هاتان لوحتان في لوحة واحدة، او لنقل: لوحات متواصلة من الجمال الذي يتجلى في روعة الزمان والمكان عندما يمتزجان مع بعضهما بعضاً، ثم يستمر العرض الجميل الى ان تطلع الشمس، ولعل مطلع الشمس او ساعة الشروق تحاكي الغروب، مع الاختلاف، ولكنها ستكون لوحتنا القادمة. اما هذه اللوحة البديعة فتبدأ بطلوع الشمس ثم تعطيك كل لحظة منظراً آخر غير الذي قبله، فأولى لحظات الفجر يعبر عنها القرآن بتعبير لا يستطيع ان يعبر عنه البشر، لان البشر لايدركون مركز الكون كله، فيقول تعالى «والليل اذا عسعس والصبح اذا تنفس» وكأنه يرسم لك عملاقاً يتنفس نوراً بشهيقه وزفيره، وزفيره هو نور الفجر، فيشبه لنا خيوط الفجر الاولى كأنها صادرة عن هذا العملاق، ثم يرسم لنا هذه اللوحة من اتجاه آخر، فيعطيها جمالاً آخر غير الجمال الاول يقول تعالى «فالق الاصباح» 96 الانعام، وجمال هذه اللوحة تظهر ان الليل كأنه يستر النهار فيفلق الله هذا الظلام لكي يبتدئ الضياء المنتظر ليوم جديد، فترى الجزء الأسفل دون الفجر مظلماً، والفجر مضيئًا والأرض نحو المغرب مازالت مظلمة، ثم يمتد الضياء إلى ان يبتدئ الشفق الأحمر الشرقي بالظهور، فتزداد روعة اللوحة جمالاً آخاذاً خاصة في اواخر ايام الربيع واوائل الصيف حيث تصاحب هذه اللوحة مؤثرات خارجية هي نسمات الصباح العليلة وحركات الاشجار وحفيف اغصانها كأنها تتهامس فيما بينها، وزقزقة العصافير وهديل الحمام وصفير البلابل كأنها موسيقى تصويرية تعزف لقدوم يوم جديد وشروق صباح آخر يولد معه امل كل أمل ورجاء كل منتظر. وحيال هذه اللوحة الرائعة التي لا مثيل لها يطلب الله تعالى من البشر ان يشاركوا في هذه الموسيقى الكونية بأن يسبحوا بحمد هذا الخالق المبدع الذي يأملون فيه ويرجونه، وفي هذا يقول سبحانه «فسبح بحمد ربك قبل طلوع الشمس» 39 ق، عندئذ وبعد تسبيح البشر ودبيب الحركة تنقلب هذه اللوحة الى عبادة وتقديس للخالق المبدع، فما زقزقة العصافير ولا هديل الحمام ولا صفير البلابل إلا تسبيح للإله المعبود الذي يتحرك الكل بأمره، ويسير الكون باذنه ويسبح الجميع بحمده وامره، ويستمطرون منه رزق يوم جديد وامداداً الهياً جديداً، فسبحان فالق الاصباح ومغير الليل والنهار، وتعالى وتقدس اسمه في السماء والارض، خلق فأبدع ورزق فأشبع وامر فأسمع «ان ربكم الله الذي خلق السموات والارض في ستة ايام ثم استوى على العرش يغشي الليل النهار يطلبه حثيثاً والشمس والقمر والنجوم مسخرات بأمره ألا له الخلق والامر تبارك الله رب العالمين» 54 الاعراف فهد الهاجري