التغيير.. ضرورة هامة من ضروريات الحياة! وهو إما أن يكون هادئا. فلا يتجاوز الإصلاح! أو أن يكون مفاجئا وعنيفا.. فيقفز إلى مستوى الثورة! والإسلام دين الحياة. يقنن حالة التغيير والثورة والإصلاح. وإذا كانت الثورة تختلف عن الإصلاح في المجتمعات الغربية ليس فقط لأنها تتميز بالعنف.. وإنما أيضا لأن مفهوم الإصلاح لا يعني التغيير الجذري والشامل الذي تعنيه الثورة. فإن الثورة في المجتمعات العربية والإسلامية.. تكاد أن تتفق مع الإصلاح.. فكلاهما تغيير شامل وجذري وعميق.. وأن اختلفت الأدوات التي تؤدي إلى هذا التغيير! حول هذه القضية المهمة. يقدم لنا المفكر الإسلامي الدكتور محمد عمارة كتابه الجديد.. الإسلام وضرورة التغيير.. الذي يقع في ثلاثة فصول.. يتحدث المؤلف في الفصل الأول عن موقف الإسلام من الإبداع والإبتداع.. موضحا أن من الأفعال الإنسانية ما هو محاكاة وتقليد وإتباع.. ومنها هو إبداع وتجديد.. أي إنشاء وإختراع لا على مثال سابق. وإذا كان هذا الإبداع مخالفا لما أمر به الله سبحانه وتعالى.. أو رسوله صلى الله عليه وسلم.. فتلك هي بدعة الضلالة المذمومة إسلاميا. أما إن كان الإبداع واقعا تحت عموم ما ندب الله إليه. ودعا إليه الرسول.. فهو في حيز الممدوح. وكذلك إذا كان الإبداع فيما لا يخالف أمر الله ورسوله. فهو محمود.. حتى وأن لم ينزل به وحى ولم يرد فيه حديث. وإذا كانت عمارة الأرض هي المقاصد العظمى من وراء استخلاف الله للإنسان. فإن الإبداع الإنساني في سائر ميادين العمران البشري داخل في السبل والآليات التي لابد منها لتحقيق مقاصد هذا استخلاف شريطة ألا يخالف هذا الإبداع دينا ثابتا في البلاغ القرآني أو في البيان النبوي لهذا البلاغ. ولأن المسلمين قد أجمعوا على جواز وصف الإنسان بالعلم والعالم.. مع أنها من صفات الله سبحانه وتعالى.. الذي ليس كمثله شئ. لأ في الذات.. ولآ في الصفات.. وذلك وعيا منهم بإختلاف المضامين والمفاهيم في الصفة.. عندما يوصف بها الله.. عنها عندما يوصف بها الإنسان.. فعلم الله كلي ومحيط وسبب في وجود الموجودات.. بينما علم الإنسان جزئي ونسبي ومعلوم ومسبب عن الموجودات. لأن المسلمين صنعوا ذلك دون تحرج، رأينا علماءنا يميزون بين الإبداع الإلهي - والله «بديع السماوات والأرض» وبين الإبداع الإنساني قائلين: ان الإبداع إذا استعمل في الله تعالى.. فهو: إيجاد الشئ بغير آله ولا مادة ولازمان ولا مكان. وليس ذلك إلا الله.. بينما الإبداع الإنساني له آلياته ومواده.. وهو داخل في الزمان والمكان. وهكذا تميز منهاج النظر الإسلامي بالجرأة والدقة.. عندما لم يقف عند حدود المصطلحات.. وإنما عين الفروق في مضامين المصطلحات ومفاهيمها. فحافظ على أرقى مستويات التنزيه والتجريد في صفات الذات الإلهية.. في نفس الوقت الذي فتح فيه أمام الإنسان المسلم أوسع الأبواب للإبداع والإبتداع فيما لا يخالف ما جاء به البلاغ القرآني والبيان النبوي من أحكام الإسلام. وفي الفصل الثاني يطرح المؤلف قضية الاجتهاد.. مؤكدا حاجتنا الشديدة إلى هذه الفريضة في ذلك الزمن الذي نعيش فيه. زمن دائم التغيير. متلاحق التطور. يمتزج فيه الخاص بالعام. والمطلق بالمحدد.. بحيث أصبح الإجتهاد فيه ضرورة دينية ملحة. الاجتهاد كالجهاد.. من جهد. وهو لغة: استفراغ الوسع في تحصيل أمر مستلزم للكلفة والمشقة. واستفراغ الوسع معناه: بذل تمام الطاقة. بحيث يحس المجتهد من نفسه العجز عن المزيد عليه. وهو في إصطلاح الإصوليين - علماء أصول الفقه: استفراغ الفقيه الوسع لتحصيل ظن بحكم شرعي.. فالمجتهد هو الذي تكون لديه ملكه الاقتدار على استنباط الفروع من الأصول. والأسباب التي تمكن المجتهد - في العلوم الشرعية وكذلك في العلوم العقلية - كثيرة.. تفاوت تعدادها لدى بعض العلماء.. ولكن يجمعها سببان أو شرطان: الأول: معرفة الأصول.. كتابا وسنة والثاني: معرفة الاستنباط من الأصول بالقياس وهذا في الشرعيات والحلال والحرام.. أما في العقليات. فالسببان هما: معرفة الاوائل العقلية ومعرفة وجه الاستنباط منها. أما تفصيل شروط المجتهد.. كما حددها علماء الأصول فهي: التمكن من اللغة إلى الحد الذي تتحصل فيه للمجتهد القدرة على إدراك أسرار البيان القرآني المعجز ومقاصد السنة النبوية الشريفة، الفهم والتدبر لآيات الأحكام في القرآن 500 آية، رسوخ القدم في السنة النبوية الشريفة وعلومها. رواية ودراية.. سندا ومتنا.. وعلى الأخص ما جاء في صحاحها ومجاميعها ومسانيدها من أحاديث الأحكام. التي قدرها البعض بثلاثة آلاف حديث، وكذلك المعرفة المحيطة بالناسخ والمنسوخ.. والعام والخاص.. والمطلق والمقيد. في آيات القرآن الكريم وأحاديث السنة النبوية الشريفة، فضلا عن المعرفة بأصول الفقه واجتهادات أئمته فيه. .ومسائل الجماع والقياس فيه، الحذق لروح التشريع الإسلامي ومقاصد الشريعة الإسلامية حتى تتحصل للمجتهد ملكه الجمع والمقارنة بين النصوص المتعددة.. والتي مختلفة أو متناقضة في المسألة الواحدة. والخروج منها بالحكم المحقق للمقاصد وروح التشريع. ولقد تبدو هذه الشروط عزيزة الوجود والتحقق والاجتماع في العالم الفرد.. في عصر التخصصات الدقيقة والجزئية للعلوم الذي نعيش فيه. لكن تطور أدوات وسائل الطباعة والفهرسة والتوثيق والتخزين للمعلومات قد يسهل أمور الاجتهاد وييسر إجتماع شروط لعلماء اليوم أكثر مما كان ذلك ميسورا قبل هذا التطور في سبل البحث العلمي ووسائله. القاهرة- مصطفى علي محمود