صعاليك. كوم - أبو خراش والوجه الآخر- يوميات يكتبها: ظاعن شاهين شغلت شبكات الانترنت انظار العالم، فغدت لغتهم وأحاديثهم وتسليتهم وأصبحت مجالا مفتوحاً لبث جميع الأفكار والآراء دون قيود، فتواصل القاصي بالداني والتلميذ بالدكتور الجامعي ورجل الأعمال برجل الشارع العادي، فلم تعد القيود مفروضة بشكلها القديم على المعلومة وتدفقها، ولم تعد هناك أبواب يقف عندها بوابون يسألونك اتجاهك الى أين ومن تريد؟ ومن خلال هذه الشبكة العنكبوتية المفتوحة نأخذك يوميا عزيزي القاريء في قصص مثيرة وقعت في ازمنة متفرقة ولكن بفضل شبكة الانترنت استطعنا ان ندخل ونتداخل في أحداثها.. فهل تجرب معنا هذا الدخول المشروع في أوراق التاريخ؟ بعد مداخلة عروة ابن الورد المثيرة التي عقدت لساني والدكتور يوسف خليف، وذاك الطرح وتلك الفلسفة الحياتية، قررنا ان نغادر المكان مودعين الأخوة الصعاليك بكل احترام وتقدير، ولكن صوتاً خفيضاً استوقفنا وجعلنا لا نستعجل العودة الى زمننا هذا. كان صاحب الصوت هو الشنفري، وكان السؤال الذي طرحه بعفوية مطلقة كبيراً ومؤثراً.. فصاحبنا الذي قاسى نبذ المجتمع له أراد أن يعيد صياغة النظرة السائدة والمتوارثة للصعلوك وان يعولمها إن جاز التعبير، فطرح سؤاله القائم على الركام المتوارث قائلاً: بعد ان رأيتم بأم اعينكم حالنا وتقاسمتم الخبز معنا وعرفتم لماذا نحن خارجون عن أسوار الفضاء الضيق، كيف ستغيرون تلك النظرة، وهل ستنجحون؟ بعد علامة الاستفهام الحائرة سادت لحظات صمت لم يكسرها إلا صوت عروة بن الورد، ذاك الصوت الجهوري المجلجل، وقال: دعّ الأيام يا صاحبي تقول كلمتها، واترك التاريخ ينقش وجهه في وريقات الحياة، فحتماً هناك من يعي ويفهم ويدرك دورة الأيام. لم تكن تلك الكلمات الخارجة من الصدر إلا حكمة استرقتها الأيام من شخص جرب غدرها وعاش تفاصيلها ونقاطها القصية، ولم يكن ذاك الصوت إلا صوت رجل طرّز التاريخ بأسمه وحكايته المثيرة. ارتد الصوت من جديد مودعاً، فتبعته أصوات أخرى.. فما كان منا إلا ان مددنا أيدينا مصافحين، ومؤكدين على وجوب تغيير تلك الصورة الثابتة عن هؤلاء القوم الذين تكالبت عليهم الأقدار فرسمت صورة غير دقيقة عنهم. وبنقرة على الجهاز اختفت الصورة، فعدنا من حيث بدأت الحكاية.. كادت الرحلة التي قطعت من خلالها آلاف السنين عودة إلى الزمن القديم، كادت ان تقضي عليّ، فقد كانت درجة الحرارة مرتفعة بشكل كبير، ولم أدر بنفسي إلا بعد عدة أيام بعد أن جرّبت الحمى الدخول إلى جسدي المنهك عدة ليال ونجحت دون مقاومة.. ولم أكد أتعافى حتى جرّتني. قدماي جراً إلى مكتبي حيث يقبع ذاك الجهاز المتواصل مع حدود العالم وجهاته دون قيود.. سألت نفسي بعد أن دخلت في المرة الأولى من خلال مادة الصعلكة والصعاليك أين الاتجاه هذه المرة، هل اتواصل مع تلك الازمنة الغابرة أم أحدد أزمنة جديدة محاولا اكتشاف التفاصيل الغائبة في شخوصها.. وبعد أخذ ورد بيني وبين نفسي قررت ألا أقف عند فترة بعينها بل أقفز متجاوزاً بوابات التاريخ وعابراً مربعات الجغرافيا بطولها وعرضها. لم تكن المسألة سهلة بالنسبة لي خاصة وأنني مغرم بحكايات الصعاليك، لذا وجدتني انجرف من جديد لأطرق ذاك الزمن القديم حيث امتداد الصحراء، وزحفها المتواصل فأتحاور مع أحد شعرائها المخضرمين الذين حسنوا خلقاً ومذهباً في الاسلام وبه، وانقش من جديد أيضاً إسماً آخر لأحد الصعاليك. ما كدت أحدد اسمه على شاشة الكمبيوتر طالباً نقلي إليه حتى وجدتني وجها لوجه أناظره واتطلع إلى ملامحه المكدودة. وبصوت هاديء ينم عن مشاعر ألفة ومعرفة قديمة بادرته بالسلام: فأجاب: وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته.. ولكن من أنت يا أخ العرب؟ ثم أردف: تبدو على ملامحك وثيابك أنك من الأمراء، فثيابك مرتبة بعناية بالغة ولونها الأبيض الناصع يدل على اهتمامك بمظهرك بشكل لم أره في أحد من العرب، فمن انت وما هي حكايتك؟ أجبته بهدوء مصطنع أنا يا أبا خراش من زمن آخر يبعد عن زمانك آلاف السنين، وجئت لأتعرف عليك وأعرّف ابناء جيلي على شخصك وسيرتك. بعد صمت قصير قال: وماذا تعرف عني؟ قلت: الذي اعرفه ان اسمك هو خويلد بن مرة، وأنك من العدائين المسرعين شأنك في ذلك شأن اترابك من الصعاليك.. وقد ذكر عنك أبو الفرج الاصفهاني في كتابه الأغاني أنك ممن يعدو فيسبق الخيل في غارات قومك وحروبهم، فما حقيقة تلك الرواية؟ .. وغداً نكمل