يقول علماء المنطق: الحكم على الشيء فرع عن تصوره اذ لا يمكن الحكم على المجهول كما لا يمكن الحكم على شيء مختلف في تحديد ماهيته وتصوير حقيقته: أي شيء هي؟ لهذا كان علينا باديء ذي بدء ان نكشف عن معنى التطرف الديني» وحقيقته وأبرز علاماته. والتطرف في اللغة معناه: الوقوف في الطرف بعيدا عن الوسط وأصله في الحسيات كالتطرف في الوقوف او الجلوس او المشي ثم انتقل الى المعنويات كالتطرف في الدين او الفكر أو السلوك. ومن لوازم التطرف انه اقرب الى المهلكة والخطر وأبعد عن الحماية والأمان وفي هذا قال الشاعر: كانت هي الوسط المحمي فاكتنفت بها الحوادث حتى أصبحت طرفا! والإسلام منهج وسط في كل شيء في التصور والاعتقاد والتعبد والتنسك والأخلاق والسلوك والمعاملة والتشريع وهذا المنهج سماه الله «الصراط المستقيم» وهو منهج متميز عن طرق أصحاب الديانات والفلسفات الأخرى من «المغضوب عليهم» ومن «الضالين» الذين لا تخلو مناهجهم من غلو او تفريط. والوسطية إحدى خصائص الإسلام وهي احدى المعالم المهمة والأساسية التي ميز الله بها أمته عن غيرها: «وكذلك جعلناكم أمة وسطا لتكونوا شهداء على الناس»، فهي أمة العدل والاعتدال التي تشهد في الدنيا والآخرة على كل انحراف يمينا او شمالا عن خط الوسط المستقيم. والنصوص الاسلامية تدعو الى الاعتدال وتحذر من التطرف الذي يعبر عنه في لسان الشرع بعدة الفاظ منها: الغلو والتنطع والتشديد والواقع ان الذي ينظر في هذه النصوص يتبين بوضوح ان الاسلام ينفر اشد النفور من هذا الغلو ويحذر منه أشد التحذير وحسبنا ان نقرأ هذه الاحاديث الكريمة لنعلم إلى أي حد ينهى الإسلام عن الغلو ويخوف من مغبته. روى الامام أحمد في مسنده والنسائي وابن ماجة والحاكم عن ابن عباس رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إياكم والغلو في الدين فإنما هلك من قبلكم بالغلو في الدين». والمراد بمن قبلنا: أهل الأديان السابقة وخاصة أهل الكتاب وعلى الأخص: النصارى وقد خاطبهم القرآن بقوله: «قل يا أهل الكتاب لا تغلو في دينكم غير الحق ولا تتبعوا أهواء قوم قد ضلوا من قبل وأضلوا كثيرا وضلوا عن سواء السبيل». فنهانا أن نغلو كما غلوا والسعيد من اتعظ بغيره. وروى مسلم في صحيحه عن ابن مسعود قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «هلك المتنطعون» قالها ثلاثا. ونلاحظ ان هذا الحديث والذي قبله جعلا عاقبة الغلو والتنطع هي الهلاك وهو يشمل هلاك الدين والدنيا وأي خسارة أشد من الهلاك وكفى بها زجراً. وروى أبو يعلى في مسنده عن أنس بن مالك ان رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يقول: «لا تشددوا على أنفسكم فيشدد عليكم فإن قوماً شددوا على انفسهم فشدد عليهم فتلك بقاياهم في الصوامع والديارات «رهبانية ابتدعوها ما كتبناها عليهم». ومن أجل ذلك قاوم النبي صلى الله عليه وسلم كل اتجاه ينزع الى الغلو في التدين وأنكر على من بالغ من أصحابه في التعبد والتقشف مبالغة تخرجه عن حد الاعتدال الذي جاء به الاسلام ووازن به بين الروحية والمادية ووفق بفضله بين الدين والدنيا وبين حظ النفس من الحياة وحق الرب في العبادة التي خلق لها الانسان. فقد شرع الإسلام من العبادات ما يزكي نفس الفرد ويرقى به روحيا وماديا وما ينهض بالجماعة كلها ويقيمها على أساس من الأخوة والتكافل دون ان يعطل مهمة الإنسان في عمارة الأرض فالصلاة والزكاة والصيام والحج عبادات فردية واجتماعية في نفس الوقت فهي لا تعزل المسلم عن الحياة ولا عن المجتمع بل تزيده ارتباطا به شعوريا وعمليا ومن هنا لم يشرع الاسلام الرهبانية التي تفرض على الانسان العزلة عن الحياة وطيباتها والعمل لتنميتها وترقيتها بل يعتبر الارضكلها محرابا كبيرا للمؤمن ويعتبر العمل فيها عبادة وجهادا اذا صحت فيه النية والتزمت حدود الله تعالى. فجاء الاسلام بالتوازن في هذا كله: «ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة». ودعاء رسول الله صلى الله عليه وسلم: «اللهم أصلح لي ديني الذي هو عصمة أمري وأصلح لي دنياي التي فيها معاشي وأصلح لي آخرتي التي اليها معادي».