذهب بعض العلماء إلى انها حرام ، وقال البعض: إنها مكروهة وقيل: الوقف فلا يحكم فيها بحل ولا حرمة، لأنها غير واضحة. والذي نراه: هو الأخذ بالأحوط، فبالنسبة لمن لم يقطع في هذه الأمور برأي واضح الدليل معين على أن يسأل الراسخين في العلم وهم القلة الذين أوتوا بصيرة مستنيرة ، وعقلية علمية راجحة ولديهم القدرة على الجمع بين الأدلة التي ظاهرها التعارض، قال تعالى: ( ولو ردوه إلى الرسول وإلى أولي الأمر منهم لعلمه الذين يستنبطونه منهم). أما إذا اختلفت آراء العلماء باختلاف استظهار الأدلة فعلى المسلم أن يحتاط لدينه فيتوقف عن هذه الأمور ، ومن أمثلة ذلك في عصرنا الحاضر: «فوائد صناديق التوفير» و«شهادات الاستثمار» وما يشبه ذلك من المعاملات الأخرى، لأن الرسول صلى الله عليه وسلم يقول في تتمة الحديث: «فمن اتقى الشبهات فقد استبرأ لدينه وعرضه» أي أن من حذر من الشبهات وتوخى الاقتراب من مواطنها فقد طلب البراءة وحصل عليها فحافظ على دينه من النقص، وعلى عرضه من الطعن فيه، وبهذا يفهم أن من اقترب من هذه الأمور فقد تعرض للطعن فيه، فعلى المسلم أن يحافظ على أمور دينه ومروءته. وفي الحديث :«إني لأنقلب إلى أهلي فأجد التمرة ساقطة على فراشي فأرفعها لآكلها ، ثم أخشى أن تكون من الصدقة فألقيها». وعلى العالم ألا يفعل شيئا قد يكون ظاهره مدعاة لسوء الظن به حتى يبين وجه الحقيقة فيه، وعلى الناس عامة إلا يعرضوا أنفسهم للقيل والقال، بل عليهم إذا أحسوا بشيء من هذا القبيل أن يبينوه حتى لاتظن بهم الظنون. وفي الصحيحين: أن صفية بنت حيي زوج رسول الله صلى الله عليه وسلم جاءت تزوره حين اعتكافه في المسجد في العشر الأواخر من رمضان ثم قامت فقام معها يودعها، فمر بهما رجلان من الأنصار، ورأياه واقفا معها، فقال: على رسلكما إنها صفية بنت حيي، فقالا: سبحان الله يا رسول الله: وهلا نظن بك إلا خيرا. فقال: إن الشيطان يجري من ابن ادم مجرى الدم، وقد خشيت أن يقذف في قلوبكما شرا. ثم يبين الحديث بعد ذلك مغبة مايؤول إليه أمر هذه الأمور المشتبهة ، بأن من وقع فيها وقع في الحرام كالراعي يرعى حول الحمى يوشك أن يواقعه ، فان فعل الشبهات يقرب من الحرام، لأن الكثرة منها تجعل صاحبها يصادف الحرام دون أن يشعر أو أن كثرة تعاطي الشبهات والتساهل في أمرها تجعله يجرؤ على الوقوع في الحرام. واذا كان لكل ملك حمى يحميه عن الناس ، ويمنع أحدا ما أن يدخل فيه ومن دخل أوقع به العقوبة، ومن أجل هذا لا يقاربه أحد رهبة وخوفا ، وإذا كان الحال كذلك فإن حمي الله تعالى ـ وهي محارمه ـ أولى بالبعد عنها، وأجدر ألا يقربها الناس فالمعاصي ، من قتل أو زنا أو سرقة أو غيبة وغير ذلك كل هذا حمى الله من دخلها وارتكب شيئا منها كان موضع غضب الله وعذابه،. ـ رئيس جامعة الأزهر